الدرس : 5 - سورة المعارج - تفسير الآية 32

1997-08-15

 ثقل الأمانة

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الخامس من سورة المعارج، ومع الآية الثانية والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

( سورة المعارج )

 إن هؤلاء مصلين مستثنون من الهلع والجزع، ومن الحرص والمَنع، وهذه الصفات هي في أصل خلق الإنسان، وهي نقاط ضعفٍ لصالحه تدفعه للإيمان، والهلع هو شدة الجزع وشدة الحرص، فبالحرص ترقى إذا أنفقت، وبالجزع ترقى إذا خِفْت، وبخوفك تلتمس أبواب الله عزَّ وجل و تنساق إلى العبودية لله عزَّ وجل، وتلجأ إلى الصُلْحِ مع الله، وخوفك يحملك على التوبة، وهذا الخوف الشديد هو في أصل خلقك، وهو فيما يبدو نقطة ضعفٍ، لكنه في الحقيقة سببٌ لتوبتك و صُلْحِكَ مع الله، فالإنسان كما وصفته الآيات:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) ﴾

( سورة المعارج )

 وإذا اتصل هذا الإنسان بالله عزَّ وجل أصبح مستثنىً من هذا الضعف الخلقي، فهناك فرقٌ واضح جوهري نوعي بين المُتَّصِل وغير المتصل.
 قسما البشر بحسب الآية:
 أيها الإخوة... في ضوء هذه الآية يمكن أن يُقْسَمَ البشر إلى قسمين لا ثالث لهما ؛ وهما: المتصل والمنقطع، فالمتصل مُحْسِن مطمئن كريم منضبط بمنهج الله و يرجو رحمة الله وهو أسعد الناس، أما المُنقطع فهو متفلتٌ من منهج الله، مسيءٌ إلى الخلق، قلبه فارغ، ممتلئٌ خوفاً وذعراً و تشاؤماً، فيؤذي الخلق، وهو أشقى الخلق، ولست مبالغاً إذا قلت: إن البشر في ضوء هذه الآية قسمان: متصلٌ مطمئنٌ، كريمٌ، ومنقطعٌ جذوعٌ، منوع، ولكن ربنا عزَّ وجل قيد هؤلاء المصلين بصفاتٍ كثيرة، لئلا يتوهَّم الإنسان أنه إذا صلى ركعتين صار من المصلين، وقد تحدثت عن أكثر هذه الصفات في الدروس السابقة:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) ﴾

 ودرس اليوم:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

 شمول هذه الآية:
 أيها الإخوة... لا أعتقد أن في القرآن كلمةً تتسع لتشمل كل شيء كهذه الكلمة، والأمانة في أقدم معانيها هي نفسك التي بين جنبيك، فقد جعلها الله أمانةً عندك، فإذا زكيتها و عرفتها وحملتها على الطاعة و الاتصال بالله فقد زكيتها، فإذا زكيتها أدَّيْتَ الأمانة ؛ وإذا تركتها جاهلةً فقد خنت الأمانة، ومن توابع الجهل المعصية، ومن توابع المعصية القطيعة مع الله، فأول أمانة تحمِلها هي نفسك التي بين جنبيك، وقد قال الله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

( سورة الشمس )

 حرفتك أمانة:
 إن شؤون الدنيا والدين بأكملها هي أمانةٌ في عُنِقِك، ولو بدأنا بشؤون الدنيا لقلنا: حرفتك التي ترتزق منها أمانةٌ جعلها الله في عنقك، فإذا كنت مُعَلِّماً فهل أديت الأمانة لهؤلاء الصغار ؟ هل علَّمتهم بإخلاص ؟ هل هذَّبتهم ؟ هل وجَّهتهم ؟ هل عرَّفتهم بالله عزَّ وجل ؟ أم أنك عملت بقدر الراتب ؟ وهذا ما يقوله معظم الموظفين، إن عملت بقدر الراتب فقد خُنْتَ الأمانة، فإما أن تؤدي الأمانة بالتمام والكمال، وإما أن تدع هذه الحرفة وتعمل شيئاً آخر، أما أن تقدِّم عملاً يتوازى مع راتبٍ الذي لا يكفيك خمسة أيام وتقول: ليس علي شيء لأن الراتب قليل، فإنك في هذه الحال تكون قد خُنت الأمانة، و كل واحدٍ منا -أيها الإخوة -حرفته أمانةٌ في عنقه، فيا أيها الأستاذ: هل رفعت مستوى الأسئلة كثيراً، حتى يأخذ الطُلاب علامات متدنية كثيراً ليأتوا بك إلى البيت ويأخذوا دروساً خاصة ؟ إذا فعلت ذلك فقد خُنت الأمانة، لكنك إن جعلت الامتحان معتدلاً فقد أدَّيت الأمانة، وهذا ينطبق على أية حرفةٍ، فلو أنَّك كنت تعمل في المحاماة فعليك أن تسأل نفسك:، هل صدقت الموكِّل ؟ أم أوهمته أن دعواه رابحة، وأنت توقن يقيناً قطعياً أن دعواه خاسرة، هل أخذت ماله حراماً أم حلالاً ؟
وأبواب الخيانة لا تعدُّ ولا تُحصى، وهي في كل الحِرَفْ من دون استثناء، كالطب و الهندسة و المحاماة، والتدريس والتجارة، كذلك إذا كان عندك معمل غذائي، فهل تضع فيه مواد من الدرجة الثانية ؟ هل تضع مواد انتهى مفعولها ؟ هل تختار مواد قد تكون مُسَرْطِنَةً وتعلم ذلك ثم لا تعبأ ؟ هل تدقق في نوعية الإنتاج ؟ إن حرفتك هذه أمانةٌ في عنقك، والإنسان بحرفته عليم وخبير، ولا يستطيع الناس في الأَعَمِّ الأغلب أن يكتشفوا الخطأ، و لا يستطيع أن يكشف الخطأ إلا قلةً قليلة، لذلك كان جزءٌ كبيرٌ كبير كبيرٌ من الدين هو أن تؤدي الأمانة في الحرفة التي أقامك الله فيها، فهل نصحت المسلمين ؟ هل رحمتهم في الأسعار ؟ هل استَغَلَّيت ندرة المادة فضاعفت أسعارها أضعافاً مضاعفة ؟
أيها الإخوة... صدقوني أن دينكم في أداء أماناتكم، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

( سورة النساء: آية " 58 " )

 أنت موظف، وهذا الذي أمام الطاولة مواطن يرجوك أن توقِّع له هذه المعاملة، وبإمكانك بثانيةٍ أن توقعها له، فإن قلت له: تعال بعد غدٍ لأنك في حديثٍ مُمْتِعٍ مع موظف آخر، أو لأنك ترتشف فنجان قهوة، أو تطالع مقالة في جريدة، وهذا الذي أمامك قد يأتي من حلب، وقد يكلفه توجهك هذا أن ينام في الفندق ليلتين، فأنت بهذا قد خُنْتَ الأمانة.
 الدين أيها الإخوة ليس في المسجد، ففي المسجد نتعلم أحكام الدين، لكن الدين يمارس في عملك، في وظيفتك، في دُكَّانك، في تجارتك، فهل تأتي بهذه المواد و الهرمونات لترشها على النبات فيزداد حجم النبات وتبيعه بأسعارٍ عالية، وتكون بذلك قد عالجته بمادة مسرطنة ممنوع استعمالها، هل تعبأ بصحة الناس الذين يأكلون هذه الخضار، أم أنك تبغي الربح فقط؟ إخواننا الكرام.. إن الأساليب التي ينزلق فيها الإنسان لخيانة الأمانة لا تعد ولا تحصى، والإنسان ممتحن ومبتلى.
 إذا استأجرت سيارة مثلاً فالشيء مألوف أن هذه السيارة ليست لك، و بإمكانك أن تُحَطِّمَها دون أن تكون مسؤولاً، فتفعل كل الأساليب التي تتعبها وترهقها، لأن هذه ليست لي فهي أجرة، أنت بذلك قد خنت الأمانة، و إن أردت الكلام الصحيح أقول لك: إنك لن تعد عند الله مؤمناً إلا إذا جعلت كل شيءٍ بين يديك أمانة.
 و زوجتك أمانة كذلك، فهل دللتها على الله، إنها قد تؤدي لك كل ما تريد من دون استثناء، فمصلحتك محققةٌ معها، ولكن.. هل عَرَّفتها بالله ؟ هل حملتها على طاعة الله ؟ هل أخذت بيدها إلى الله ؟ هل كانت قرة عينٍ لك في دينها ؟ أم هي قرة عينٍ لك في جمالها ؟ وأولادك و بناتك أمانة كذلك، فهذه البنت الذي أهملها أبوها فزَلَّت قدمها، ماذا تقول لله يوم القيامة ؟ ستقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي، والله -أيها الإخوة – إننا لو نفهمها هذه الآية وحدها حق الفهم لانخلع قلبنا خوفاً من الله عزَّ وجل:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

( سورة المعارج )

 هل أديت حق طلابك أيها الأستاذ ؟ هل أديت حق مرضاك أيها الطبيب ؟ هل أدَّيت حق هذا البناء أيها المهندس ؟ أحياناً يبقى عند المهندس مسافة صغيرة، فيجعلها درجة غير طبيعية، فكم من حادث تسبب هذه الدرجة، و كم إنسان يتعثَّر بهذه الدرجة، مرة كنت في معمل فنبَّهني صاحب المعمل إلى أن الدرجة السابعة أعلى بسنتيمتر، قال لي: كم من إنسان تعثَّر على هذه الدرجة ؟ فقلت: لماذا ؟ إن الإنسان -سبحان الله- إذا صعد الدرج يقيس ارتفاع الدرجة ويقيس على هذا الارتفاع كل الدرجات بشكل آلي، فإذا كان هناك درجة ارتفاعها (سم) زيادة، أو أقل بـ (سم ) تعثَّر صاحبها، فهذا الذي أنشأ هذا الدرج سريعاً ولم يعبأ بسلامة الناس قد كان عمله أمانة فخان الأمانة، وكل من تعثَّر على هذا الدرج في صحيفته، وأحياناً يُرَكَّب أحدهم بلور بمسامير قليلة، وفي حالات الرياح الشديدة يقع البلور، فإذا وقع على طفلٍ وأرداه قتيلاً فمن المسؤول ؟ إنه الذي ركبه بهذه الطريقة، وقد وقع مرة صحن من صحون السطوح.. فضلاً عن الفساد الذي يحققه هذا الصحن.. وقع فقتل طفلةً في عمر الزهور، فلما سألوا: من ركَّب هذا الصحن ؟ لقد كان مركباً بـ(برغيين) من أصل أربعة (براغٍِِ)، ففي أيام الرياح وقع الصحن فأردى الطفلة ميتةً.
 أيها الإخوة... حدثني رجل قام بتغيير زيت، وصاحب العمل ترك لغلامٍ صغير أن يغيِّر الزيت فلم يحكم إغلاق الغطاء، فسال الزيت في الطريق فتعطَّلت السيارة والمسير بين جدة وبين دمشق في أيام الصيف، فخرج صاحب السيارة مرتين ليفحص السيارة ضربته الشمس فأردته قتيلاً، فمن الذي يحاسب عن هذه الجريمة ؟ وكم من أخطاء حدثت في غذائنا ومواصلاتنا، فخطأ في الطريق أحياناً يذهب ضحيته عشرات، وهذا الذي هندس الطريق هو المسؤول عن ذلك، ففي طريق إلى محافظة جنوبية هناك زاوية قائمة تقريباً، وقد وقع بسببها أكثر من مائة حادث على هذا الطريق، فإذا كان هناك إنسان يمشي بسرعة، ولم يتوقع أن المنعطف زاوية قائمة، و لم يتمكن من أن يبقى على الطريق فإنه يتدهور، وكم إنسان مات بهذا الحادث:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

 

( سورة النساء: آية " 58 " )

 نفسك وجسمك أمانتان عندك:
 هناك حياةٌ أبدية وسوف نحاسب على كل شيء، فاعلم علم اليقين أن نفسك التي بين جنبيك أمانةٌ في عنقك، أفلحت إن زكَّيتها وخبت وخسرت إن دسيتها، كما أن جسمك أمانة، وهذا الجسم ليس لك، إنه للمسلمين، كما أنه لأسرتك، فإذا حافظت على صحته عشت حياةً سليمةً، و كم إنسان يدخِّن ويرديه الدخان في ريعان الشباب قتيلاً ؟ وجسمه أمانةٌ بين يديه، فقد أعطاك الله هذا الجسم ليكون وعاءً لعلمك، ونفسك وعاؤها هذا الجسم، فإذا أهملته وأمضيت الحياة في مرضٍ شديد فقد خنت الأمانة، فجسمك أمانة.
 وهذه العين أمانةٌ في يديك، أعطاك الله إيَّاها، فكيف تستعملها ؟ فإن نظرت بها إلى عورات المسلمين فقد خنت أمانة الله، و إن نظرت إليها لما لا يرضي الله خنت أمانة الله، وهذه الأذن متَّعك الله بها لتستمع إلى الذكر، فإن استمعت بها إلى الغيبة والنميمة والغناء، والكلام الذي لا يُرضي الله خنت الأمانة، وهذه اليد أعطاك الله إياها من أجل أن تفعل الخير لا من أجل أن تبطش بها و تمدها إلى ما لا يُرضي الله عزَّ وجل، فيجب أن تعتقد أن عينيك أمانة، وأن أنفك أمانة، وأن لسانك أمانة، وأن أذُنيك أمانة، وأن يديك أمانة، وأن رجليك أمانة، فهل تقودانك إلى بيتٍ من بيوت الله ؟ أم تقودانك إلى ملهىً من الملاهي التي تراها عينك ؟ هذه الآية واسعة جداً، فكل شيءٌ أمانةٌ في عنقك.
 قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

(سورة النساء: آية " 58 " )

 و نحن هنا نقف عند الأشياء البارزة، و أهم شيءٍ هو نفسك التي بين جنبيك، فهل عرَّفتها بالله ؟ هل حملتها على طاعته ؟ هل زكَّيتها بالقرب من الله عزَّ وجل ؟ فإن فعلت هذا فقد أفلحت وإن لم تفعل فقد خسرت.
 أهلك أمانة:
 و أقرب الناس إليك هم أهلك أولادك، فكم من ابن شقي في حياته لأن أباه أهمله ؟ و كم من بنتٍ زلَّت قدمها لأن أباها لم يرعها حق الرعاية ؟ فالمراقبة عندها ضعيفة، والوازع ديني ضعيف أيضاً، و ثقافتها مكونة من هذه الأجهزة التي لا تُرضي الله عزَّ وجل، ففيها تغذية يومية تدعوها إلى الانحراف، والمراقبة ضعيفة، فزلت قدمها، و كشف أمرها فسقطت، فمن أعانها على السقوط ؟ إنه الأب الذي لم يرعها و لم يحفظها، فابنتك أمانة، فإن أديت الأمانة في ابنتيك ضمنت الجنة، قال عليه السلام:

 

(( من جاءه بنتان فأحسن تربيتهما حتى يزوِّجهما أو يموت عنهما فأنا كفيله في الجنة، قالوا: واحدة، قال: واحدة))

 ابنتك أمانة، فهؤلاء الفتيات اللواتي يخطرن في الطرقات كاسياتٍ عاريات، أين آباؤهن؟ أين إخوانهن ؟ أين أمهاتهن ؟ إن هؤلاء الفتيات أمانةٌ في أعناق آبائهن، فإذا تركوهن يفعلن ما يشأن فقد خانوا هذه الأمانة...
 عباداتك أمانة:
 ماذا أقول لكم حول هذه الآية ؟ كل شيءٍ بين يديك من أمر الدنيا والآخرة أمانةٌ في عنقك، وقد قال العلماء: الصلاة أمانة، فإن أديتها على الوجه الصحيح في وقتها، بخشوعها، وركوعها، وسجودها فقد أديت الأمانة، و الصوم أمانة، والحج أمانة، والزكاة أمانة، و هذا المال الذي بين يديك هو أمانةٌ في عنقك ينبغي أن تؤدِّيَهُ على الوجه الصحيح والتام.
vأيها الإخوة الكرام... الإسلام صارخ، فوضع المُسْلِم وعلاقاته، وبيته، وعمله، ومعاملته كل هذا صارخ في الكمال، فإن لم تجد بين المسلم وغير المسلم إلا هذه الصلاة وهذه الحركات والشعائر من دون أن ترى في سلوكه شيئاً صارخاً، فيجب أن تعلم علم اليقين أن هذا المسلم بعيدٌ جداً عن حقيقة الإسلام.
 أيها الإخوة الكرام...

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

 إنك لا تكون من المصلين و هؤلاء الناجين من الهلع والجزع إلا إذا رَعَيْتَ الأمانة، فقد يقول العبد مثلاً: " يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له " هل يمكن أن تكسب رزقك من مسبح مختلط ؟ هل يمكن أن تكسب رزقك من مطعمٍ تباع فيه الخمر ؟ هل يمكن أن تكسب رزقك من تجارةٍ محرمة أو من طريقةٍ في التعامل محرمة ؟ هل يمكن أن تكسب رزقك من نماء المال عن طريق الربا ؟ فالعبد يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حراك وغُذِّي بالحرام فأنى يستجاب له.
 يا أيها الإخوة الكرام... موضوع الأمانة موضوعٌ دقيقٌ جداً..

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

( سورة الأحزاب )

 الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة، فهل تعرف أيها الأخ من أنت ؟ إنك قد حملت الأمانة لأنك من بني البشر و من بني آدم، وما دمت قد قبلت حمل الأمانة فالله سبحانه وتعالى كرَّمك ورفع شأنك..

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾

( سورة الإسراء )

 فهؤلاء المؤمنون هم لأماناتهم وعهدهم راعون، فقد قال أحدهم لآخر: هل تعرفه ؟ قال له: نعم أعرفه، قال له: هل سافرت معه ؟ قال: لا، قال: هل جاورته ؟ قال: لا، قال: هل حاككته بالدِرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: فأنت لا تعرفه، لعلَّك رأيته يُصَلِّي في المسجد.
 العبادات التعاملية أساس الدين:
 إخواننا الكرام... أريد أن أقدِّم لكم هذه الفكرة ذكرتها كثيراً لكني لا أشبع من ذكرها، هناك عباداتٌ شعائرية، وهي الصلاة والصوم والحج، وهناك عباداتٌ تعاملية، فالعبادات التعاملية هي أساس الدين، و لما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن الإسلام، قال: " كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار.. هذه هي الجاهلية.. حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحِّدَه، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان.. والآن دققوا.. وأمرنا بصدق الحديث " صلِّ ألف ركعة، فإن لم تكن صادقاً فلا قيمة لصلاتك، لأن المؤمن لا يكذب.
 إخواننا الكرام... شيء مخيف، دققوا في هذا الحديث:

 

(( إن فلانة تذكر أنها تُكثر من صلاتها ؛ أي: الخمس أوقات، والأوَّابين، وقيام الليل، والضحى، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال: هي في النار ))

 

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

( سورة التوبة )

(( رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ))

 فقد صام رمضان و ما ناله إلا الجوع والعطش، و أنفق المال ليقال عنه: محسنٌ كبير، فليس له من هذا الإنفاق شيء إلا الوزر.
 أيها الإخوة الكرام... إن العبادات التعاملية هي الأصل في الدين، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((بُني الإسلام على خمس ))

 الإسلام بناء أخلاقي بني على خمس عبادات، فالعبادات ليست هي الإسلام إنما هي دعائم الإسلام، فالعبادة التعاملية هي الأصل، فماذا قال سيدنا جعفر: " حتى بعث الله فينا رجلاً".. لم يقل: رأيناه يصلي.. لا، بل قال: "نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه ".
 وإننا –والله- لن نتقدم، ولن نحظى بنصر الله و رضوانه، ولن ننال من الله شيئاً إلا إذا طبقنا الدين كما أراد الله، و نحن أردنا الدين شعائر، والشعائر سهلة، فهي صلاة، وعمرة، وحج، وصوم، لكن الله جلَّ جلاله أراده منهجاً أخلاقياً كاملاً.
 مرة ثانية أقول: يجب على المؤمن أن يكون صارخاً في كلامه كله، فهل يكذب المؤمن ؟! إن المؤمن لا يكذب، بل هو "يطبع على الخلال كلِّها إلا الخيانة والكذب ". أَيُعْقَل أن يأتي راوي حديث أو طالب علم من المدينة المنورة إلى البصرة ليس بالطائرة، فلم يكن هناك في طائرة، وليس بالمركبة المكيفة، و لا على ناقة، يأتي من المدينة إلى البصرة، ليأخذ حديثاً عن رجل في البصرة، فلما رآه يكذب على فرسه، لم يسأله وعاد لتوِّه، إنه ليس أهلاً لأن يروي عن رسول الله حديثاً، فهو يكذب على فرسه، و المؤمن لا يكذب، أما الصلاة والكذب فهي لا تصلح، فكيف يجمع الناس صلاة وكذب؟؟! يكذب في بيعه، ويحلف أَيْمَاناً مغلَّظة أن رأس مال هذه السلعة أقل مما يعرضه الشاري، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( اليمين الكاذبة منفقةٌ للسلعة ممحقةٌ للبركة ))

 إخواننا الكرام... دينك في عملك و دكانك و قاعة تدريسك و عيادك، وغرفة المُحاماة، ومكتبك الهندسي، و تجارتك، و زراعتك، و صناعتك، فأنت تصنع غذاءً للمسلمين، فهل اتقيت الله في هذا الغذاء ؟ لقد سمعت أن في بعض البلدان الإسلامية من يشتري طعام الكلاب ويبيعه للبشر، ويغيِّر اللصاقة الخارجية، إن هذا لو صلَّى ألف ركعةٍ في اليوم، وحج كل عام فإنه يصنف خانئاً للأمانة..
 الحيوان أمانة:

 

 

(( دخلت إمرأةٌ النار في هرةٍ حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))

 الهرة أمانة عند أصحابها، لها طعامها وشرابها، وهناك من الناس من يقتل الدواب وهي أمانةٌ في أعناقهم، دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بستان، فرأى جملاً، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حَنّ، فذرفت دموعه، فجاء النبي ومسح ذفريه، وقال: من صاحب هذا الجمل ؟ فجاؤوا بفتىً من الأنصار، و قالوا: هذا هو صاحب الجمل، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ألا تتقِّ الله في هذه البهيمة التي أوكلها الله إليك، ملكَك الله إياها، فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئِبُه ))

 افتح ورقة وأحضر قلماً واكتب بنود الأمانة ؛ نفسك أمانة، و زوجتك أمانة، وأولادك الذكور أمانة، و بناتك الإناث أمانة، و حرفتك أمانة، و عبادتك أمانة، و صلاتك أمانة، وصيامك أمانة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

( سورة النساء: آية " 58 " )

 الأمانة تحقق الرخاء في المجتمع:
 فنحن أيها الإخوة الآن بحاجة ماسَّة لا إلى كلام يُلقى، ولا إلى كتاب يُقرأ، ولا إلى شريط يُسمع، ولكننا بحاجة إلى مجتمع مسلم، فهل تصدقون أن سيدنا معاذ حينما بعثه النبي إلى اليمن أقرَّه عليها سيدنا أبو بكر، وأقره عليها سيدنا عمر، فجمع مال الزكاة، وأرسل بثلث الزكاة إلى سيدنا عمر، فراجعه عمر، قال له: " أنا لم أبعثك جابياً ولا جامع مال، ولا جامع مال، ولكن بعثتك هادياً، قال: والله لم أجد من يأخذ مني شيئاً، و هذا الذي فاض ". و في العام التالي أرسل له نصف الزكاة، وفي العام الثالث أرسل له كل الزكاة، فحينما أُدِّيَتْ الأمانة عاش الناس في بحبوحة ؛ أما الإنسان حينما خان الناس الأمانة أذهب الله البركة من المال، فأصبح المال يُنْفَق على الصحَّة والكوارث، و المصائب، أما حينما تؤَدِّي حق الله عزَّ وجل فإن الله يبارك لك في مالك، وموضوع الأمانة -أيها الإخوة- موضوعٌ خطير و دقيق، وموضوعٌ يحتاجه كل مسلم، فعلى كل إنسان أن يصدق ويخلص وينفع المسلمين.
 سعة الإسلام:
 إخواننا الكرام... لا تستهينوا بالدين.. فالإسلام واسع جداً، فحرفتك التي هي أمانةٌ في عنقك يمكن أن تنقلب إلى عبادة ببساطةٍ مذهلة، فالمسلم إذا كان له عمل فابتغى به كفاية نفسه، فهو في طاعة، كذلك إذا ابتغى منه كفاية أهله فهو في طاعة، وإذا ابتغى منه نفع المسلمين فهو في طاعة، فما شغله عمله عن صلاةٍ ولا عن صيام ولا عن عملٍ صالح، وهو في طاعة، و العمل بهذه الطريقة وبهذا المنطلق ينقلب إلى عبادة، فما قولكم في أن العبادات الشعائرية إذا أدّها المُنافق يحاسب عليه، وأن الأعمال الاعتيادية إذا أدَّاها المؤمن يؤجر عليها، فالعادات إذا رافقتها النوايا الطيِّبة انقلبت إلى عبادات، وذلك كأن تعمل عملاً تجارياً، أو أن تدير شؤون بيتك، أو أن تدرس و تنال شهادة، أو أن تُأسس عمل، فالأعمال العادية التي يفعلها كل الناس تنقلب إلى عبادة إذا عرفت الله وعرفت ما معنى الأمانة، والأعمال العبادية الصِرفة ؛ والصلاة، والحج، والصوم، إذا أُديت رياءً انقلبت إلى آثام، وهذا شيء خطير، فعليك أن تعرف الله وتعرف ما معنى الأمانة و تؤدِّيها بالتمام والكمال، والأمانة هي أحوج ما يحتاج المسلم، فالأم أولادها أمانة في أعناقها، فهل تعتني بهم، و هل تؤمِّن لهم الطعام، و الشراب، و اللباس، و هل تهيئ لهم وسائل النجاح في الحياة، إنها إذاً قد أدت الأمانة.
 إخواننا الكرام... إن أبواب الجنة لا تعدُّ ولا تحصى، فالبنوة الكاملة باب للجنة، والأبوة المثالية باب للجنة، والأمومة المثالية باب للجنة، فكل أمٍ إذا أتقنت عملها وأخلصت لزوجها ولأولادها تدخل الجنة من أوسع أبوابها، فالأم تدخل الجنة، والأب يدخل الجنة، والابن يدخل الجنة، وكل إنسان بحرفته، فأبواب الجنة مُفَتَّحَةٌ على مصارعها، وكل حركة من حركاتك، وكل سكنة من سكناتك، هي باب للجنة، فلا تظن الدين عبارة عن صلاة تؤدى، أو صوم، أو حج، فالدين في كل ثانية، وكل حركة من حركاتك متعلِّقة بالدين، فهذا منهج الله عزَّ وجل، ولذلك كان هؤلاء المصلِّون مستَثْنَين من الهلع و الجزع و شدة الحرص..

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) ﴾

 قال عليه الصلاة والسلام:

((ألا لا دين لمن لا أمانة له، ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ))

 الذي ليس له عهد ليس له دين، و الذي ليس له أمانة ليس له إيمان، و الخيانة تنقض الإيمان ونقض العهد ينقُض الدين.
 أدّ الأمانة ولا تعبأ بأقوال الناس فيك..
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه المعاني إلى سلوك و انضباط، فالإنسان أحياناً يغدو أكبر داعية وهو صامت، وذلك باستقامته و أمانته و صدقه و إخلاصه، والله عزَّ وجل هو الحق ولابدَّ من أن يظهر الحق، فأخلص وأدِّ الأمانة ولا تعبأ للضجيج، أد الأمانة بصمت والله عزَّ وجل هو الذي يرفع شأنك، و هو الذي يُعْلي قدرك، و هو الذي يرفع ذكرك، أدِّ الأمانة في كل شيء.. البر لا يفنى، والذنب لا يُنسى والديان لا يموت.. وقد ذكرت هذه النقطة الأخيرة لأن ً الإنسان أحيانا يكون عنده قدرة على عرض إمكاناته بشكل رائع، وهناك إنسان مخلص ويؤدِّي الأمانة لكن بصمت، فماذا يظن الناس ؟؟ لإنهم يظنون أن هذا الذي يتحدَّث عن نفسه ويحيط نفسه بهالة كبيرة هو الفالح، لا.. إن الذي يؤدي الأمانة بإخلاص هو الفالح، والله عزَّ وجل يرفع من قدره بطريقةٍ لا نعلمها نحن..

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾

( سورة النساء )

 أدِّ الأمانة ولا تعبأ بأحد، و تعامل مع الله وحده، والتعامل مع الله وحده أحياناً يجعلك في التعتيم، والتعامل مع أشخاص يجعلك تحت الأضواء، فالعبرة أن يكون الله راضياً عنك، فإذا رضي الله عنك فأنت أسعد الناس، فالإنسان قد يكون مُعَلِّماً في صف، والدخل قليل جداً، وليس لهذا المعلم شأنٌ إلا أنه اتقى الله في هؤلاء الصغار الذين هم بين يديه وأدى الأمانة، فهذا يعد أسعد الناس، فالمعلم في صفه، والطبيب في عيادته، والمهندس في مكتبه، والمحامي في مكتبه، فإذا كان هناك تاجر صغير، و بضاعته كلها جيدة، لكنه اشترى مائتين بيضة فاكتشف أنهن فاسدات، وبذكائه كلَّف الصانع أن يبيعهم في الطريق فوراً، وقال له: سريعاً، فهذا البيض فاسد، فإن بعته خنت الأمانة.. و أحياناً يكذب الإنسان مائة كذبة من الصبح حتى الظهر، ثم يصلي في الصف الأول ويقول: الله أكبر..

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾

( سورة النساء: آية " 142 " )

 دقق في عملك.. لا تكذب، لا تدلِّس، لا توهم، لا تستغل، لا تمكِّن، لا تبتز أموال الناس، لا تضيِّق عليهم، لا تحمِّر وجوههم، لا تحتل عليهم، فإذا فعلت هذا من الصبح حتى الظهر صليت الظهر وأنت أبيض الوجه لله عزَّ وجل، فأداء الأمانة -أيها الإخوة -واسع جداً، فنفسك أمانة، وزوجتك أمانة، وأولادك أمانة، وبناتك أمانة، وحرفتك أمانة، فهذا الذي يغيِّر تاريخ نهاية الاستعمال.. يمحوه ويبيع الدواء.. ألم يخن الأمانة ؟ وهناك من يتوهم أن الدواء الذي انتهى مفعوله لا ينفع لكنه لا يضر، لا بل إنه يضر، فقد ينشأ تفاعل سلبي بالدواء الذي انتهى مفعوله، وقد يؤذي استعمالُه المريضَ، وكم آلاف الأبواب التي تعد مزالق للإنسان في حرفته، وهذا الدرس للتطبيق، لا لأخذ العلم، فحينما تؤدي الأمانة في بيتك وفي عملك يرضى الله عنا جميعاً،وأنت لست مكلفاً إلا ببيتك وعملك.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الرعد: آية " 11 " )

 اضمن لي أن تقيم الإسلام في بيتك وفي عملك وأنا أضمن لك كل شيء.. فهذه:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

( سورة النساء: آية " 58 " )

 الأمانة في التأليف:
 أحياناً يأخذ إنسان فصلاً من كتاب فيجعله مقالة، ويقول: الكاتب فلان، وهذه سرقة وخيانة للأمانة، و تقتضي الأمانة في التأليف أن تعزو كل فكرةٍ إلى صاحبها، الآية واسعة جداً، وهذا شيء يحيِّر، يا ترى هل تدخل في الأدب، أم في التأليف، أم في العلم، أم في الدين، أم في العبادات، أم في المعاملات ؟؟ إنها تدخل في كل شيء، فهذه الآية تدور مع المؤمن حيث ما دار، و أينما ذهبت، فحواسك الخمس أمانة، والسيارة المسـتأجرة أمانة، وكل شيءٍ تفعله أمانة.
 الوقت أمانة:
 إن الإنسان الذي يعمل موظَّفاً في محل تجاري إذا أرسله صاحب المحل إلى سفر، فيمكن أن يعمل ساعة والباقي استجمام، إنه لم يؤد الأمانة في هذه الحالة بل خانها، والوقت أمانة، و هذا الوقت ليس لك، وإذا ذهب لكي يصلي فغاب ساعتين، فقال له صاحب المحل: ماذا تفعل ؟ فأجاب أصلي يا سيدي.. الصلاة ربع ساعة، أما ساعتين وثلاثة أرباع، ساعة وثلاثة أرباع.. إنها خيانة الأمانة، أدخل الوقت في هذه الآية إن شئت، و أدخل التربية، وأدخل الحرفة، و أدخل الحواس، و أدخل دينك، و أدخل كل شيء في هذه الآية، وقد قلت في البداية، ما من آيةٍ تتسع لأي موضوع كهذه الآية.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾