الدرس : 3 - سورة المعارج - تفسير الآيات 19-26

1997-08-01

 طباع الإنسان، وصفات المؤمنين
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الثالث من سورة المعارج، ومع الآية التاسعة عشر، وهي قوله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

( سورة المعارج )

 أيها الإخوة الكرام... هذه الآية تذكرنا بآياتٍ مثيلاتٍ لها..

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

( سورة النساء )

﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾

( سورة الأنبياء: آية " 37 " )

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( سورة المعارج )

 ضعف الإنسان لصالحه:
 يقصد بالإنسان هنا جنس الإنسان، فالألف واللام هنا: أداة الجنس، أي أن جنس الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديان ضعيفٌ هلوعٌ عَجول، و نقاط الضعف هذه موجودة في أصل خلقه، كما أنها لصالحه، وأضرب على ذلك مثلاً: لو أن الله خلق الإنسان قوياً، لاستغنى بقوَّته عن الله، فشقي باستغنائه، لأن السعادة كلها عند الله، فإذا استغنى الإنسان عن ربه شقي، فخلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، و خلقه عجولاً، ولو خلقه مَهُولاً واختار الدار الآخرة فإنه لا يرقى بها، فخلقه عجولاً يريد الشيء الذي أمامه، فإذا أعرض عنه واختار الشيء الآجل ارتقى عند الله عزَّ وجل، وكما خلق الله عزَّ وجل الإنسان هلوعاً، هذا هو موضوع درسنا اليوم.
 الصفة قيد:
 أيها الإخوة الكرام... قال المناطقة ؛ أي: علماء المنطق: إن الصفة قيد، فإذا قلت مثلاً: أُريد أن أعيِّن موظفاً يحمل شهادةً ثانوية، أتاك عشرات الألوف، وإذا قلت: أريد موظفاً يحمل شهادة ثانوية ومعفى من الخدمة الإلزامية ضاقت الدائرة، وإذا قلت: أريده دون الثلاثين، ضاقت الدائرة أكثر، كذلك إذا قلت أريده غير متزوِّج و يتقن اللغة الأجنبية، وإذا قلت: يتقن لغتين ضاقت الدائرة أكثر وأكثر، فكلما أضفت صفةً ضَيَّقت الدائرة، وهناك مثلٌ أوضح، لو أنك قلت: إنسان فقط، للشملت هذه الكلمة خمسة آلاف مليون إنسان، وإذا قلت: إنسان مسلم لاقتصرت على مليار ومائتين مليون، ولو قلت: إنسان مسلم عربي لاقتصرت على مائة مليون، ولو قلت: إنسان مسلم عربي مثقف لهبطت إلى عشرين مليون، ولو قلت: إنسان مسلم عربي مثقف طبيب لهبطت إلى مئات الألوف، كذلك لو ضيَّقت الاختصاص، أو حددت مكان الإقامة، أو عيَّنت مدينة بذاتها فقد يصل العدد من خمسة آلاف مليون إلى ثلاثة آلاف، فكلما أضفت صفةً ضيقت الدائرة، وضربت هذا المثل لأبيِّن لكم ما ورد في الحديث القدسي:

 

(( ليس كل مصلٍ يُصلي إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع لعظمتي (قيد) وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً والظلمة نوراً يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم عليَّ فأبرُّه، أكلأهُ بقربي، أستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمسُّ ثمرها ولا يتغير حالها ))

 فكلما أضفنا صفةً ضاقت الدائرة، وقد مهَّدت بهذين المثلين لقوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

 من هم المصلون ؟ إنهم الذين صلّوا كما أراد الله عزَّ وجل، واتصلوا بالله من خلال صلواتهم، وهم الذين يرضى الله عنهم، لأنهم حققوا الهدف من صلاتهم، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)﴾

( سورة المعارج )

 إذاً ليس كل مصلٍ يصلي.
 نعود إلى أول الآيات، أيها الإخوة الكرام:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

 المقصود بالإنسان هنا الإنسان في أصل خلقه، قبل أن يعرف ربه، فالإنسان أيها الإخوة فردي، فإذا ما عرف الله ولا عرف منهج الله كان فردي النزعة، لكن تعاونه مع إخوانه المؤمنين فيه تكليف، فالإنسان في أصل خلقه يحبُّ الشهوات، فإذا اتبع منهج الله عزَّ وجل أحبُّ القُرُبات، والإنسان في أصل خلقه يحب أخذ المال، أما إذا اتبع منهج ربه فإنه يُنْفِقُ المال، وهكذا.. فهناك طبعٌ و بنيةٌ و جبلةٌ في الإنسان، وهناك تكليف له، فالإنسان قبل أن يعرف ربه، أو قبل أن يتبع منهج ربه، هلوع في أصل خلقه، كما قال الله تعالى..

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

 قالوا في الهَلَع: هو أشد الحرص وأسوأ الجَزَع، وأشد الحرص البخل، والحقيقة أن الإنسان إن لم يكن مؤمناً كان حريصاً على الدرهم والدينار حرصاً مضحكاً، وحرصه هذا مرضي، فهو حريصٌ على كنز المال و عدم إنفاقه وعلى حيازته إلى درجة أنه يُضحي بمكانته وكرامته من أجل المال.
 من هو الهلوع ؟؟
 إن الإنسان إن لم يعرف الواحد الديَّان:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

 الهلوع: أشدُّ الحرص وأسوء الجزع و أفحشه، وقال بعضهم: الهلوع هو الذي لا يصبر على خير ولا على شَر حتى يفعل فيهما ما لا ينبغي، فالخير يدفعه إلى البَطَر، والشر يدفعه إلى اليأس والقنوط، فمن هو الهلوع ؟ هو الذي لم يتصل بالله، فالشر سحقه والخير أَبْطَرَهُ، ومن تعاريف الهلوع الوارد في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

 أي: الذي يصيبه الخير فيفجر، ويصيبه الشر فييئس، ويُصيبه الخير والشر فيفعل فيهما ما لا ينبغي، بل هو أشد أنواع الحرص، وأشد أنواع الجزع، وقال بعض العلماء: الهلوع أي الضَجور، المَلول الذي لا يصبر، وقال بعضهم: هو الذي لا يشبع مهما أعطيته.. " منهومان لا شبعان طالب علمٍ وطالب مال "..
 المنوع:
والمنوع الذي إذا أصاب المال منع منه حق الله تعالى، وقال بعض العلماء، خَلَقَ الله الإنسان على حب ما يسرّه وعلى بغض ما يكرهه، ثم تَعَبَّدَ الله الإنسان بأن ينفق ما يحب وأن يصبر على ما يكره، فالعبادة دائماً وأبداً تتناقض مع طبع الإنسان، وهذا هو ثمن الجنة
و بشكلٍ مختصرٍ مضغوط أقول: إن الجنة لها ثمن، وقد أودع الله فيك الشهوات وجاء التكليف فأمرك أن تنضبط وفق منهجٍ دقيق، فما حَرَمَكَ هذه الشهوات ولكن نَظَّمها، فهو لم يحرمك المرأة ولكن سمح لك بالزواج فقط، فليس في مجتمع المسلمين علاقة بين رجل وامرأة إلا أن تكون زوجةً له، أو أماً، أو بنتاً، أو أختاً، أو عمةً، أو خالةً، فلا يوجد امرأة يستمتع بها خارج الزواج إطلاقاً، فثمن الجنة ضبط الشهوات، فلو أن الإنسان جُبِلَ على بغض المرأة لما ارتقى الإنسان بغض البصر، و لو جُبِلَ على بغض المال لما ارتقى الإنسان بإنفاق المال، فسر الرُقي عند الله عزَّ وجل أَنَّك تنفق شيئاً تحبُّه، وأنك تمنع نفسك عن شيئاً تحبه، وأنك تصبر على ما تكره، ولولا هذا التناقض الذي أراده الله عزَّ وجل بين طبع الإنسان وبين منهجه لما ارتقى إنسانٌ إلى الآخرة إطلاقاً، فالإنسان خلق هلوعاً، لولا أنه هلوع لما دخل جنة ربه، لماذا ؟ لأنه خلقه شديدَ الجزع، لذلك لا يطمئن إلا بالاتصال بالله عزَّ، ولا يستقر له قرار إلا أن يكون مصطلحاً مع الله، ولا يشعر بالأمن إلا إذا كان مطيعاً لله، ولا يشعر بالطُمأنينة إلا إذا ذكر الله، فلو ألغيت ذكر الله و الاتصال به و الصلح معه، لعاش حياةً كالجحيم لا تطاق..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) ﴾

( سورة طه )

 لولا أنه هلوعٌ جذوعٌ، يَفْرق من الشر والمُصيبة، لما التجأ إلى الله عزَّ وجل خوف أن تصيبه، ولولا أنه جزع لما استقام على أمره، لولا أنه جزوع لما غض بصره وترك أكل المال الحرام، فجِبِلَّته تدعوه إلى الجزع، والجزع هو سبب إقباله على الله و توبته إليه وصلحه معه، فهو سبب كف نفسه عن شهواتٍ حرمها الله عزَّ وجل.
 وقال بعض العلماء: الهلوع هو الذي إذا مَسَّه الخير لم يشكر، وإذا مسه الضر لم يصبر، وهذا ضعفٌ خلقي في أصل بُنية الإنسان، وهذا الضعف الخلقي سبب سعادتك في الدنيا والآخرة، فلو لم تكن تخاف لما خفت من المرض، ولا من الفقر، ولا من قهر الرجال، والذي لا يخاف لا يطيع الله عزَّ وجل، لكن الإنسان قد يخاف مرضاً عُضالاً، أو قهراً مُذلاً، أو موتاً مُجْهِزاً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مُفَنِّداً، أو فقراً مُدقِعاً، لذلك تراه يصطلح مع الله حتى يطمئن.

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

( سورة الرعد: آية " 28 " )

 لو أن الله عزَّ وجل قال: تطمئن القلوب بذكر الله، لاختلف المعنى، فيصبح المعنى عندئذ أن القلوب تطمئن بذكره وبغير ذكره، أما حينما قال:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

( سورة الرعد: آية " 28 " )

 أي أن قلب الإنسان لا يطمئن ولا يسكن ولا يتوازن ولا يطمئن إلا إذا ذكر الله عزَّ وجل..

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ ﴾

 جنس الإنسان قبل أن يعرف الله جُبِلَ على الهلع، فهو شديد الخوف عند الضرَّاء، وشديد الحرص عند السرَّاء، وهذه صفته قبل أن يعرف الله، وهاتان الصفتان تدفعانه إلى التوبة و الذكر و الطاعة و التقرُّب من الله عزَّ وجل، ولولا صفات الهلع و الجزع والحرص لما ارتقى الإنسان إلى الله عزَّ وجل، فقد يكون مع الإنسان مبلغٌ من المال محببٌ إليه، وهو حريصٌ عليه ليكون دائماً في حوزته وفي خزنته، وهو حريصٌ على أن ينمو هذا المال، فحينما ينفق منه كان هذا معاكساً لطبع الحرص فيرقى عند الله عزَّ وجل.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) ﴾

( سورة النازعات )

 فمن صفات الإنسان صفة الهَلَعِ بشقَّيها: الحرص والجزع، وصفة الضعف

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾

 وصفة العجل

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾

 وهذه الخصائص والصفات ضعف في أصل خلق الإنسان ولكنها لصالح إيمانه.
مثال موضح:
 وأوضح مثلاً على ذلك ؛ إنك قد تقتني آلةً كهربائيةً غاليةً جداً، وهناك من الآلات ما يصل ثمنه إلى بضعة ملايين، ويوضع في هذه الآلات قاطع على طريق اتصال الكهرباء بها، فهناك سلك ضعيف جداً، ومهمة هذا السلك الضعيف أنه إذا جاء التيار فوق مائتين وعشرين (ساخ) وانقطع، فنضمن بذلك سلامة الجهاز، فهناك ضعف في أساس هذا الجهاز، ويتمثل هذا الضعف في وصلة ضعيفة في الجهاز، وحينما يأتي التيار الذي يمكن أن يحرق الآلة بأكملها يدخُل من هذا السلك الضعيف فينصهر هذا السلك، فإذا انصهر قُطِعَ التيَّار وضمنت الآلة، فهل نَعُدُّ هذا الجزء من الآلة خطأ في التركيب ؟ لا، بل هو عين الكمال، و قمة الكمال، فهذا جهاز صيانة، وصمَّام أمان، فضعف الإنسان سبب رُقِيِّه عند الله، والإنسان يخاف، فلو شعر أن في جسمه شيئاً غير طبيعي وأخذ خزعة وحلل، وكانت النتيجة إيجابية فإنه يبرك وذلك لأنه جزوع، وتراه يقول له: يا رب أعاهدك على التوبة، وهذا الشيء يقع مئات ألوف المرات، فشبح مرضٍ عضال يدفع المرأة إلى الحجاب الكامل، وشبح مرضٍ عضال يدفع الرجل إلى التوبة النصوح، وشبح أزمةٍ مالية مُدَمِّرَة يدفع صاحبها إلى دفع زكاة ماله، فتسعة أعشار الناس الذين اصطلحوا مع الله، كان سبب اصطلاحهم معه أزمة جاءت مفاجئة ماحقة ساحقة، فكيف هرب منها صاحبها ؟ لقد هرب منها بالصلح مع الله، إذاً:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

 و لولا هذه الصفة لما أقبل أحدٌ على الله، ولما اصطلح معه، ولما تاب على منهجه، ولا فعل أي شيء من هذا، قال:

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾

 أي إذا ناله الشر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله الخير بَخِلَ ومَنَع، وإنك تعجب أحياناً من أُناس يملكون أرقاماً فلكية ومع ذلك يبحثون عن دُريهمات يأخذونها ظُلماً، ويبحثون عن بِضع ليرات و بِضع مئات يأخذونها قهراً من فقير، وهذا واقع، كما أن هذا إنسان مريض.

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

( سورة التغابن )

 ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:

 

((شر ما أُعطي العبد شحٌ هالع وجبنٌ خالع ))

 لذلك استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من الجُبن والبُخل، فالجبن جزع، والبخل حرص، والجبن والبخل صفتان مركبتان في طبع الإنسان إن لم يعرف الواحد الديَّان، والمصلّون مستثنون من الهلع ومن الجزع ومن الحرص.
 " إلا المصلين ":
 قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) َ﴾

 و (المصلين) هنا بالمعنى الذي أراده الله، وبالصلاة التي أرادها الله، والتي هي عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، فلا خير في دينٍ لا صلاة فيه، والصلاة غُرَّة الطاعات، وعصام اليقين، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، والصلاة حسن العلاقة مع الله،

((أرحنا بها يا بلال ))

 ولم يقل أرحنا منها، وهذا فرقٌ بين الواجب وبين الحب، فبالحُب ترتاح في الصلاة، وحينما تؤدِّيها كواجب ترتاح منها، فينبغي أن تؤديها كمحب لا كمضطر.
 أيها الإخوة... قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة العصر )

 يمكن أن نوسِّع هذه الحقيقة: أينما وردت كلمة الإنسان في القرآن فإنها تعني الإنسان قبل أن يعرف الله، وتعني الإنسان في أصل جِبِلَّته و طبعه، ولم أقل فطرته لأن الفطرة متوافقة مع الشرع، لكن الطَبْعَ متناقض معه، فالطبع أقرب إلى المادة من الفطرة، فالفطرة نفسية، أما الطبع فمادي، وأوضح مثل على ذلك أن الإنسان حينما يؤدِّي ما عليه من زكاة مالٍ يؤنِّبَهُ طبعه حينما يدفع هذا المال، لكنه حينما يدفعه نفسه ترتاح، فتنفيذ الطاعات متعب للجسم، لكنها مُريحةٌ للنفس، فحينما تفعل عبادةً ما فإنك تشعر بالتعب في أثناء القيام بها وقد تعاكِس طبعك، أما حينما تؤديها كاملةً فإنك تشعر بالراحة النفسية، إذاً:

﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

 وتدل هذه الآية على أن هؤلاء المصلِّين مستثنون من الهلع والجزع، قال العلماء: المصلون هم الذين يؤدّون الصلوات المكتوبة، فهذه فرائض، والله جلَّ جلاله لا يقبل النوافل ما لم تؤدَّ الفرائض، فالفرائض أولاً والنوافل ثانياً، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إلا المصلين الذين يصلّون الصلاة لوقتها، وخير الأعمال أو تؤدِّيَ الصلاة على وقتها، وقال بعض العلماء: هم الصحابة الكرام الذين حققوا من الصلاة غايتها، وقطفوا من الصلاة ثمارها، وهم الذين سَعدوا بالصلاة، وكانت سبب سعادتهم في اتصالهم بخالقهم.
 أيها الإخوة...

﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

 معاني (( دائمون)):
 الصفة الأولى لهؤلاء المصلين:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

 1- قال بعضهم: دائمون ؛ أي: ساكنون لا يلتفتون يمنةً ولا يسرةً، فهم في خشوع، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً يصلي ويتلفَّت، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ))

 فمن معاني:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

 أي: هم ساكنون، خاشعون، وقال بعض العلماء: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها.

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

 2- وقال بعضهم: الذين يكثرون من الصلوات النافلة.
 3- وهناك معنى ثالث ربما كان مقبولاً ؛ وهو أن المؤمن بين الصلاتين يتَّصل بالله عن طريق الدُعاء و الاستغفار و التفكُّر والتأمُّل، و التسبيح والحَمْد و التكبير، فإذا قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، واستغفرت الله، وتلوت القرآن، ودَعَوْتَ الله، و تفكَّرت في خلق الله، فإن هذه الأنشطة الفكرية واللسانية تجعلك على صلةٍ مع الله دائماً، وهذا قد يقبل إضافةً للمعنيين السابقين:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

 أي: يتصلون بالله عزَّ وجل بطريقةٍ أو بأخرى، من خلال الدعاء و الذِكْر و التفكُّر، و التسبيح و الحمد و التوحيد و التكبير، فهؤلاء المصلون على صلاتهم دائمون..
 الإنفاق في سبيل الله:

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾

 والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( الصدقة برهان ))

 فقد حبب المال إلى الإنسان، وهو يرقى بإنفاقه لا بقبضه، فالذي يُنْفِقُ ماله ابتغاء وجه الله يؤكد أن الله عزَّ وجل أغلى عليه من المال، لذلك أنفقه ابتغاء مرضاة الله عزَّ وجل، فمن صفات المصلين..

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾

 أي: حقٌ ثابت، وقد رجح العلماء أن هذا الحق المعلوم هو الزكاة، فقد قال في آية أخرى:

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

( سورة الذاريات )

 لم يقل: معلوماً، فالمعلوم هي الزكاة، وحينما نغفل معلوم يكون المعنى: الصدقة..

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

( سورة البقرة )

 إيتاءُ الزكاة شيء، وإيتاءُ المال على حب الله عزَّ وجل أو على حبِّ المال شيءٌ آخر، من هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((في المال حقٌ سوى الزكاة ))

 والأشياء التي نصبو إليها لا تحتملها الزكاة، بل تحتملها الصدقة، فالناس يودُّون أن يقدِّموا زكاة أموالهم فقط،مع أن الله سبحانه وتعالى يثني على من يؤتي من ماله صدقةً فوق الزكاة.

 

 

 

 

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾

 لذلك كان هذا الذي يُقِّدر الزكاة تقديراً يعصي الله عزَّ وجل، فيجب عليك أن تجرد، وقد يقول لك قائل: هذا المَحَل فيه مائة ألف، فإذا سمحنا للتاجر أن يُقَدِّر الزكاة تقديراً عشوائياً أو تقديراً غير دقيق لم تعد الزكاة حقاً معلوماً، فهناك من يقدر زيادة الألف، وهناك من يقدر أقل، لذلك لا تصح الزكاة إلا بحساباتٍ دقيقة..
 السائل والمحروم:

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) ﴾

 من هو السائل ؟ قالوا: الذي يسأل الناس لفاقته، فهو فقير يسأل، ومن هو المحروم ؟ هو الفقير الذي يستحي أن يسأل فَيُحْرَم، فالسائل هو الذي يسأل، فيقتحم عليك، ويقول لك: أعطني، أنا فقير، معه وسائل، أما المَحْروم هو الذي يغلبه الحياء فلا يسأل فيُحرم، لذلك أثنى ربنا عزَّ وجل على هؤلاء الذين يغلبُ عليهم الحياء فقال:

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

( سورة البقرة )

 كأن الله يحب هؤلاء المتعففين الذين يَسْتَحْيون، فما واجب المؤمنين في ضَوْءِ هذا الشرح ؟ أن تبحث أنت عنهم و تستقصي أحوالهم و أن تسألهم بنفسك، وأن تستحلفهم وتنظر في معيشتهم وتتفقدَّهم، وفي بعض الحالات يجب عليك أن تسأل، وحتى أكون دقيقاً معكم أود أن أورد هذا المثال: إنسان عنده ابن مريض يحتاج إلى عملية، فإذا استحى أن يسأل مات ابنه، وهذا لا يجوز، فهذه حالات استثنائية يجب أن تسأل فيها، وإن لم تسأل فأنت آثم، أما في الأعم الأغلب فلا يجب ذلك، فهناك من يسأل من أجل تأمين حاجات ليست ضرورية جداً، وهناك من لا يسأل، فالذي لا يسأل قال تعالى فيه:

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

 لذلك كان واجبك _أيها الأخ المؤمن _ ألا أن تنتظر من يسألك، بل تَسْعَى أنت إليه، وتزوره في بيته، و تسأله عن أحواله و معيشته، وأن تستحلِفَه هل عليه دين ؟ وأن تحاول أن تحفظ له ماء وجهه،لتجعله عزيزاً كريماً، وهذا الذي ينبغي أن يكون بين المؤمنين، لكنك حينما تنتظر من يسألُك فقد يأتيك المحترفون الذين هم أغنى منك لكنك تظنهم فقراء.
 حدَّثني أخ قال لي: كنت في محل تجاري ورأيت امرأةً ترتدي ثياباً مضى عليها أكثر من عشرين عام، فاللون الأسود أصبح فاتحاً لامعاً، وقد سألت التاجر مبلغاً من المال في مطلع العيد، فأعطاها المال لأنه رقَّ لها، فهي تلبس ثياباً مهترئة، وبعد ذلك التقى بها في المصرف، و سأل عنها بعض الموظَّفين فقال: رصيدها سبعمائة ألف، وتسأل الناس إلحافا، فنحن نريد هؤلاء المؤمنين الصادقين، الأعفَّة، الأعِزَّة، ابحث عن هؤلاء قبل أن تُلقي المال جزافاً، فهناك من المحترفين من يأخذ أضعاف ما يأخذ أولئك الذين تبحث عنهم.
 أيها الإخوة الكرام... هناك الآن جمعيَّات لمنع التسوُّل، وقد نجحت نجاحاً كبيراً، وكل إنسان متسوِّل يحاسب حساباً شديداً ويُلْقَى في السجن ستة أشهر، وأغلب المتسولين محترفون، لكن.. إذا صدق السائل هلك المسؤول، لذلك لا تقل: لا إلا بعد ترَيٌّث، فابحث، و اسأل، و تحقق، والنقطة الدقيقة أن هناك من يظن أنه يرتاح لمجرد إعطائه المال، وهذا غير صحيح، فلا بدَّ من أن تضع المال في المكان المناسب، للشخص المناسب وهو الإنسان المؤمن، وتذكر طرفة أن هناك امرأة كانت تتسول من أجل أن تجمع ثمن إبرة، فظن الناس أنها إبرة طب، فاتضح بعد ذلك أنها إبرة دش، فالمحروم هو الذي حُرِمَ المال، وهو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئاً، فلا يعلم أحدٌ حاجته، والمحروم الذي يأتي بعد الغنيمة وليس له فيها سهم، والمحروم الذي لم يبقَ له مال فقد احترق محله مثلاً، أو جاء الصقيع فأتلف مزرعته بأكملها، فالمحصول صفر، وعليه ديون من ثمن البذور والأسمدة وما إلى ذلك.. و المحروم الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ماتت ماشيته، و المحروم الذي أصابته جائحة، وهذه كلها معاني المحروم، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) ﴾

( سورة الواقعة )

 وقال بعضهم: المحروم هو الحيوان الذي لا يجد من يُطْعِمُه، فالذي يقتني الخرفان يطعمها من أجل أن تسمن ليأكلها أو يبيعها، والذي يقتني الدجاج يطعمها من أجل البَيض، وكن هناك من الحيوانات ما لا ينتفع به أحد، فهي حيوانات محرومة، فمن أطعم هرةً أو كلباً جائعاً فهو يدخل في باب الحِرمان، هكذا قال بعض المفسِّرين.
 والمحروم هو الذي وَجَبَتْ نفقته بالفقر على أقربائه، فقد يفقد الإنسان أحياناً عمله فجأةً وعنده زوجة وأولاد، ويجب أن ينفق عليه، وأقرب الناس إليه هم أقرباؤه، والمحروم الذي حُرِمَ كسب نفسه حتى وجبت نفقته على غيره، فهو لا يستطيع أن يكسب إما لعجزٍ أو لفقدان عملٍ، و أحياناً يكون هناك عاجز فيه عاهة وهذا يندرج ضمن المحرومين، وقد يكون هناك شخص ليس له عمل، لتفشي البطالة، رغم كونه شاباً قوياً.
 و لما امتحن سيدنا عمر والي قال: " ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً إن جاءني من رعيَّتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، قال: إن الله قد استخلفنا عن خلقه، لنسُد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم حرفتهم، إن وَفَّينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية ".
 وإن أكبر مشكلة تواجه العالم بكل قارَّاته الآن البطالة، لذلك كان تأمين الأعمال من أعظم الأعمال، وحينما يلد المالُ المالَ عن طريق الربا تفشو البِطالة وترتفع الأسعار، وحينما تَلِدُ الأعمال المال تَقِلُّ البِطالة وترخص الأسعار، وهذه قاعدة، لأن أي محل تجاري يؤَمِّن أعمالاً للمئات دون أن يشعر، و بشكل غير مباشر.
 فإذا افتتح محل تجاري، فإنه يحتاج إلى دفتر فواتير و محاسب، كما يحتاج إلى شاب يعمل عنده، ويحتاج إلى مُراسل و آلة كاتبة ومُراسلات و حارس لمستودعاته، و موظَّفين، وطلاء محلِّه، و خطاط، و يحتاج إلى أشياء لا تعدُّ ولا تحصى، فحينما تلد الأعمال المال تقل البطالة وترخص الأسعار، وحينما يلد المالُ المالَ تفشو البطالة وترتفع الأسعار، وحينما ترتفع الأسعار توزَّع الكتلة النقدية توزيعاً غير صحيح، فقلةٌ قليلة تملك كلَّ شيء، وكثرة كثيرة لا تملك شيئاً، هذا التوزيع العشوائي للثروة، أما إذا كان المال كله من أعمال فإن الأعمال تتزاحم، والأسعار ترخُص، وعندنا ألف دليل ودليل على هذا، ومن هنا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( أن ويلٌ للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول الله عزَّ وجل: وعزَّتي وجلالي لأقربَنَّكُم ولأبعدنهم ))

 فالغنى والفقر بعد العرض على الله، لذلك قال سيدنا علي: " قِوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالمٌ مستعملٌ علمه، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلَّم، وغنيٌ لا يبخل بماله، وفقيرٌ لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضَيَّعَ العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلَّم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره ".
 التصديق بيوم الدين:
 أيها الإخوة الكرام...

 

﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

 إن صَدَّقْتَ بيوم الدين ملكت ميزاناً خاصاً، وإن لم تصدق بيوم الدين استعملت ميزاناً آخر، إن آمن الإنسان بيوم الدين كان ميزانه ميزان الشَرع، فلا يأكل المال الحرام ولا يعتدي على أعراض الأنام، وتجده حيث أمره الله، وتفتقده حيث نهاه، فلا يتعدَّى على أحد، ولا يبني مجده على أنقاض أحد، ولا يأخذ ما ليس له، فميزانه ميزان الشرع، فالحلال والحرام، والخَيْر والشر، الحق والباطل هو ميزانه، أما إذا لم يؤمن بيوم الدين صار لديه ميزان آخر، وصار إلهه الدِرهم والدينار، فيأخذه بأي طريقٍ كان، ومن أي إنسانٍ كان، وبأية وسيلة، و يعدُّ الاحتيال شطارةً، والكَذب والخداع ذكاءً، وجمع المال تفوُّقاً، وإنفاق المال على ملذَّاته رقياً وحضارةً، فالقضية دقيقة جداً، فإن لم تؤمن بيوم الدين كان ميزانك دُنيوياً، وإن آمنت بيوم الدين صار معك ميزان أُخْرَوي وهو ميزان الشرع، فالإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن، فإن آمنت بيوم الدين فلن تستطيع أن تبتغي إلى أهدافك إلا الوسائل المشروعة، أما إن لم تؤمن بيوم الدين اخترت إلى أهدافك أَقْذَرَ الوسائل وأحطَّها وأبشعها، وتؤمن عندئذ وتقول: الغاية تبرر الواسطة، فهناك فرقٌ كبير بين من آمن بالدنيا وزينتها، و زينتها ومالها ونسائها وشهواتها ومتعها ومباهجها، وبين من آمن بالآخرة فجعل الدنيا مطيةً لها، فهؤلاء المصلون:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) ﴾

 هؤلاء يصدِّقون بيوم الدين، فالمؤمن -يا إخواننا الكرام -مسؤول أمام الله عن كل عملٍ يفعله، أما غير المؤمن -كائناً من كان -فهو مسؤول أمام إنسان عن أعماله، فالإنسان ليس معه دائماً، وبإمكانه أن يحتال عليه و يوهِمه و يكذِب عليه و يعطيه صورةً غير صحيحة، لذلك قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

 فأن تجعل الآخرة ميزاناً لك هو شيءٌ أساسيٌ جداً جداً في الإيمان.
 أيها الإخوة... هذا بحثٌ يقول:

﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾

 فإذا اختلف الأمر، واختلف دخله أو إنفاقه أو بيته أو زواجه، أو اختلف كل شيء لم يختلف ميزانه، فإذا أيقنت أن هناك يوم تقف فيه أمام الله عزَّ وجل ليسألك عن كل شيء صار هوسك في كل لحظة من لحظات حياته أن تهيئ لله جواباً عن أعمالك، فالمؤمن يمنعه عن المال الحرام خوفه من الله، فقد يكون قوياً متمكناً ولا يسأله أحد لكنه لا يعصي الله تعالى، فهناك أخ من إخواننا قد وضع لي ورقة والله لا أعرف اسمه قال فيها: سمعت درس الأمانة، وأنا معي عشرين مليون ليرة مودعةٌ عندي لرجلٍ مات فجأةً ولا يعلم أحد بها، فذهبت إلى ورثته وسلَّمتهم إياها.. فما الذي دفعه إلى ذلك ؟ إنه خوفه من الله، وخوفه من عذاب القبر، والسؤال،و الحساب، "عبدي خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني "، فإذا لم يخف الإنسان من الله فهو جاهل وغبي و أحمق، فعليك أن تؤمن أن هذا الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء، وأن هذه الدنيا دار تكليف، وأن الآخرة دار تشريف، وأن كل أعمالنا مسجلة علينا في هذه الدنيا..

﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

( سورة الكهف )

 حينما تؤمن بيوم الدين يكون ميزانك ميزان الشرع وميزان الآخرة، ويكون هدفك الآخرة والميزان هو الشرع، أما الذي لم يؤمن بيوم الدين فميزانه الدنيا و إلهه المال والشهوة، أما الطامة الكبرى فهي في هذه الآية:

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

( سورة المعارج )