الدرس : 2 - سورة عبس - تفسير الآيات 24-42

2000-04-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من سورة عَبَسَ، ومع الآية الرابعة والعشرين، قال تعالى:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 أولاً: اللام هنا لام الأمر، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وفي القرآن أمر تهديد، كقوله تعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

 وأما قوله تعالى:

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾

[ سورة البقرة: 187 ]

 فهذا أمر إباحة، لكن قوله تعالى في الآية التالية:

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النور: 132 ]

 فهذا أمر ندب، إلاّ أن تكون ثمة قرينة دالة على الوجوب.

 

الآية التالية مِن فقرات المنهج التفصيلي :

 هنا الآية:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 المشكلة، بل هي أكبر مشكلة، أن هذا الدين العظيم، وهذا المنهج القويم، اخْتُزِلَ إلى خمس عباداتٍ شعائرية، بينما منهج الله عز وجل فيه مئات بل ألوف الأوامر والنواهي، هي منهج تفصيلي، مِن فقرات المنهج التفصيلي هذه الآية:

 

 

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 تأكل في اليوم ثلاث وجبات، هل فكَّرت في الدقيق؟ هل فكرت في القمح؟ هل فكرت في الخُضراوات والفواكه؟ هل فكرت في كأس الماء؟ هل فكرت في نظام هذه المخلوقات؟ كيف تعرف الله من دون أن تتأمل في خلقه؟

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 6]

 فالإنسان إذا نظر إلى طعامه، المحاصيل والحبوب تنضج في يومٍ واحد، بينما الخُضار والفواكه تنضج في مدةٍ طويلة، قد تزيد على ثلاثة أشهر، لو أن الآية عُكِسَت فماذا يحصل؟ أيمكن أن نحصد القمح فنمسك كل يوم كل سنبلة على حدة نضجت أم لم تنضج؟ أما هذا البطيخ ينبغي أن تأكله طوال الصيف، إذاً ينبغي أن ينضج بالتدريج، فهذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته. لكن كيف يعرف من يريد قطع هذه الثمرة أنها نضجت؟ اللون كله أخضر، هل يمكن أن يفتح ما في داخلها؟ إنْ فعَل فلن تُبَاع معه، هناك خيطٌ في أعلاها إذا كان يابساً فقد نضجت، إذا انكسر بيده فالبطيخة ناضجة، إن لم ينكسر فالبطيخة لم تنضج بعد، هذه علامة من علامات نضج هذه الفاكهة.

 

منهج طعامنا طريقٌ إلى الله :

 الإنسان إذا فكر فيما يأكل فقط يصل إلى الله، في القمح، القمح خمسة وأربعون ألف نوع، والقمح هو الغذاء الأول، وهو الغذاء الكامل، وهو الغذاء الطبيعي، ونحن الآن قلبنا هذا الهَرَم، كان طعامنا قبلاً حبوباً وخضاراً، وفواكه ولحوماً، لو كان لدينا هرم أو مثلث، نجد أن أكبر مساحة للحبوب، ثاني مساحة للخضار والفواكه، أصغر مساحة للحوم، حينما قُلِب هذا الهرم أو هذا المثلث نشأت أمراضٌ لا تعد ولا تحصى، فهذا القمح غذاء أساسي، الشعير، العدس، الحمص، هذه كلها حبوب تسمى في علم الزراعة محاصيل، تنضج في يوم واحد، وتخزَّن، ويمكن أن تكون غذاء استراتيجياً إن صح التعبير.
 بينما الخضار والفواكه تنضج على فترةٍ طويلة، أكثر الخضار تأكلها طوال الصيف، لأنه على مدى أشهر الصيف تنضج هذه الخضار بالتدريج، وكذلك الفواكه، ولدينا شيء آخر: هذه الخضار وتلك الفواكه مبرمجة فيما بينها، فنحن فيما تعرفون نبدأ بقطف الكرز، ثم المشمش، ثم الإجاص، ثم التفاح، بالتسلسل، لو أن هذه الأنواع تنضج دفعةً واحدة لما استفدنا منها، فهي فيما بينها مُبَرْمَجة بتدبير الله سبحانه، والنوع الواحد مبرمج كذلك، وكل نوع من الفاكهة يضم من ثلاثمئة إلى خمسمئة نوع فرعي، فهذه الفاكهة حامضة، هذه سكرية، هذه تؤكل سريعاً، هذه تُشْحَن، هذه للتصدير، أنواع لا يعلمها إلا الله، كل هذا تودداً لهذا الإنسان، ألا ينبغي لهذا الإنسان أن يخطب ود الله عز وجل؟!
فمنهج طعامك طريقٌ إلى الله، والإنسان ينبغي أن يأكل بعد أن يسمِّيَ، وما معنى: بسم الله الرحمن الرحيم؟ أي أنت باسم الله تأكل هذه الفاكهة، لولا أن الله خلقها، وأمدها بالغذاء، وأنضجها لما أكلتها، وبالمناسبة، فثمن الفواكه والخضار، والحبوب والمزروعات التي تؤديها، ثمن خدمتها لا ثمنها، لو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يصنعوا كأس حليبٍ لما استطاعوا، فهذا الكلأ بين أيدي الناس، هل بإمكان جهةٍ في الأرض أن تحول الكلأ إلى حليب، تشربه، تصنع منه لبناً، تصنع منه جبناً، تصنع منه سمناً؟ هذا الكلأ أمامنا، اعمل مزرعة برسيم، أو مزرعة فِصَّة، وحاول أن تجلب هيئات علمية راقية جداً تحوِّل هذا الحشيش الأخضر إلى حليب، أو هذا الذي تأكله الدجاجة إلى بيض يحوي خمسة عشر فيتاميناً، ثمانية معادن، بروتينات، شحوم، غذاء كامل، بدليل أن هذه البيضة تنقلب إلى كائن حي، إلى فرخ صغير، فما دامت هذه البيضة تنقلب إلى صوص، إذاً فيها من كل أنواع الخلق، فهل بإمكان جهة في الأرض أن تحوِّل هذا الذي تأكله الدجاجة وهي تأكل كل شيء، حتى القَذَر، وتقدِّم لك هذه البيضة؟!!

طعامنا الذي نأكله يمكن أن نصل إلى الله مِن خلاله :

 هذا البستان يسقى بماء واحد، ويثمر الأنواع المتعددة، ونفضل بعضها على بعضٍ في الأُكُل، طعم الإجاص غير طعم التفاح، غير طعم الدراق، غير طعم المشمش، غير طعم الكرز، أنواع منوَّعة..

﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

[سورة الرعد: 4]

 بستان فيه فستق حلبي، ثمن الكيلو ثلاثمئة وخمسون ليرة، وهناك فواكه أخرى رخيصة، مَن ميَّز هذه الطعوم؟ طعامك الذي تأكله يمكن أن تصل إلى الله مِن خلاله، هناك إنسان يأكل كما تأكل البهائم، يأكل ويشرب ولا ينتبه، ربنا عز وجل يلفت نظرنا:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 الطماطم (البندورة) بعضها قاسٍ جداً، بعضها ذو حموضة، بعضها كروي الشكل، بعضها محزَّز، بعضها للعصير، بعضها للتصدير، فهي أنواع منوعة، والبرتقال نوع للعصير، نوع لونه وردي، نوع سكري، حلو المذاق، أنواع منوعة، وكل نوع يأتي بعد نوع على مدار السنة، وفي فصل الشتاء تأكل الفواكه فيها أعلى درجة من الفيتامين(C)، يقاوم أمراض الشتاء، والبطيخ مناسب جداً في الصيف.
 عند الإنسان عطش خلوي، وعنده عطش عادي، ولو شرب الإنسان ماء كثيراً، إن لم يأكل فاكهة فيها ماء كثير لا يرتوي خلوياً يرتوي هضمياً، لكنه لا يرتوي خلوياً، شيء دقيق جداً.

 

التفكر في الطعام والشراب منهج كامل موصل إلى الله عز وجل :

 مادة التفكر هي الطعام والشراب، منهج كامل موصل إلى الله عز وجل، فهذا الصوص كيف يخرج مِن البيضة؟ ينمو له نتوء مؤنف على منقاره كالإبرة تماماً، يكسر بها البيضة، ثم يتلاشى هذا النتوء، ويعود إلى ما كان عليه بعد أن خرج مِن البيضة، أمعن النظر في حقائق الطعام والشراب.
 فهذا النبات، منه شجرةٌ عملاقة، كيف يصعد الماء إلى الأعلى على عكس نظام الجاذبية؟ السوائل لو أطلقتها تسقط نحو الأسفل، هناك خاصة شعرية معقدة جداً، تجعل هذا السائل يصعد إلى الأعلى، هذه الشجرة فيها نُسُغ صاعد، ما الذي يجعل هذا السائل، النسغ الصاعد، لا يرجع؟ قال العلماء: هناك دسامات في الأوعية الصاعدة، عليها دسامات عدم رجوع، داخل النبات، فإذا وصلت إلى الأعلى توزعت في الورقة. الورقة قرأت عنها مرة مقالةً: أن أعظم معملٍ على وجه الأرض لا يرقى إلى مستوى الورقة، وهذه الورقة تأخذ من الهواء الآزوت، وتأخذ من الشمس الطاقة الشمسية، وتتفاعل مع هذا النسغ الصاعد فتجعل منه نسغاً هابطاً، هذا النسغ الهابط يسري في أوعية، لو أن هذه الشجرة نَمَت لضاقت لمعة الأوعية، إذاً هذه الأوعية الهابطة فيها حلزون مقوٍّ، يقويها ويمنع التصاق بعضها ببعض، وفي الأوعية الصاعدة دسامات عدم رجوع، وفي الأوعية الهابطة نوابض قاسية تمنع ضيق لمعة الوعاء.
 هذا النسغ النازل، سائل، تصنع منه الجذور، وتصنع منه الأغصان، وتصنع منه الأزهار، وتصنع منه الأوراق، وتصنع منه الثمار، هل بإمكان الإنسان أن يأتي بسائل يحقنه فيكون خشباً، يحقنه فيكون حديداً، يحقنه فيكون إسفنجاً، يحقنه فيكون شراباً؟ مستحيل، نسغٌ واحد؛ يصنع الجذر، والفرع، والغُصْنَ، والزهرة، والورقة، والثمرة، لا يزال علم النبات في البدايات، لا تزال النبتة كائناً يحيِّر العقول، كم نوعاً من الورقة ترون في الدنيا؟ تفاوت في الحجوم، تفاوت في الأشكال، تفاوت في الوظائف، على كلٍ الورقة معمل، معمل مِن أعلى درجة، ولا تزال البحوث لمعرفة حقيقة هذا المعمل في البدايات.
 أيها الأخوة، شجر يمتد جذره إلى ثلاثين متراً تحت الأرض، هذا الجذر يبحث عن الماء، الشجر الذي تزرعه كي تستفيد من ثمره جذوره عميقةٌ جداً، أما الشجر الذي تزرعه كي تستفيد مِن خشبه، فجذوره قليلةٌ جداً وسطحية، ليسهل قلع الشجرة واستخدامها.

النبات من أعظم آيات الله الدالة على عظمته :

 لو ذكرت أنواع النبات، مرة قرأت مقالة عن نبات، نبات جميل جداً، يوضع في أصص، في البيت، له زهرة على شكل فم السمكة، فإذا جاءت بعوضة أو ذبابة ودخلت إلى البيت، تنجذب البعوضة أو الذبابة إلى هذه النبتة، فإذا وصلت غلى جوفها أطبقت عليها، هذا النبات خلقه الله خصيصاً كي يُنَقّي بيتك من البعوض والذباب، وهناك نبات يعطيك سائلاً مرناً هو الكاوتشوك، ونبات آخر يعطي الفلّين، وهناك نبات يعطي سواكاً للأسنان، ونبات يعطي خلة لتنظيف الأسنان، ونبات يعطي ليفة تنظف بها جسمك، لها وجه خشن للرجال، ووجه آخر ناعم للنساء، أليس كذلك؟ هذا من صنع الله عز وجل، ونبات يعطيك أوعية بعضها كروي، وبعضها أنبوبي، أوعية كالنحاس تماماً، وهناك نبات يعطيك حبة مسبحة، كرة مثقوبة، تصنع منها سبحة، وهناك نبات يستعمل أساساً للأبنية، ويتوسع على الماء، بعض أبنية دمشق أساسها مِن الخشب، بناء المنزل في المرجة أساسه خشب، وعمره مديد، خشب تصنع منه النوافذ، فهذه لا تتأثر بالماء والهواء، والعوامل الجوية، خشب تصنع منه الأثاث، خشب تصنع منه الأدوات، هناك مئة نوع من الخشب، نبات حدودي بينك وبين جيرانك له لون جميل، وزهر جميل، لكنه شائك، وكذلك هناك نبات مظلة، يؤدي دور مظلةٍ تماماً، أوراقها دائمة الخضرة، كثيفة جداً، تحتها ظلٌّ ظليل على شكل دائرة نظامية دائمة على طوال العام، هذه مظلة، نبات يعطيك الفاكهة، نبات يعطيك الخضار والفواكه والمحاصيل، والحديث عن النبات يطول، بل هو من أعظم آيات الله الدالة على عظمته، قال تعالى:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 عوِّد نفسك كلما جلست إلى المائدة تفكر في هذا الغذاء الذي تأكله، هذه المُنَكِّهات، هذه التوابل، هذه الخضراوات، هذه الحبوب، هذه الألبان، مشتقات الألبان، الشاي الذي تشربه، النعناع الذي تأكله، هذه الخضار كلها فيتامينات من صممها لتكون كذلك؟ أذكِّر ثانيةً: درسنا اليوم عن طعام الإنسان.

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

الحكمة من تلف المحاصيل عند تخزينها لمدة طويلة :

 تصور كل نبات متى يزرع؟ متى يحصد؟ كيف ومتى يُصَنَّع؟ كيف يخَزَّن؟ لو أن النبات لا يصيبه السوس لخَزَّنه الناس، واحتكروه، وجعلوا العالم نصفين، نصف يموت من الجوع، ونصف يموت من التخمة، فهذه المحاصيل تصيبها الآفة، لا تخزن أكثر من سنة أو سنتين، فلا بد أن تستهلكها لمنع الاحتكار، هذا أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته.

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 من أين يبدأ الطعام؟ من قوله تعالى فاقرأ:

﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ﴾

 هذه الأمطار الغزيرة لولاها لمُتنا مِن الجوع، والآن هناك بلد في إفريقيا، وشيء والله مؤلم جداً جِداً وهو شعبٌ مسلم، يموت من الجوع، وشعوبٌ تموت من البَطَر، ومن الترف، ومن التُخْمَة، وشعوبٌ تموت من الجوع، والمسلمون لا يتحركون لإنجادهم.

﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً ﴾

 انظر إلى الأرض في الشتاء، تراب، ثم يأتي الربيع وتنشق الأرض عن هذه النباتات وهذه المحاصيل، فإذَا هي حلةٌ خضراء، ثم شققنا الأرض بالنبات شقاً، صببنا الماء من السماء صباً، ثم شققنا الأرض شقاً.
 موضوع صببنا الماء صباً أيضاً درس كبير جداً، كيف أن الله عز وجل جعل الهواء يحمل بخار الماء، وكيف أن الله عز وجل جعل مناطق حارة، ومناطق باردة، وجعل المنطقة الحارة ضغطها منخفض، والمنطقة الباردة ضغطها مرتفع، وجعل من تفاوت الضغطين ما تنشأ عنه حركة رياح، والرياح تسوق السحاب، والسحاب محمَّل ببخار الماء، يواجه جبهةً باردةً فينقلب إلى مطر، ويُعْصَر عصراً، وهذا المطر يصبح ينابيع وأنهاراً.

 

أهمية الماء والبذور :

 نهر الأمازون كثافته في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، ينابيعه مِن أين؟ كله من أمطار السماء، من ماء السماء، انقلب إلى ينابيع وأنهار، وحول الأنهار قامت الحضارات، حضارة الرافدين حول دجلة والفرات، حضارة النيل، مصر هبة النيل، قال سيدنا عمر بن الخطاب: صف لي مصر يا عمرو؟ قال له: يا أمير المؤمنين مصر طولها شهر وعرضها عشر، يخط وسطها نهر ميمون الغدوات، مبارك الروحات، فبينما هي عنبرة سوداء، فإذا هي دُرَّة بيضاء، ثم هي زبرجدية خضراء، فتبارك الله الفعال لما يشاء.
 مصر هبة النيل، وفي حضارة الرافدين، وهنا في بلدنا الطيب أين التَجَمُّع السكاني؟ حول نهر العاصي، ونهر بردى، ونهر الأعوج، هذه الأنهار، الآن في العالم معركة مياه، كنا في معركة البترول، ثم دخلنا في معركة القمح، والآن نحن في معركة المياه، بل إن موضوع المياه هو الموضوع المُشْكِل في أيَّة مباحثات، موضوع المياه بالذات، لأن حياة الأحياء بالمياه:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾

[ سورة الأنبياء: 30]

﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً ﴾

 فهذه البذرة، ائت بحبة فاصولياء، ضعها في قطن مبلل، كيف تنشق هذه البذرة عن رشيمٍ صغير، وعن سويقٍ صغير يأخذ غذاءه من مخزونها الغذائي؟ فإذا نما ساقُها، ونما جذرها، أمْسِكْها فإذا هي فارغة، فمَن أعطاها أمراً بالإنبات؟ تتجه نحو الأعلى، قضية الإنبات وحدها شيء لا يصدق، هذه البذرة فيها رشيم كائن حي، هناك قمح أُخِذَ من الأهرامات قد خزِّن قبل ستة آلاف عام، زُرِع فنبت، الرُشيم كائن حي، لكن النملة حينما تخزن القمح تأكل الرشيم لئلا ينبت، فالرشيم كائن حي، وهناك بذور الغرام الواحد يحوي سبعين ألف بذرة، وكل بذرة فيها رشيم، وفيها سويق، وفيها جذير، وفيها مخزون غذاء، وهذا شأن كل بذرة، فقضية البذور وحدها قضيةٌ تلفت النظر.

 

النباتات الرعوية :

 الآن مع النباتات الرعوية، كيف تنبت بذورها على شكل حلزون؟ تسقط مِن الأعلى فتُغرس في الأرض، زَرْعٌ طبيعيٌّ من دون أنْ تعمل فيه يد إنسان، قد تنمو الأحراش والرعويات بشكل مخيف دون أن يزرعها أحد، وهناك بذور طائرة تنتقل مِن قارةٍ إلى قارة، وهناك بذور لا تنبت إلا إذا أكلتها الزرافة، تأكلها الزرافة وتخرجها من أمعائها فتنبت في الأرض، والحديث عن البذور حديث طويل.

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 يقول العلماء: هذه الفاكهة طعمها حامض، شكلها كمثري، أو شكلها كروي، لونها كذا، كل كلمة هي معلومات مبرمجة عليها هذه البذرة.

﴿ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ﴾

 القمح هو الغذاء الكامل:

﴿وَعِنَباً ﴾

 الفاكهة:

﴿ وَقَضْباً ﴾

 قالوا: القضب هو غذاء الحيوانات، أي هذه الفِصَّة والبرسيم، لأنها تحصد فتنبت، تحصد فتنبت، تحصد فتنبت ست مرّات، وهذه الحقيقة ربما لا تعرفونها، غذاء الحيوانات بشكل اقتصادي مربح جداً، تزرعه مرةً واحدة، وتحصده ست مراتٍ متوالية، كلما قضمته نبت مرة ثانية، سمي قضباً، قال تعالى:

﴿ وَعِنَباً وَقَضْباً ﴾

 وقال بعضهم: القضب هو التمر، والعلماء على ترجيح أن القضب هو التمر، أو القضب هو النبات الذي تأكله البهائم، يقضب فينمو، ويقضب فينمو.

 

أهمية الزيتون والتمر للإنسان :

 قال تعالى:

﴿ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ﴾

 هذه الشجرة المباركة، وكلما تقدم العلم اكتشف أن أول غذاء ينتفع به الإنسان هو زيت الزيتون، يُخَفِّض الضغط، يخفض الكولسترول، يقوي الشرايين، بل إن عمر الإنسان من عمر شرايينه، لو أن الإنسان نجا من كل الأمراض العضالة، كيف يموت؟ يموت بتصلب الشرايين، وزيت الزيتون وحده يطيل عمر الشرايين إلى أعلى درجة، فقالوا: الإنسان عمره من عمر شرايينه، وزيت الزيتون يكافح السرطان، ويخفِّف الضغط، ويخفف الكولسترول، يقوي الشرايين، ويجعلها مرنة، وقال تعالى:

﴿ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾

[ سورة النور: 35]

﴿ وَعِنَباً وَقَضْباً ﴾

 إما التمر، وإما نباتٌ تأكله البهائم..

﴿ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ﴾

 النخل مِن أطول الأشجار المُعَمِّرة، تعيش شجرة النخل ستة آلاف عام، وتعطيك الثمرة، وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 التمر فيه مواد مهدئة، مواد مطهرة، مواد قابضة، مواد مُلَيِّنة، فيه ست وأربعون مادة غذائية، ولا يتلوث أبداً، وهو أحد الأسودين؛ التمر والماء.

 

الفاكهة ما يأكله الإنسان والأبّ ما يأكله الحيوان :

 قال تعالى:

﴿ وَحَدَائِقَ غُلْباً ﴾

 الآن أنواع الأزهار، وأنواع الرياحين، أنواع النباتات التي تعيش في المنازل، أنواع الأبصال، أنواعها بالألوف، وكل زهرة تسبِّح خالقها، وقد خلقت خصيصاً للإنسان، أعطى شخص للحمار فُلّة فأكلها، فقيل عنه: إن الذي أعطاه الفُلّة هو الحمار، الفُلّة لتُشمّ لا لتُؤكل.

﴿ وَحَدَائِقَ غُلْباً ﴾

 أي كثيفة عظيمة:

﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ﴾

 الفاكهة ما يأكله الإنسان، والأبّ ما يأكله الحيوان، الآن قد يغيب عن أذهانكم أن هذا القمح غذاء أساسيٌ للإنسان، أما هذه الساق التي تحمل سنبلة القمح غذاءٌ أساسيٌ للحيوان، يعيش الحيوان على التِبْنِ فقط، فهذا من بقايا الحصيد، وهو غذاءٌ أولُ للحيوان، فيعيش الحيوان على التبن عمره كله، فهو غذاءٌ كامل، فهذه السنبلة غذاءٌ للإنسان، وهذه الساق التي يحملها غذاءٌ للحيوان:

﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً* مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

من يأكل ولا يسميِّ الله عز وجل ولا يحمد الله على هذه النعم فهو كالدابة تماماً:

 أنا طبعاً أذكر عناوين أبحاث، أما أنت فلديك منهج للتفكُّر، لديك منهج الفاكهة والأب، والحدائق والأزهار، والأبصال، والورود والرياحين، وكل نباتات الزينة، هذه وحدها موضوع، والأعداد بالألوف، وفي الزيتون والنخل، فوائد الزيتون وزيته، وفوائد التمر، وفي العنب والقضب، وفي الحب أي المحاصيل، وفي انشقاق الأرض عن النبات، وانشقاق السماء عن الماء، فالماء من السماء، والنبات من التراب، ثم يكون الحَبُّ والعنبُ والقضب والزيتون والنخل والحدائق الكثيرة.. وكلها فضل من الله وكرم.

﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً* مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

 وبعدُ فإذا فوَّت الإنسان على نفسه فرصة التفكُّر في خلق السماوات والأرض، فلم يفكر، فهو يأكل كالبهيمة تماماً:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 12]

 تأكل الحشيش وكفى لأنها دابة، وكل إنسان يأكل وكفى، ولا يسميِّ الله عز وجل، ولا يحمد الله على هذه النعم، فهو كالدابة تماماً:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 12]

الحكمة من استنجاد الإنسان بأخيه :

 الإنسان يأكل ويتفكَّر، يأكل ويتعلَّم، يأكل ويتقرَّب، يأكل ويسمِّي، يأكل ويشكر، يأكل ويحمد الله عز وجل، أما إذا لم يفكر الإنسان، وعاش شهوته، واستجاب لميوله ونزواته وغرائزه، وعاش لمُتَعِهِ وشهواته فقد جاء البلاء الأعظم:

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴾

 صوتٌ يصمُّ الآذان، أو صوت تصغي له الآذان، كلاهما صحيح..

﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّة* يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ُ ﴾

 الإنسان عادة يستنجد بأخيه، لأن أباه متقدمٌ في السِن، وأن ابنه ضعيفٌ لا يقوى على نجدته، أما الإنسان بمَن يستنجد؟ بأخيه، في هذا اليوم:

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 101]

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ*وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ُ ﴾

 أي زوجته..

﴿ وَبَنِيهِ ُ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾

 وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً - أي من دون اختتان، وقلفة أعضائهم موجودة، وقد رجعت إلى حالها يوم خُلق - قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ ))

[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ]

وصف دقيق لهول يوم القيامة :

 نحن اليوم لو سيق إنسان إلى حبل المشنقة للإعدام وفي الطريق إلى المرجة ساحة التنفيذ، رأى فتاةً ترتدي ثياباً فاضحةً، أيتأثر بهذا المنظر؟ مستحيل، هو في عالم آخر، في عالم الشنق، فقال:

((... الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ ))

[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ]

 قد تقع عين الأم على ابنها يوم القيامة تقول: يا بني جعلت لك صدري سقاءً، وبطني وعاءً، وحجري وطاءً فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم؟ يجيبها ابنها ويقول: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنتِ منه تشكين، أي:

﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ*وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ُ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾

 له مشكلة أو له قضية غارقٌ في همومها، ولا يلتفت إلى أحد، في النهاية هؤلاء البشر صنفان:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾

 مشرقة، متألِّقة..

﴿ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾

الناس يوم القيامة رجلان :

 لو أنّ طالباً نجح، وأبلغوه أنه نجح، ينتظر العلامات، وتكريم أهله، وتكريم الدولة له لأنه حصل على المرتبة الأولى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ*ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ*تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾

 ظلمة، قال:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾

 كم إنساناً؟ وكم ملة؟ وكم مذهباً؟ وكم طائفة؟ وكم ديناً؟ وكم عِرْقاً؟ وكم جنساً؟ وكم لوناً؟ وكم نِحْلَة؟ كل هؤلاء الناس على اختلاف مللهم، ونحَلهم، وألوانهم، وأجناسهم، وأديانهم، وانتماءاتهم، هم في النهاية رجلان؛ وجه مسفر، ضاحك، مستبشر، عرف الله في الدنيا، فاستقام على أمره، وأحسن إلى خلقه، فسعد في الدنيا والآخرة، ورجلٌ غفل عن الله، تفَلَّت من منهجه، أساء لخلقه، فشقي في الدنيا والآخرة.

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾

 العمل السيّئ يجعل الوجه أسود:

﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ* أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾

 أخواننا الكرام، الوجه صفحة النفس، سعادتك تظهر على وجهك، وبراءتُك تظهر على وجهك، وعفَّتك تظهر على وجهك، وصدقك يظهر على وجهك، الوجه صفحة النفس، وجهٌ صافٍ، مُشْرِق، بريء، طاهر، ووجه خبيث، مجرم، مذنب، عمله أمامه:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ ﴾

 هم الذين لم يعرفوا الله:

﴿ الْفَجَرَةُ ﴾

 وهم الذين عصوه في الدنيا، وتباهوا بهذه المعصية.