الدرس : 2 - سورة الإنفطار - تفسير الآيات 06-18، الاغترار بالله عز وجل.

2000-05-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الغرور بالشيء أن تراه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سورة الانفطار، والآيات الكريمة هي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

 حيثما خوطب الإنسان في القرآن الكريم معرَّفاً بأل فهو الإنسان قبل أن يعرف الله، (ما غرك) تكلمت في الدرس الماضي عن الغرور، وقلت: أن تحسب الشيء أكبر من حجمه، وأن تظن أن هذا الشيء كبيرٌ، وهو ليس كذلك، وذكرت أن الإنسان في مطلع حياته قبل أن يعرف الله يظن المال كل شيء، فإذا عرف الله رآه شيئاً، أما إذا تعمَّق في المعرفة لم يرَه شيئاً.
 أيها الأخوة، الغرور بالشيء أن تراه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، ولكن كيف نفسِّر الغرور بالله عز وجل؟ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أجاب عن هذا السؤال، فجهلُ الإنسان بربه جعله يغترُّ به، وجهله بعدالته جعله يغتر به، وجهله برحمته جعله يغتر به، فالغرور أن تتوهم أن الله على غير ما هو عليه، وأن تظن أنه لن يحاسب ولن يعاقب، أو أن تظن هذه الدنيا قويُّها قوي، وضعيفها ضعيف، وينتهي الأمر هكذا، هذه النظرة العبثية للكون لا تليق بالله عز وجل، ولا يليق بجلال الله أن يخلق الإنسانَ عبثاً، قال تعالى:

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 115]

الجهل والاغترار يلتقيان في مكان واحد :

 آية ثانية، قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[سورة القيامة: 36]

 يأكل من مال حرام، و يحتال على الناس، ويبتز أموالهم، ويعتدي على أعراضهم ويقهرهم، و تنتهي حياته هكذا بلا حساب ولا عقاب، هذا اغترار بالله عز وجل، وهذا جهل وسوء ظن به، فالجهل والاغترار يلتقيان في مكان واحد.
يا أيها الإنسان ما الذي حملك على أن تتوهم أن الله عز وجل يستوي عنده المحسن والمسيء، قال تعالى:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

 جهلك بالله، وجهلك بأسمائه الحسنى، وجهلك بكماله قد يوقعك في ذاته العلية، آية واحدة لو عقلناها لملأت قلبنا يقيناً وإيماناً، قال تعالى:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

الرابح الأول هو المستقيم على أمر الله :

 إذا كنت مستقيماً على أمر الله فأنت الرابح الأول، وأنت الفائز، وأنت المتفوق، وأنت الفالح، وأنت السعيد، وأنت السليم، لكن الله عز وجل لحكمة بالغة بَالغة لا يواجه العبدَ بعمله إلا بعد حين، ليأخذ أبعاده، ويأخذ مساره الحقيقي، ويمكن لإنسان أن يعصي الله، وفي المدى المنظور لا يرى شيئاً، فيأكل الحرام، ويعتدي على أعراض الناس، ويكذب عليهم، ويتكبر ويتجبر، ويطغى ويبغي، إلى أمد معقول دون أن يشعر بشيء، فتأخير عقاب الله حمله على أن يغتر به، وحلمُ الله حمله على أن يغتر به أكثر وأكثر، ولكن الله عز وجل يأخذ مَن هَلك على بينة، و يعطي مَن تفوَق على بينة، بعد أن يأخذ أبعاده، وبتعبير آخر أن الله عز وجل من سياسته مع خلقه أنه يرخي لهم الحبل إلى أن يتوهموا أنه لن يحاسبهم، وفي لحظة واحدة يشدّ الحبل فإذا هم في قبضته، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

[مسلم عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 قال تعالى:

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

[سورة فصلت: 40]

 هذه آية قرآنية فيها تهديد ووعيد، وكل شيء مسّجل عليكم، قال تعالى:

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

الغُرور أن تتوهم أن الله له صفات لا تليق به :

 الاغترار بالله سببه الجهل، والاغترار بالله سببه حلم الله عز وجل، والاغترار بالله سببه الشيطان، يقول لك بعضهم: لن يدقِّق الله مع عباده، ولن يحاسبكم، فإذا جاء يوم القيامة يقول الشيطان عكس ما كان يقوله في الدنيا، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 22 ]

 الشهوة إذاً، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

 ما الذي حملك على أن تغتر به؟ قال علماء التفسير: جهل الإنسان بالله حمله على أن يغتر به، وحلم الله حمله على أن يغتر به، والشيطان هو الغَرور الذي يدعو الإنسانَ إلى أن يغتر بالله، تماماً كما لو قال لك أحدهم: هذا القاضي بهدية بسيطة يحكم لك، فهذا الإنسان حملك على أن تغترّ بهذا القاضي النزيه، أو كطالب كسول قال لأحد زملائه: إن هذا المدرس بهدية بسيطة يعطيك الأسئلة، فلا تدرس، فهذا الطالب حمل زميله على أن يغتر بأستاذه، فلما جاء وقت الامتحان فوجئ هذا الطالب أن الأستاذ نزيه، وأن توهُّمه ليس صحيحاً، وفوجئ المُعمَّى عليه أن هذا القاضي نزيه، وأن توهمه ليس صحيحاً، هذا هو الغُرور، أن تتوهم أن الله له صفات لا تليق به، لا وألف لا، بل يليق به العدل، وتليق به الرحمة، ويليق به ألاَّ يضيِّع على أحد عمله.

 

حلم الله يدعو بعض الناس إلى الغرور بالله لكن في لحظة واحدة يعاقبهم دون أن يشعروا:

 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 47 ]

 يليق به قوله تعالى:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة:7-8 ]

 الشيء الواقع أيها الأخوة، أن حلم الله يدعو بعض الناس إلى الغرور بالله، لكن في لحظة واحدة يعاقبهم، دون أن يشعروا، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ*وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 53-55]

الله جل جلاله حين يفتح عليك أبواب الدنيا وأنت لست أهلاً لها فهذا اسمه استدراج:

 إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، بل إن الله جل جلاله حين يفتح عليك أبواب الدنيا، وأنت لست أهلاً لها، فهذا اسمه استدراج، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

[ سورة الأعراف: 182-183 ]

 الكيد هو التدبير، والمتانة في الفيزياء مقاومة قوى الشدِّ، فهذا الإنسان مربوط بحبل مهما تحرّك فلن يفلت من قبضة الله عز وجل، وبشكل واقعي فالإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، خثرة دم لا يزيد حجمها على معشار الميليمتر المكعب، فإذا وقفت في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، وفي مكان آخر أصيب بالعمى، وفي مكان آخر فَقَدَ ذاكرته، فكل ما عند الإنسان يذهب بتجمّد خثرة لا تزيد عن معشار ميليمتر مكعب في أحد أوعية الدماغ، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

 وفي الآية التي تليها تتمة للآية السابقة، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

 هذا الإله الذي خلقك وفي أحسن تقويم سوَّاك، والتسوية شيء يضاف على الخلق، فأنت قد تبني بناءً من أجل أن تضع مركبتك فيه، أما تسوية هذا البناء فتعني أن يكون له عرض يسمح لك بفتح أبواب المركبة فإذا فُتحت أبواب المركبة من الطرفين براحة فهذا البناء مسوّى مع السيارة، ويجب أن يكون طوله متناسباً مع طول المركبة، فإذا دخلت وأمكنك أن تغلق باب هذا البناء معنى ذلك أن هذا البناء مسوّى مع المركبة، وأن يكون ارتفاع البناء أيضاً مسوّى مع ارتفاع المركبة، فالبناء شيء، وأن يكون هذا البناء مسوّى مع المركبة شيء آخر.

 

الإنسان مخلوق في أحسن تقويم :

 الله خلقك، ولو أن الإنسان خُلق ولم تكن أربطة ذراعه متناسبة مع وزنه، فإذا حمل الأبُ ابنَه انخلعت يده، فهذا الإنسان على هذا النحو مخلوق في أحسن تقويم، لكن غير مسوّى، ولولا أن لهذه اليد مفصلاً داخلياً لما أمكنك أن تأكل، فأنت مخلوق، لكن هذه اليد مسواة مع طعامك، وتصل إلى كل أطراف جسمك، لولا هذه الإبهام لما أمكنك أن تكتب، حاول أن تكتب بلا إبهام، حاول أن تخيط بلا إبهام، حاول أن ترتدي ثيابك بلا إبهام، حاول أن تصنع شيئاً بلا إبهام، تستغربون أن هذه الإبهام وحده سبب الحضارة الإنسانية، هذا فقط، لولا هذا الإبهام لن تستطيع أن تفعل شيئاً، بل إن الإنسان حينما يمشي على قدمين ويداه طليقتان، هاتان اليدان الطليقتان سبب بناء وإعمار الأرض، أما هناك من يمشي على أربع، ماذا يفعل؟ لا يمكنه إلا النباح أو نحوه فقط، أما الإنسان فيتحرك، ويبني، وينسج، ويصنع، ويحفر، ويخيط، ويقرأ، ويكتب، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ ﴾

 التسوية فيها تناسب، لو أن الله عز وجل أعطاك أعصاباً حسية في شعرك لما أمكنك أن تحلق رأسك إلا في المستشفى، وإلا بعملية جراحية، وإلا بتخدير، ولو أن الله عز وجل لم يضع في لُبِّ السن العصب الحسيّ لوصل النخر إلى كل السن ولقُلع من مكانه، ولابتلعته مع لقمة الطعام ولم تشعر، لكن هذه الأعصاب المؤلمة في الأسنان هي أجهزة إنذار مبكِّر، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ ﴾

 ولو أن الإنسان لا يرى إلا بعين واحدة لما رأى إلا بُعدَين الطول والعرض، أما بالعينين فيرى بُعداً ثالثاً، ويقدِّر بالعينين المسافات، ويقدر بالأذنين مصادر الصوت، ولو أن الإنسان أُوكل أمرُ تنفُّسه له لكان أمام خيار صعب إما أن يموت وإما أن ينام، ولا يجتمع موت وحياة، لو أن أمر رئتيك موكّل إليك لعظمت المصيبة، ولكن الرئتين تخفقان بشكل دوري نوبي، وبطريقة بالغة التعقيد جداً، ولو أن القلب أوكله الله إليك لما أمكنك أن تفعل شيئاً إلا أن تهيئ قلبك للنبض، ولو أنه أوكل الهضم إليك لاحتجت بعد كل وجبة إلى أربع ساعات تتفرّغ فيها كي تهضم طعامك.

 

النوم والحركة والعضلات من نعم الله الكبرى :

 قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

 لو أنك مُنِعتَ النوم لكانت الحياة جحيماً، فالنوم نعمة، والحركة نعمة، لك هيكل عظمي مكسو بعضلات، والعضلات مكسوة بجلد يجعلك مقبولاً وجميلاً، وهذه من نعم الله الكبرى، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

 جعل لك زوجة من نفسك، امرأة تفكر كما تفكر، وتشعر كما تشعر، وتتألم كما تتألم، وتفرح كما تفرح، وتفهم كما تفهم، وتحب الله كما تحب الله، قال تعالى:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾

[سورة الروم: 21]

 فهذه من نعم الله الكبرى، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ* الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

 جعلك معتدلاً، جعل شكلك مقبولاً، وجعل وزنك مقبولاً، وجعل حاجاتك مقبولة، يكفي أن يكون الهيكل العظمي ممتلئاً، الهيكل العظمي بالضبط شكله إسفنجي، فلو أنه أصم لكان وزن الإنسان ثلاثمئة كيلو، فكم يحتاج من الطعام والشراب حينئذٍ؟!! تحريك ثلاثمئة كيلو تحتاج إلى كمية طعام، أي لا بد أن يأكل في الوجبة الواحدة خمسةً وعشرين رغيفاً حتى يمشي، جعل قوام العظم إسفنجياً خفيفاً.

 

كمال الخلق يدلّ على كمال التصرف :

 الإنسان يمشي على قدم لطيفة، ولو لم يكن في هذه الأذن الداخلية جهاز توازن لكان لا بد من قاعات استناد كبيرة جداً، ولا بد لك من قاعات استناد عرضها أو قطرها أربعون سنتيمتراً من أجل أن تقف، والدليل من يستطيع أن يوقف ميتاً، مستحيل، تعطَّل جهاز توازنه، أما إنسان وزنه ثمانون كيلواً فهو يمشي على قدمين لطيفتين، لولا أن جهاز التوازن عن طريق ثلاث أقنية نصف دائرية فيها سائل، وفيها أهداب، وآلية معقدة جداً لما استطعتَ أن تمشي على قدمين صغيرتين، لو أنك دخلت في حقل طيني وحمل حذاؤك كمية طين كبيرة ترى أن السير على القدمين أشغال شاقة، اللهُ جعلك لطيفاً، لباسك لطيف، الأرجل لطيفة، والحركات لطيفة، والبحث طويل، التفكر في خلق الإنسان لا ينتهي طوال العام، طعامك وشرابك ونومك وتفكيرك وذاكرتك، لو لم توجد ذاكرة لتبدَّل الإنسان تبدلاً كاملاً كل خمس سنوات، لو تبدل دماغه لنسي اختصاصه، تكون له كل خمس سنوات دكتوراه أو يعود جاهلاً، لكن شاءت حكمة الله أن خلايا الدماغ نبيلة لا تتبدل أبداً، خلايا الدماغ وخلايا القلب، وما سوى القلب والدماغ فكل شيء فيك يتبدل كل خمس سنوات، لأن أطول عمر خلية خمس سنوات، وأقصر عمر خلية ثمانية وأربعون ساعة، خلية زغابات الأمعاء، فأنا أردت من هذه التفاصيل أن تعلموا أن كمال الخلق يدلّ على كمال التصرف، خالق عظيم، من خلقه ترى هذا العلم، وهذه الحكمة وهذه القدرة وهذه الرحمة وهذا الجمال، أيُعقل أن تُخلق سدى بلا حساب، أيعقل أن تُخلق عبثاً بلا جزاء، تبارك الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

 جعلك معتدلاً، لو أن الإنسان كان وجوده على سطح القمر لكان وزنه عشرة كيلوات، إذا قفز قفزة يصبح في سقف الغرفة، لو كان على كوكب آخر وزنه خمسمئة طن، هناك كواكب كبيرة، ووزن الإنسان يتناسب مع حجم الكوكب، والأشياء ذات علاقة بالجاذبية، رائد الفضاء في القمر وزنه ستة كيلوات أو عشرة كيلوات، السدس، أما لو انتقل هذا الرائد الفضائي إلى كوكب عملاق لكان وزنه نصف طن، لكن من رحمة الله أن جعل وزنك ستين أو سبعين كيلواً، والوزن معتدل، قال تعالى:

 

﴿ فَعَدَلَكَ ﴾

الإنسان مكرَّم عند الله عز وجل خلقه في أحسن تقويم وكرمه أعظم تكريم :

 

 جعل النهار ثماني ساعات، وأنت طاقتك على العمل ثماني ساعات، فهناك تناسب بين دورة الليل والنهار وبين طاقتك على العمل، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ* فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

 الخنزير خلقه الله عز وجل، والقرد خلقه الله عز وجل، والكلب خلقه الله عز وجل، لكنك مكرَّم عند الله عز وجل، خلقك في أحسن تقويم، وكرمك أعظم تكريم، قال تعالى:

 

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 21]

 أنت في أحسن تقويم، وأجمل صورة، وكان من الممكن أن تكون في صورة أخرى، لو توسَّعنا قليلاً، أنت تأكل مما لذّ وطاب، وتحب الروائح الزكية، وتكره الروائح القبيحة، فمن برمجك على هذا؟ أليس هناك حيوانات تأكل الجيف، فالخنزير مثلاً أكلته المفضلة التي يسيل لها لعابه هي الجيفة، إنك إن مررت بجيفة كدتَ تخرج من جلدك من نتن رائحتها، بينما هذا الخنزير يقبل عليها ويأكلها بنهم، وهناك حيوانات تأكل البراز، وحيوانات تعيش في المجاري، وهؤلاء مبرمجون على هذه الروائح، يحبونها وكأنها عطر، فأنت أيها الإنسان من جعلك في هذا القوام، في أحسن تقويم، وجعل أذواقك في الطعام والشراب أذواقاً عالية جداً، تحب رائحة الزنبق وتكره رائحة اللحم المتفسخ، من جعلك هكذا؟ هذا من تكريم الله لك.

 

في كل نظرة نرى آيات تدلُّ على وجود الله :

 قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ* فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ* كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾

 مع كل هذه الآيات الدالة على عظمته تُكَذِّب بالدين ولا تعبأ بتوجيه سيِّد المرسلين قال تعالى:

 

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 175]

 واللهِ أيها الأخوة نحن محاطون بآيات من فوقنا ومن تحت أرجلنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، وفي كل مكان وفي كل وقت، وفي كل نظرة آيات تدلُّ على وجود الله، الضوء مثلاً إذا سار في وسط شفَّاف كالهواء، ثم دخل في وسط آخر شفَّاف كالزجاج ينكسر، حقيقة يدرسها الطلاب في الثانوي، انكسار الضوء، ضع قلماً في كأس ماء تراه مكسوراً، فالضوء إذا سار في وسط شفاف ثم دخل في وسط آخر ينكسر، فهل تصدق أنه لولا هذه الظاهرة لما كان هناك نظَّارة، ولا آلة تصوير، ولا ميكروسكوب، ولا تلسكوب، ولا عدسات، وتطبيقات العدسات لا تعدُّ و لا تُحصى، إنسان ضعف بصره، استعمل نظارة، أراد أن يرى أشياء بتكبير عالٍ أخذ الميكروسكوب، أراد أن ينظر إلى النجوم العملاقة استعمل التلسكوب، التلسكوب عدسته يستغرق تبريدها أكثر من عشر سنوات، من أجل أن ترى نجوم السماء، كل هذا عن طريق انكسار الضوء، لولا انكسار الضوء لما كان هناك عدسات ولا تلسكوبات ولا ميكروسكوبات، ولا نظارات، وكل التطبيقات لا قيمة لها، ثم من قدَّم قانون الترسب، ممكن أن تنحل أملاحُ معدن، ثم تترسب هذه الأملاح، لولاها لما وُجد إنسان يقف، أنت أصلك من ماء مهين تأكل طعاماً ليِّناً، من أين جاءت قساوة العظام؟ وكيف أن عظم عنق الفخذ يحمل ثقلاً يزيد على مئتين وخمسين كيلواً، مِن أين جاءت لهذه الأسنان قساوتها؟ قساوة ميناء السن تأتي بعد الألماس، لولا الترسب لما كانت هذه الظواهر، اقرأ الفيزياء برؤية إيمانية، فلولا انكسار الضوء لما وجدت عدسات، ولولا الترسب لما وجد هيكل عظمي، فما دام أكلك ليِّناً بقيتَ أنت ليِّناً، كذلك تشرب الحليب فيصير عظماً، من أين جاءت هذه القساوة؟ من الترسُّب، الكالسيوم يترسب في بعض النسج العظمية فيشكل الهيكل العظمي، ولولا أن الماء عند التبريد يزداد حجمه لما كان على سطح الأرض كائنٌ حيّ، هذا نظام الماء والحديث عن قوانين الفيزياء والكيمياء لا تنتهي.

 

كل الآيات في السماء والأرض هي آيات دالة على وجود الله وعظمته :

 قال تعالى:

﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

 كل هذه الآيات في السماء والأرض، والطعام والشراب، والأسماك والأطيار، والجبال والوديان، والصحارى والأغوار، والوحوش، هذه الآيات الدالة على وجود الله وعظمته ووحدانيته وكماله، ومع كل هذا:

 

﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾

 يقول لك: الدين لا يصلح لهذه الأيام، والدين انعكاس لضعف الإنسان أمام مظاهر الطبيعة، هكذا، هذا تكذيب قولي، أما أنا فقناعتي أن التكذيب العملي أخطر، لأنّ الذي يكذب بالدين قولاً تقنعه، أما الذي يكذب عملاً ففيه يكمن الخطر، يعمل للدنيا ولا يعبأ بالآخرة، يقول لك: أنا مؤمن، وتلك أفعاله تؤكِّد عدم إيمانه، قال تعالى:

 

﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾

 يكذبون بالدينونة لله عز وجل، يكذبون بهذا الإله العظيم، وبالتالي يكذبون ويأبون الخضوع لأمره ونهيه، والإنسان أحياناً يستكبر أن يطيع الله عز وجل، والمكذبون استكبروا عن عبادته.

 

الملَكان يكتبان ما تفعل أما ما وراء ما تفعل ونيتك فهذه يعرفها الله وحده :

 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾

 أيْ أنّ الإنسان في الحياة المدنية لو وصل إلى علمه أنه مراقب، أو أنّ هاتفه مراقب، أو حركاته مراقبة، وكل شيء ينطق به مسجَّل عليه، كيف ينضبط؟ ينضبط انضباطاً لا حدود له، لكن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾

 وقال تعالى:

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

[سورة ق: 18]

 فما من كلمة تنطق بها، وما من حركة تتحرك بها أو تفكر في شيء إلا والله يعلمه، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾

 الإنسان حينما يألف الشيء قد يبتعد عن حقيقته بسبب طول الألفة، كلّكم في الصلاة يقول: السلام عليكم ورحمة الله، تسلم على مَن؟ على ملكَي اليمين والشمال، هذا الملَك لا يفارقك إلا في حالتين ذكرهما العلماء، هو معك يسجِّل عليك كلّ شيء، قال تعالى:

 

﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ *وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾

 أما النوايا فلا يعلمها إلا الله، والملَكان يكتبان ما تفعل أما ما وراء ما تفعل ونيتك فهذه يعرفها الله وحده.

 

الناس رجلان برٌّ وفاجر :

 في النهاية، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾

 إنّ القرآن الكريم واضح، وتقسيماته واضحة، والناس رجلان؛ بَرٌّ وفاجر، البر في نعيم القرب، والفاجر في جحيم البُعد، البر عَرف اللهَ فاستقام على أمره، والفاجر غفل عن الله فتفلّت من أمره، والبر أحسن إلى المخلوقات، والفاجر أساء، والبر لو زلّتْ قدمه لاستتر، والفاجر حينما يعصي اللهَ يفتخر، فالناس رجلان ونموذجان، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾

 الأبرار في نعيم القرب، في نعيم السلامة، في نعيم السعادة، في نعيم الأمن، في نعيم الرضا، في نعيم التسليم لقضاء الله وقدره، في نعيم الوعد العظيم بجنة عرضها السماوات والأرض، والفجار في جحيم، جحيم البُعد، جحيم الخوف، جحيم القلق، جحيم اليأس، جحيم الإحباط، جحيم الخوف من المستقبل، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾

 معنى ذلك أن كل هذه التقسيمات التي يأتي بها البشر لا أصل لها، تقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان، أبيض وملوَّن، دول الشمال ودول الجنوب، عرق صيني، عرق أبيض، وعرق ملوَّن، الشعوب السامية والأنجلوساكسونية، تقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان، وهي واقعة، ولكن عند الله لا يُؤخذ بها إطلاقاً:

(( لا منكم، ولا منكم، سلمان منَّا أهل البيت ))

[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]

(( نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ))

[ كنز العمال عن عمر]

كل صفات الكمال في المؤمن لأنه اتصل بالله واصطبغ بصبغته :

 قال تعالى:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

[ سورة المسد: 1]

 قرشي عريق جهل واغتر بالله، قال تعالى:

 

﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

[ سورة المسد: 2]

 فهذه التقسيمات هي حقائق واقعة، ولكن ينبغي ألاّ نأخذ بها، فهناك إنسان أبيض وإنسان ملوَّن، وإنسان فقير وإنسان غني، وإنسان عرقه ساميّ وإنسان عرقه آري، فهذه التقسيمات لا معنى لها:

(( رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنـــَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 ورُوِي في الأثر: الناس سواسية كأسنان المشط. فالتقسيم الحقيقي لعباد الله: برٌّ وفاجر، ولا ثالث لهما، والمؤمن بر تقي، والفاجر خبٌّ شقي مارق محتال، وكل صفات الكمال في المؤمن لأنه اتصل بالله واصطبغ بصبغته، وكل صفات النقص بغير المؤمن لأنه انقطع عن الله.

 

الفرق بين اللذة والسعادة :

 أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 طبعاً نعيم مطلق في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا ترى المؤمن في جنة القُرب، قال تعالى:

 

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 6]

 عرَّفها لهم في الدنيا، لذلك قال بعض العلماء: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقال أيضاً: بستاني في صدري، ماذا يفعل أعدائي بي، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟!! هذه جنة القُرب، فإذا مات دخل جنة الآخرة، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 إن نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، ذلك لأنني في درس سابق أو في خطبة سابقة بيَّنتُ أن هناك لذة وهناك سعادة، فاللذة طبيعتها حسية، متناقصة في تأثيرها، تنبع من خارج الإنسان، وتأتي من الخارج، وطبيعتها حسية، متناقصة في تأثيرها، تأتي من خارج الإنسان؛ من طعام، ومن شراب، ومن امرأة، ومن منظرٍ جميل، ثم إن هذه اللذة متناقصة في تأثيرها، تنتهي بكآبة، فلو بُنيتْ على معصية انتهت بهلاك وبعذاب أليم، بينما السعادة تنبع من الداخل، طبيعتها نفسية، متنامية في تأثيرها، تنتهي بجنة عرضها السماوات والأرض، فالأبرار في نعيم، وإنّ البرُّ هو الذي عرف الله فاستقامت أعمالُه، فكان في نعيم.

 

الناس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا :

 ثم قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾

 هم الذين عصوا اللهَ، وكانوا جهلاء، بل إنهم افتخروا بمعصيتهم:

 

﴿ لَفِي جَحِيمٍ ﴾

 ولكن قد يبدو لك الفاجرُ غنيّاً، يأكل ما يشتهي، ويسكن أجمل بيت، ويركب أجمل مركبة، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ* يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾

 الناس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا، الناس في الدنيا قد يُخدَّرون بالشهوات، ولكنهم حينما يوضعون في قبورهم تستيقظ فطرهم، ويصبح بصرُهم حديداً ثاقباً، قال تعالى:

 

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[سورة ق: 22]

 وتنقطع عنهم شهواتهم، قال تعالى:

 

﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾

[سورة سبأ: 54]

 انتهت الشهوات، بيته ومركبته ومكانته ومركزه وأصدقاؤه ورحلاته ومجونه وسهراته وندواته كلها انتهت، قال تعالى:

﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ﴾

[سورة سبأ: 54]

البطولة أن تنجو في الآخرة من عذاب أليم وأن تكون من المقرَّبين :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 في الدنيا والآخرة، نعيم القرب في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾

 جحيم البُعد، لكنّ‍ه يبدو صارخاً يوم القيامة، وقد يكون الفاجر في الدنيا مخدَّراً بلهوه وضلاله، قال تعالى:

 

﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ *وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾

 فالبطولة أن تنجو في الآخرة من عذاب أليم، وأن تكون من المقرَّبين، وأن تكون ممن عرف اللهَ في الوقت المناسب، لأنّ كل الخلق سيعرفون الله عند الموت، ولكنها معرفة لا تغنيهم ولا تنفعهم، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾

 إذا قال تعالى: وما يدرك؟ فلن تعلم عنه شيئاً، أما إذا قال سبحانه: وما أدراك؟ فنحن الآن سندرك وسنعلم، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾

آيات وأحاديث تبين اليوم الآخر حيث تتقطع كل العلاقات :

 هذا اليوم تتقطع فيه كل العلاقات، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 101]

 ذكرت لكم سابقاً أنّ عينَ الأم قد تقع على ابنها يوم القيامة فتقول له: يا بني جعلتُ لك صدري سقاءً، وحِجري غطاء، وبطني وعاء، فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم، فيقول لها ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنتِ منه تشكين، فيوم الدين كما قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾

 يقول عليه الصلاة و السلام في الحديث المروي عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ وَرَدَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُم فَأقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ: سُحْقاً سحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

[مسلم عَنْ أَبِي حَازِمٍ]

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين)َ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

[سورة الزمر: 19]

 فلو أنك التقيت بالنبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا، وبذكاء وطلاقة لسان وقوة بيان انتزعت من فمه الشريف فتوى لصالحك، فلن تنجو من عذاب الله، لقول النبي عليه الصلاة والسلام الذي روتْه أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَـنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ))

[مسلم عن أُمُّ سَلَمَةَ]

 قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾

 وهو العدل الحق.