المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثالث - الفقرة : 2 - بين الفطرة والتكليف

2005-06-13

هذا الموضوعُ تَحْكُمُه الآيةُ الكريمةُ:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم الآية: 30 ]


والإقامةُ أعلى درجةً من النشاطِ، وحنيفًا أي: مائلاً، وهذا يذكّرنا بتعريفِ العبادةِ، إنها طاعةٌ طوعيةٌ، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبيةٍ، فمن أطاعَ الله، ولم يحبّه لم يعبدْه، ومن أحبّه، ولم يطعْه لم يعبدْه، هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

في هذه الآيةِ ملمحٌ رائعٌ، أنْ تقيمَ وجهَك للدينِ حنيفاً هو الأصلُ نفسُه الذي فُطِرَتْ عليه النفسُ البشريةُ، فالإنسانُ مفطورٌ على حبّ العدلِ، وقد أُمِرَ بالعدلِ، مفطورٌ على حبّ الرحمةِ، وقد أُمِرَ أنْ يرحمَ مَن في الأرضِ، فكلُّ أوامرِ اللهِ عز وجل، وكلُّ النواهي التي نُهِينَا عنها متطابقةٌ تطابقاً تامًّا مع فطرةِ الإنسانِ.
فاللهُ عز وجل يقولُ:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

أي: إنّ الإنسانَ مجبولٌ، وبالمصطلحِ الحديثِ مبرمجٌ ومولّفٌ على حبّ الخيرِ، إذاً النفسُ البشريةُ التي فَطَرَها اللهُ عز وجل متطابقةٌ تطابقاً تامًّا مع منهجِ اللهِ، لذلك شيءٌ طبيعيٌّ جداً أنّ الإنسانَ لمجرّدِ أنْ يستقيمَ على أمرِ اللهِ، ويصطلحَ مع الله، لمجرّدِ أنْ يتوبَ إلى اللهِ يشعرُ وكأنّ جبالاً أُزِيحتْ عن كاهِله، لأنه وجدَ نفسَه، لأنه وجدَ مبادئَ فطرتِه، لأنه اصطلحَ مع نفسِه، ولأن هذه النفسَ أصبحتْ نغماً منسجماً مع الكونِ، كانت نغماً شاذًّا، فلمّا اصطلحتْ مع اللهِ عز وجل كان التنسيقُ والانسجامُ.
إنّ الراحةَ النفسيّةَ، والسكينةَ، والسعادةَ هي النتيجةُ الحتميّةُ لمَن أطاعَ ربَّه، فانسجمَ مع فطِرتِه.

إنّ القلقَ والتشاؤمَ والسوداويةَ والكآبةَ والضيقَ هي عقابٌ سريعٌ تعاقِبُ النفسُ به ذاتَها، فأكثرُ الأمراضِ النفسيّةِ مبعثُها مخالفةُ الفطرةِ، ويكادُ مرضُ الكآبةِ يكون أوسعَ الأمراضِ انتشاراً في العالَمِ، لأنّ الإنسانَ عن علمٍ أو عن جهلٍ يخالفُ مبادئَ فطرتِه، فتعذبُّه نفسُه، ولولا أنّ الفطرةَ تحبّ الكمالَ، وتتطلّعُ إليه لمَا عَذَّبَ أحدٌ نفسَه إذا خالفَ الكمالَ، وما من إنسانٍ كائناً مَن كان يخرجُ عن منهجِ اللهِ عز وجل إلا وتعذِّبه نفسُه، ويظهرُ هذا العذابُ بطبعٍ حادٍّ، وبردودِ فعْلِ قاسيةٍ، وبكلماتٍ لا تُحتَمَل، وبضجرٍ وضيقٍ، إنه يعاني من اضطرابٍ داخليٍّ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

(( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ ؟ ))

[ البخاري ( 1292 ) مسلم ( 2658 )، أحمد ( 7181 ) ]

ويقول عليه الصلاةُ والسلامُ في الحديثِ الصحيحِ:

(( إِنّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلّهُم ْ. وَإِنّهُمْ أَتَتْهُمُ الشّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِم ))

[ مسلم ( 2865 )، النسائي ( 8070 ) ]

فالشيطانُ أحياناً يطمسُ الفطرةَ، لذلك الفطرةُ السليمةُ هي المقياسُ، لكنّ الفطرةَ المطموسةَ بالشهواتِ هذه لم تَعُدْ مقياساً صالحاً لتقييمِ أعمالِ الإنسانِ.