المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الأول - الفقرة : 5 - أسباب التقصير في حياة المسلمين

2005-06-04

لو سألَ أحدُنا نفْسَه سؤالاً: لماذا أنا مقصّرٌ ؟ لماذا أقترفُ بعضَ الأخطاءِ ؟ لماذا لستُ على ما ينبغي من الورعِ ؟ نقول له: هناك نقصٌ في معرفةِ اللهِ.
لأنّ الإنسانَ حينما يعرفُ الآمرَ، ثم يعرفُ الأمرَ يتفانى في طاعتِه، لكنه إنْ عرفَ الأمرَ، ولم يعرفِ الآمرَ تفنَّنَ في التفلُّتِ من الأمرِ.

وحينما يعلمُ الإنسانُ أنّ علْمَ اللهِ يطولُه، وأنّ قدْرتَه تطولُه فلابد من أنْ يطبِّقَ أمْرَه أبسطُ مثال، إشارةُ المرورِ الحمراءُ تمنعُ السائقين مِن تجاوزِها، لأنّ علْمَ الشرطةِ يطولُ السائقَ، وقدرتُهم تطولُه عن طريقِ سلطةُ القانونِ.
ولكنْ متى يستطيعُ السائقُ أنْ يتجاوزَ الإشارةَ ؟ في حالتين: عند الساعةِ الثانيةِ ليلاً، حيث لا يطولُه علمُ الشرطةِ، أو لو أنه كان فرضاً أقوى من واضعِ القانونِ، إذ لا تطولُه قدْرتُه.
قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

[ الطلاق: الآية 12 ]

إنّ علّةَ خَلْقَ السماواتِ والأرضِ وما بينهما أنْ يعلمَ الإنسانُ أنّ قدرةَ اللهِ تطولُه، وأنّ علْمَه يطولُه، وعندها لنْ يعصيَه.
لقد هان أمرُ اللهِ على المسلمين فهانوا على اللهِ، ولماذا هانَ أمرُ اللهِ عليهم ؟ لأنهم ما عظّموا اللهَ عز وجل:

 

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

 

[ الحاقة: الآية 30 – 33 ]

كان مؤمناً باللهِ، ولكنه ليس مؤمناً باللهِ العظيمِ.

بين العبادةِ والعلمِ
ثمّةَ أستاذٌ في الجامعةِ له حاجبٌ يعملُ في هذه الجامعةِ منذ ثلاثين عاماً، وكلّما دخلَ هذا الأستاذُ إلى الجامعةِ وقفَ الحاجبُ، ورحّبَ به، ثم جلسَ.
والسؤال: هل تزدادُ معرفةُ الحاجبِ بهذا الأستاذِ طوالَ تلك الأعوامِ ؟!
أمّا الطالبُ الذي يحضرُ المحاضراتِ عند هذا الأستاذِ فإنه تزدادُ معرفتُه بمدرِّسِه كلّما حضرَ عنده درساً .
وكذلك الإنسانُ لو أنه اكتفى بعبادتِه لله زمناً طويلاً، فإنّ مقاوَمته تكون هشّةً، ولا يصمدُ أمام الإغراءِ، و لا أمام الضغوطِ، أمّا المؤمنُ إذا عرفَ اللهَ عز وجل فلا يمكن أنْ تغيِّرَ موقفَه سبائكُ الذهبِ اللامعةُ، ولا سياطُ الجلادين اللاذعةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :

(( فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ))

[ الترمذي ( 2682 )، ابن ماجه ( 222 )، واللفظ له ]