المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – فهرسة الكتاب - الفقرة : 1 - تمهيد

2005-05-29

إنّ الإنسانَ هو المخلوقُ المكلَّفُ بحملِ الأمانةِ، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

 

[ الأحزاب: الآية 72 ]


ومِن الثابتِ أيضاً أنّ الإنسانَ هو المخلوقُ المكرّمُ، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾

 

[ الإسراء: الآية 70 ]


وقال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

 

[ الجاثية: الآية 13]

ومن المؤكّدِ أنّ المسخَّرَ له، وهو الإنسانُ أكرَمُ من كلّ المسخَّراتِ.
والإنسانُ هو المخلوقُ المكلَّفُ بالعبادةِ، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

 

[ الذاريات: الآية 56 ]

والعبادةُ أنْ تعرفَ اللهَ أولاً، وأن تطيعَه ثانياً، وأن تسعدَ بقُربِه ثالثاً، وبعبارةٍ أخرى: في الإسلامِ كلّيّاتٌ ثلاثٌ ؛ كلّيةٌ معرفيّةٌ، و كلّيةٌ سلوكيّةٌ، و كلّيةٌ جماليّةٌ.
الكليّةُ المعرفيّةُ سببُ الكليّةِ السلوكيّةِ، والكليّةُ الجماليّةُ نتيجةُ الكليّةِ السلوكيّةِ، تتعرّفُ إليه، فتطيعُه، فتسعدُ بقُربِه في الدنيا والآخرةِ.
وقد كلّفَنا ربُّنا سبحانه وتعالى أنْ نزكِّيَ أنفسَنا، لأننا إذا عرَّفنا أنفسَنا بربها وحمَلناها على طاعته، والتقرّبِ إليه نكونُ بذلك قد حقّقنا الهدفَ من وجودِنا، لقولِه تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ الأعلى: الآية 14 ]

فالفلاحُ كلّ الفلاحِ، والنجاحُ كلّ النجاحِ، والفوزُ كلّ الفوزِ، والتفوّقُ كلّ التفوّقِ بتزكيةِ النفسِ، لأنّ اللهَ تعالى يقول:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

 

[ الشعراء: الآية 88 – 89 ]

أتى اللهُ بنفسٍ زكيّةٍ طاهرةٍ مِن كلّ دَرَنٍ، نقيّةٍ من كلِّ عيبٍ، بنفسٍ مؤهّلَةٍ أنْ تكونَ في جنةِ اللهِ عز وجل إلى أبدِ الآبدين، فالحياةُ الدنيا حياةٌ إعداديّةٌ لحياةٍ عليا تكريميةٍ، نحن في حياةٍ نكدَحُ فيها كدْحاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾

 

[ الانشقاق: الآية 6 ]

والآخرةُ حياةٌ تكريميّةٌ، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

[ ق: الآية 35 ]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَالَ اللَّهُ:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ:(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) ))

 

[ البخاري ( 3072 )، ومسلم ( 2824 )، والترمذي ( 3197 )، وأحمد ( 9647 ) ]

وما كلّفنا ربّنا بتزكيةِ أنفسِنا، والتعرّفِ إليه، وعبادتِه إلا وقد أعطانا مقوِّماتِ هذه التزكيةِ و المعرفةِ.