المؤلفات - كتاب الهجرة - الفقرة : 07 - سراقة بن مالك المدلجي وسوارا كسرى

1993-07-01

1 ـ سراقة بن مالك يريد أسرَ النبي طمعا في المال:

 إخوة الإيمان في كل مكان، لا زلنا في موضوع الهجرة، بعد أن صعقت قريش حينما علمت أن محمداً صلى الله عليه وسلم خرج من مكة، أعلنت في القبائل أنه من يأتيها بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، فله مائة من كرائم الإبل، وكان سراقة بن مالك فارساً من فرسان قومه المعدودين، طويل القامة عظيم الهامة بصيراً باقتفاء الأثر، صبوراً على أهوال الطريق، فلما سمع بالنوق المائة، اشرأبت إليها أطماعه، واشتد عليها حرصه، فلبس لأمته - أي درعه - وتقلد سلاحه، وامتطى جواده، وطفق يغذُّ السير ليدرك محمداً صلى الله عليه وسلم قبل أن يسبقه أحدٌ إليه، وإلى الجائزة، ومضى يطوي الأرض طياً.

 

2 ـ عصمة الله لنبيّه :

 سراقة بن مالك أدرك محمداً وصاحبه، فمد يده إلى قوسه، فجمدت في مكانها، لأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض - أي تغوص - ويتصاعد الغبار من بين يديها، ويغطي عينيه وعينها، قالتفت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وقال بسوط ضارع: يا هذان، ادعوا لي ربكما ليطلق قوائم فرسي، ولكما علي أن أكف عنكما، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلق الله له قوائم فرسه، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد، فدفع فرسه نحوهما مرةً ثانيةً، فساخت قوائمها أكثر من ذي قبل، فاستغاث بهما مرةً ثانية، وقال إليكما زادي، وإليكما متاعي، وإليكما سلاحي فخذاه، ولكما علي عهد الله، أن أردَّ عنكما من ورائي من الناس، فقالا له، لا حاجة لنا بزادك ومتاعك، ثم دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان ارحم الخلق بالخلق، دعا له ربه مرةً ثانية فانطلقت فرسه.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)﴾

 

( سورة المائدة )

هذه عصمة الله عز وجل.

3 ـ النبيّ يبشِّر سراقة بن مالك بفتح مدائن كسرى:

 ولما همّ سراقة بالانصراف قال له النبي صلى الله عليه وسلم : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى، قال سراقة كسرى بن هرمز صاحب القصر الأبيض في المدائن، قال عليه السلام كسرى بن هرمز ـ وكان من أقوى الأقوياء في عصره ـ ودارت الأيام دورتها فإذا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة طريداً شريداً مستتراً بجنح الظلام مهدوراً دمه يعود إليها سيداً فاتحاً تَحُفُّه الألوف المؤلفة من بيض السيوف، وسمر الرماح، ويأتي سراقة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلن إسلامه بين يديه، ويتراءى له ذلك اليوم الذي هم فيه بقتل محمد صلى الله عليه وسلم من أجل مائة من النوق، وبعد أن أسلم أصبحت نوق الدنيا لا تساوي عنده قلامةً من ظفر النبي صلى الله عليه وسلم.
 ودارت الأيام دورتَها كرةً ثانية وآل أمر المسلمين إلى الفاروق عمر رضوان الله تعالى عليه، وفي ذات يوم من آخر أيام خلافته قَدِم على المدينة رُسُلُ سعد بن أبي وقاص، يبشرون عمر بالفتح، ويحملون إلى بيت مال المسلمين الغنائم، وكان من بين هذه الغنائم تاج كسرى المرصع بالدر، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب، ووشاحه المنظوم بالجوهر، وسواراه، وما لا حصر له من النفائس، نظر عمر إلى هذا كله في دهشة، وجعل يقلبها بقضيب كان بيده زهداً بها، ثم قال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، وكان في حضرته سيدنا علي كرم الله وجهه، قال يا أمير المؤمنين: أعجبت من أمانتهم، لقد عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا، وهنا دعا الفاروقُ عمر سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى، ووضع على رأسه تاجَه، وألبسه سواريه، ثم قال عمر لسراقة: بخٍ بخٍ أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى، وفي يديه سواره، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال الله:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

 

( سورة النور )

 وقال تعالى:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

( سورة مريم )