المؤلفات - كتاب الهجرة - الفقرة : 04 - التوكل والأسباب

1993-06-28

5 ـ استحقاق التأييد الإلهي لا يعني التفريط في استجماع أسبابه:

 أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، وتعلمنا الهجرة ثانياً من خلال الخطة المحكمة التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم، أن استحقاق التأييد الإلهي لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله، لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم لهجرته خطةً محكمةً، حيث كتم تحركه تضليلاً للمطاردين ، واستأجر دليلاً ذا كفاءة عالية، واختار غار ثور الذي يقع جنوب مكة لإبعاد مظنة الوصول إليه، وحدد لكل شخص مهمة أناطها به، فمن واحد لتقصي الأخبار، وآخر لمحو الآثار وثالث لإيصال الزاد، ثم إنه بعد كل ذلك كلف سيدنا عليا كرم الله وجهه أن يرتدي برده، ويتسجى على سريره تمويها على المحاصرين الذين أزمعوا قتله.
 إخوتي المؤمنين، لقد أعد النبي لكل أمرٍ عدتَه، ولم يدعْ مكاناً للحظوظ العمياء، لقد اتخذ الأسباب، وكأنها كل شيء في النجاح، ثم توكل على الله، لأنه لا قيام لشيء إلا بالله، إن هذه التدابير التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم على كثرتها، ودقتها ليست صادرةً عن خوف شخصي، بل كانت طاعة لله عن طريق الأخذ بالقوانين التي قننها الله، وبالسنن التي سنها الله، وتشريعاً لأمته من بعده، ثم إنه في الوقت نفسه لم يعتمد عليها، بدليل أنه كان في غاية الطمأنينة حينما وصل المطاردون إليه، فعَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ:

(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[ متفق عليه ]

(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

 يا أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، حينما فهم المسلمون الأوائل التوكل على الله هذا الفهم الصحيح، وبهذه الطريقة رفرفت راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها، واحتلوا مركزاً قيادياً بين الأمم والشعوب، واليوم إذا أراد المسلمون أن ينتصروا على أعدائهم وما أكثرهم، وأن يستعيدوا دورهم القيادي بين الأمم لينشروا رسالة الإسلام الخالدة، رسالة الحق والخير والسلام، إذا أراد المسلمون ذلك فعليهم أن يستوعبوا جيداً هذا الدرس البليغ الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هجرته، ونحن نحتفل في هذه الأيام بذكرى هجرته صلى الله عليه وسلم.
وملخص القول أن التوكل هو الأخذ بالأسباب من دون الاعتماد عليها، وافتقارٌ إلي تأييد الله، وحفظه، وتوفيقه من دون تقصير في استجماع الوسائل.