المؤلفات - كتاب الإسراء والمعراج - الفقرة : 09 - معجزات الخالق سبحانه في آفاق الكون وفي أعماق أنفسنا

1994-01-08

ـ إذا كان أصل الاعتقاد ضعيفا فلا عبرة بالحديث عن المعجزة:

 أيها الإخوة الكرام، كلمة قصيرة عن حقيقة المعجزة، بادئ ذي بدئ لا معنى للحديث عن المعجزات التي هي خرق للنواميس والعادات، وعن جزئياتها، وعن وقوعها أو توهمها، إذا كان أصل الدين الذي يتلخص في الإيمان بالله، موجوداً، وواحداً، وكاملاً، والإيمان أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وفعال لما يريد، إذا كان هذا الأصل محل إنكار أو شك فلا معنى للحديث عن المعجزات أصلاً، فالناس يخاطبون عادة بأصول الدين، والمؤمنون يخاطبون بفروع الدين، والحديث عن المعجزات من فروع الدين، فإذا كان الأصل مهتزاً فلا جدوى من الحديث عن المعجزات.

 

2 ـ الكون كلّه معجزة:

 ثم إن الكون بمجراته وكازاراته، بكواكبه ومذنباته بالمسافات البينية والسرعات الضوئية بحجوم النجوم وسرعاتها، بدورانها، وتجاذبها، والأرض بجبالها، ووديانها، وسهولها، وقفارها، ببحارها، وبحيراتها، بينابيعها، وأنهارها، بحيواناتها، ونباتاتها، بأسماكها، وأطيارها، بمعادنها، وثرواتها، والإنسان بعقله، وعاطفته، وأعضائه، وأجهزته، بفطرته، وطباعه، بزواجه، وذريته هذه كلها معجزات، وأية معجزات، الكون بسماواته، وأرضه هو في وضعه الراهن من دون خرق لنواميسه، ومن دون خروج عن نظامه، هو في حد ذاته معجزة وأية معجزة، والدليل قوله تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

( سورة آل عمران )

3 ـ جسم الإنسان كلّه معجزة:

أيها الأخ الكريم، جسمك الذي هو أقرب شيء إليك إنه معجزة:
 ـ ففي رأس الإنسان ثلاثمائة ألف شعره لكل شعرة، بصلة ووريد وشريان وعضلة وعصب وغدة دهنية وغدة صبغية، أليست هذه معجزة، في شبكية العين عشر طبقات، في أخراها مائة وأربعون مليون مستقبل للضوء ما بين مخروط وعصية، ويخرج من العين إلى الدماغ عصب بصري يحوي خمس مائة ألف ليف عصبي، ولو درجنا اللون الأخصر مثلاًً ثمان مائة ألف درجة لاستطاعت العين السليمة أن تميز بين درجتين أليست هذه معجزة ؟
 ـ وفي الأذن ما يشبه شبكية العين، وفيها ثلاثون ألف خلية سمعية لنقل أدق الأصوات، وفي الدماغ جهاز يقيس التفاضل الزمني لوصول الصوت إلى كل من الأذنين، وهذا التفاضل يقل عن جزء من ألف وستمائة جزء من الثانية وهو يكشف للإنسان جهة الصوت، أليست هذه معجزة ؟
 ـ وعلى سطح اللسان تسعة آلاف نتوء ذوقي لمعرفة الطعم الحلو والحامض، والمر والمالح، وإن كل حرف ينطقه اللسان يسهم في تكوينه سبع عشرة عضلة، فكم حركة تحرَّكتها عضلات اللسان في خطبة تستغرق ساعة من الزمن، أليست هذه معجزة.
ـ وفي الإنسان مضخة تعمل دون كلل أو ملل، تضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم في اليوم الواحد، وتضخ في العمر المتوسط ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم، إنه القلب أليس القلب معجزة ؟
ـ وفي دماغ الإنسان أربعة عشر مليار خلية قشرية، ومائة مليار خلية استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، بل إن دماغ الإنسان أعقد ما في الإنسان، وهو عاجز عن فهم ذاته أليس الدماغ معجزة ؟
ـ وفي جدار المعدة مليار خلية تفرز من حمض كلور الماء ما يزيد على عدة أمتار في اليوم الواحد، وقد جهد العلماء في حل هذا اللغز، لَمَ لا تهضم المعدة نفسها ؟ أليست المعدة معجزة ؟
ـ وفي الأمعاء ثلاثة آلاف وستمائة زغابة معوية للامتصاص في كل سم مربع وهذه الزغابات تتجدد كلياً في كل ثمان وأربعين ساعة، أليست الأمعاء الدقيقة معجزة وتحت سطح الجلد يوجد حوالي ستة عشرة مليون مكيف لحرارة البدن هي الغدد العرقية، أليست هذه الغدد معجزة، وفي الكبد ثلاث مائة مليار خلية يمكن أن تجدد كلياً خلال أربعة أشهر ووظائف الكبد كثيرة وخطيرة ومدهشة في الإنسان، حيث لا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا كبد أكثر من ثلاث ساعات، أليس الكبد معجزة ؟
ـ وفي الكُليتين مليونا وحدة تصفية طولها مجتمعة مائة كيلومتر يمر فيها الدم في اليوم مرات كثيرة أليست الكلية معجزة ؟
غير أن الإنسان لانهماكه بمشاغله، وغفلته عن خالقه، ولطول إلفته لما حوله ينسى وجه الإعجاز فيما حوله، وعظمة الخالق فيما خلق، فيحسب جهلا منه، وغرورا أن المعجزة هي تلكم التي تفاجئ ما ألفه واعتاده، ثم يمضي هذا الإنسان الجاهل يتخذ مما ألفه، واعتاده مقياساً لإيمانه بالأشياء، أو كفره بها، وهذا جهل عجيب في الإنسان، مهما ارتقى في مدارج المدنية والعلم، تأمل يسير من الإنسان يوضح له بجلاء أن الخالق جل وعلا الذي خلق معجزة هذا الكون كله ليس عسيراً عليه أن يزيد فيه معجزة أخرى، أو أن يبدل، أو أن يغير في بعض أنظمته التي أنشأ العالم عليها.
يقول بعض العلماء الغربيين: القدرة التي خلقت العالم لا تعجز عن حذف شيء منه، أو إضافة شيء إليه، ولو لم يكن هذا العالم موجودا، وقيل لواحد ممن ينكر المعجزات والخوارق: سيوجد عالم كذا وكذا، فإنه سيجيب فوراً: هذا غير معقول، ولا متصور، ويأتي إنكاره هذا أشد بكثير من إنكار بعض المعجزات