المؤلفات - كتاب الإسراء والمعراج - الفقرة : 05 - الصبر على الشدائد

1994-01-04

 فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يبلغنا العقيدة الصحيحة عن الكون، وخالقه، وحقيقته، وعن الحياة، وعن الإنسان، ورسالته، وعن أحكام العبادات والمعاملات، وعن مكارم الأخلاق، كذلك جاء ليبلغ المسلمين عن طريق السلوك العملي، أن ما كلفهم الله به من واجب الصبر والمصابرة يجب أن يكونوا في مستواه، فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾

( سورة آل عمران )

 فكما أن الني صلى الله عليه وسلم علّم الناس بأقواله كذلك علمهم بأفعاله، وكما أنه قال للناس:

 

(( وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ))

 

[ البخاري عن مالك بن الحوريث ]

 و:

 

(( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ ))

 

[ مسلم ]

كذلك قال لهم بلسان حاله: اصبروا كما رأيتموني أصبر، وربما توهم متوهم أن النبي صلى الله عليه وسلم غُلب على أمره في الطائف، وأن الضجر نال منه، لذلك توجه لله بالدعاء والشكوى .
 والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُغلبْ على أمره، ولم يضجر، وإنما استقبل هذه المحن راضياً، وتجرع تلك الشدائد صابراً محتسباً، لأنه كان بوسعه أن ينتقم من الذين آذوه ومن الزعماء الذين أغروا به أولئك السفهاء، والدليل ما رواه الإمام البخاري و مسلم من أن جبريل عليه السلام جاء النبي صلى الله عليه وسلم في قرن الثعالب ( مكان )، فعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ أخرجه البخاري ]

 انظروا أيها الإخوة الكرام، لم يتخل النبي عن قومه قال:

(( قومي ))

 ، ودعا لهم فقال:

(( اللهم اهد قومي ))

 ، واعتذر عنهم، فقال:

(( فإنهم لا يعلمون ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلاً ]

 ورجا أن تكون ذريتهم عابدة لله موحدة، هذه مادة من مواد الامتحان الصعب الذي وُفِق بها النبي عليه الصلاة والسلام، وصدق الله العظيم حينما وصف نبيه الكريم بأنه على خلق عظيم .

 

5 ـ لا تناقض بين الصبر والشكوى إلى الله:

 أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، ليس بين الصبر على الشدائد والتضرع إلى الله تعالى بالشكوى أو الدعاء أيُّ تعارض أو تناقض، فالشكوى إلي الله تعبد، قال تعالى:

 

 

﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾

 

( سورة يوسف )

 والضراعة له والتذلل على بابه عز وجل تلبِس العبد جلباب العبودية، ولقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم في حياته كلا الأمرين، كان بصبره الشديد على المصائب والمحن يعلمنا أن على المسلمين عامة والدعاة خاصة أن يصبروا، وأن يصابروا .