الدرس : 1 - سورة الشمس - تفسير الآيات 1 - 7 آيات دالة على الله سبحانه.

1985-03-22

 الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التناسب بين القسم والمقسم عليه :

 سورة اليوم سورة الشمس، الله سبحانه وتعالى يقول: بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

 أين جواب القسم؟ قد أفلح من زكاها، ما هذا الجواب الذي أقسم الله عز وجل من أجله بـ:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

 المقسم عليه:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

 لا بد من أن يكون هناك تناسب بين القسم والمقسم عليه، هل يُعقل أن تقسم بالله عز وجل لموضوع تافه أو سخيف، أو لموضوع مالي لا يزيد عن قروش، أن تقسم بالله والله وتالله وبالله غير معقول. لا بد من تناسب بين القسم والمقسم عليه، فالله سبحانه وتعالى كما قلت من قبل مرات كثيرة إذا أقسم بالنسبة إلينا وإن لم يقسم فبالنسبة إليه.

الشمس من آيات الله عز وجل :

 قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 هذا المجلس ما كان له أن ينعقد لولا نعمة الشمس لأن الشمس إذا انطفأت أصبحت الأرض قبراً جليدياً للأحياء وانخفضت الحرارة إلى درجة ثلاثمئة وخمسين تحت الصفر، فربنا عز وجل قال في آيات كثيرة عن الشمس:

﴿ وَمِنْ آيَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

[ سورة فصلت: 37]

 معنى من آياته أي علامات دالة على عظمة الله عز وجل، الآية الدليل والآية العلامة، من آيات عظمته عز وجل الشمس:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة فصلت: 37]

 الشمس سبب والله المسبب، فربنا سبحانه وتعالى يقول: ( والشمس ) أي هل فكرتم في هذه الآية؟ وهل وقفتم عندها؟ وهل دققتم فيها؟ وهل تأملتم في ظاهرتها؟

الذي يفكر في الشمس لا بد من أن يعرف الله عز وجل :

 هذا الذي يفكر في الشمس لا بد من أن يعرف الله عز وجل، لأن الناس يفكرون بالدرهم والدينار. فإذا فكرت بالدرهم والدينار فقد تحصل الدنيا أو لا تحصلها، ولكنك إذا فكرت بهذه الآية الدالة على عظمة الله عز وجل فسوف تعرف المسبب من خلال السبب، وسوف تعرف الخالق من خلال المخلوق، وسوف تعرف الله سبحانه وتعالى عن طريق هذه الآية الكبيرة.
 أي الإضاءة التي صنعها الإنسان تكلف باهظاً، إضاءة البيت تحتاج لمئات الليرات في الشهر. وإضاءة شارع طويل قد لا تحتمله نفقات الدولة، وطريق طوله ثلاثمئة كيلومتر لا يُضيء، بل يُضيء طريق قصير، فإضاءة طريق طويل وإضاءة مدينة بأكملها لا يعلم إلا الله كم تستهلك من أجل أن تُضيء، فلو تصورنا أن الشمس لا تشرق كيف يكون حال الأرض؟ إذا أردت أن تعرف الشيء فتصور عدمه واختفاؤه وربنا عز وجل يقول:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 لكن من أجل أن يكون قريباً من أذهانكم، لو أن هناك إلى الشمس طريقا مُعبداً وأنت تركب سيارة سرعتها مئة كيلومتر فلن تصل إلى الشمس قبل مئتي سنة أو أكثر، وهل يستطيع عمر الإنسان أن يوصله إلى الشمس؟ فكم هي المسافة، إذا أطلقنا قذيفة باتجاه الشمس وسارت القذيفة كيلومتراً في الثانية فإن هذه القذيفة سوف تصل بعد سبع سنين وعلى الرغم من هذه المسافة الطويلة فإن أشعة الشمس تبعث الدفء في الجسم بل إنها إذا زادت تصيب الإنسان بمرض قاتل اسمه ضربة الشمس. ما هذه الطاقة التي تختزنها الشمس؟ إن الأرض لا يصيبها من الشمس إلا واحد على ملياري جزء من طاقتها، والله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة ذكر الشمس، ذكر الشمس في اثنتين وثلاثين آية من كتاب الله.

 

الإنسان أحياناً يتعلق بالسبب ويجب أن يتعلق بالمسبب :

 

 ربنا عز وجل في قصة الملكة بلقيس قال الهدهد:

﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ*أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾

[ سورة النمل: 24-25]

 الإنسان أحياناً يتعلق بالسبب ويجب أن يتعلق بالمسبب، ينبغي أن يفكر بالذي خلق الشمس، ربنا قال:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[ سورة لقمان: 29]

 والعلماء قالوا: عمر الشمس خمسمئة مليون سنة وإنها ستستمر - وهذا رجمٌ بالغيب - إلى خمسين ألف مليون سنة قادمة. هذه الشمس تتسع إلى مئة وتسع كرات أرضية أما جوف الشمس فيتســع لمليون وثلاثمئة كرة أرضية، أي أن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة مرة، وبعدها عن الأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلومتر. أما حرارتها على سطحها فتزيد عن ستمئة درجة وأما في أعماقها فتزيد عن عشرين مليون درجة بحيث لو ألقيت الأرض في الشمس لتبخرت في ثانية واحدة، منذ خمسة آلاف مليون سنة وإلى فترة لا يعلمها إلا الله، في علم الله:

﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

[ سورة الأنعام: 96]

بعد الشمس عن الأرض بُعدٌ دقيق وفيه حكمة بالغة :

 هنالك حسابات دقيقة لو أنها ابتعدت لبردت الأرض، ولو أنها اقتربت لاحترقت، ولو أنها اقتربت لذابـت الكتل الثلجية في القطبين ولارتفع مستوى البحر تسعين متراً فغمر معظم المدن الساحلية وما حولها من تلال. إذاً بعد الشمس عن الأرض بُعدٌ دقيق وفيه حكمة بالغة.

﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

[ سورة يس: 40]

 فربنا عز وجل، هذه الشمس التي سخرها الله لنا، هذه الكرة الهائلة من الغاز، وحتى تعرفوا كيف تصدر هذه الطاقة المستمرة؟ يجري فيها تفاعل كتفاعل القنبلة الهيدروجينية تماماً تفاعل مستمر يعطي هذه الطاقة ألسنة من اللهب تزيد عن نصف مليون كيلومتر، أي نصف مليون كيلومتر طول بعض ألسنة اللهب التي تصدر من الشمس، وهناك صور حقيقية لهذه الألسنة في حالة الكسوف الكامل، وربنا عز وجل يقول:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 في كل يوم تفقد الشمس من كتلتها ثلاثمئة وستين ألف مليون طن، من يعوض هذه الكتلة المفقودة؟ الله سبحانه وتعالى. فالشمس تنشر طاقة في الثانية الواحدة تعادل إحراق أكثر من مليون طن من الفحم الحجر، ذلكم الله رب العالمين، ذلكم الله القوي القدير العليم، إذا وقف إنسان فرضاً على سطح الشمس وكان وزنه على الأرض خمسة وستين كيلو غراماً لصار وزنه ألفاً وسبعمئة كيلو غراماً لتفاوت الجاذبية، وكما قلت قبل قليل لو انطفأت الشمس لأصبحت الأرض قبراً جليدياً ولهبطت الحرارة إلى ثلاثمئة وخمسين تحت الصفر.

يجب ألا يكون عمل الإنسان قبراً له :

 عندما يقول ربنا عز وجل:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 أي يا عبادي فكروا في هذه الآية ودققوا فيها وتأملوا، ولا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن آيات الله. فلا يك عمل الإنسان قبراً له، ولا تك شهوة الإنسان قبراً له.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

[ سورة فاطر: 22]

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة يونس: 101]

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ*وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 105-106]

ربنا عز وجل جعل الكون تجسيداً لأسمائه :

 ومع ذلك فالشمس نجم متوسط، فهنالك نجوم تكبرها بآلاف المرات ولكن لبعدها الشديد تُرى نجوماً صغيرة متألقة، وما شمسنا إلا نجم متوسط، ولا تنسوا أن في مجرتنا أكثر من ألف مليون نجم، وفي الكون رقم تقديري حديث أكثر من مليون ملْيون مجرة.
 الشمس تبدو كبيرة لقربها منا، فربنا عز وجل جعل الكون تجسيداً لأسمائه، اسم العليم يتضح من الشمس، واسم الحكيم، واسم القدير، واسم المعطي، يتضح من الشمس، قد يرتفع سعر البيت خمسون ألفاً إذا كانت تدخله الشمس، فهذا المبلغ الذي دفعه صاحب البيت ثمن ماذا؟ إنه ثمن أشعة الشمس، وشيء ثمين جداً أن تبعث الدفء، وتبعث الحرارة، وتطهر، وتعقم، وينتظم الكون، وتعرف الأوقات، وقد كتب أمير الشعراء أحمد شوقي مقالة عن الشمس فقال: سلِ الشمس من رفعها ناراً ونصبها مناراً وضربها ديناراً ومن علقها في الجو ساعة يدب عقرباها إلى قيام الساعة؟ ومن الذي آتاها معراجها وهداها أدراجها وأحلها أبراجها ونقل في سماء الدنيا سراجها؟ الزمن هي سبب حصوله ومشعب أصوله وفروعه وكتابه بأجزائه وفصوله، ولد على ظهرها، فلولا الشمس لما عرفنا الزمان، ولعب في حجرها وشَابَ في طاعتها، فلولاها لما اتسقت أيامه ولما انتظمت شهوره وأعوامه ولا اختلف نوره وظلامه.
 عندما يقول ربنا عز وجل: (والشمس)، أي يا عبادي يجب أن يكون لكم جلسات تتفكرون فيها بالشمس، هذه الآية الكبرى الدالة على عظمة الله.

كلمة ضحاها تعني شيئين :

 قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 قال بعض المفسرين: (وضحاها) قَسَمٌ ثانٍ، الشمس آية، وضحاها آية ثانية، فكلمة ضحاها تعني شيئين:

1 ـ الأرض تدور حول نفسها ولولا دورانها حول نفسها لما ظهرت الشمس :

 تعني أن الأرض تدور حول نفسها ولولا دورانها حول نفسها لما ظهرت الشمس لأن ضحى بمعنى ظهر.

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 فلو أن الأرض واقفة فالذين في الطرف الآخر لا يرون ضحاها فهي ليست آية لهم، ولكن الأرض تدور وبدورانها تظهر الشمس بشكل يومي، ولكن هذا الدوران بمحور مائل، فلو أن محور الأرض موازٍ لمستوى دوران الأرض حول الشمس لكان وقوفها لدورانها، إن دارت هكذا الأرض والشمس من هنا فالطرف الذي لا يقابل الشمس يبقى مظلماً لسبب الدوران وحده ولكن الدوران مع محور، لو أن المحور هكذا قائمٌ على مستوى الدوران لكان هذا المكان صيفاً إلى أبد الآبدين ولكان هذا المكان شتاءً أو خريفاً وهذا المكان شتاءً إلى أبد الآبدين، لتثبت الفصول، دوران وميل محور لدرجة دقيقة بحيث تتبدل الفصول ولو أن المحور مائل لهذه الدرجة الدقيقة ثلاث وثلاثون درجة، والأرض لا تدور حول الشمس لبقيت الفصول ثابتة.

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 إذاً من دورة الأرض حول الشمس ومن دورتها حول نفسها ومن ميل محورها كان هذا الذي ترون أنه صيفٌ، وشتاءٌ، وربيعٌ، وخريفٌ. يأتي الشتاء فيأتي الربيع ثم يأتي الصيف، ويأتي الصيف فيأتي الخريف وبعده الشتاء.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190]

 هناك أيام يكون الليل طويلاً وأيام يكون الليل قصيراً وهي من آيات الله عز وجل. فـ (الشمس وضحاها) معنى (ضحاها) أن دورة الأرض حول نفسها وحول محور مائل ودورتها حول الشمس هي التي تسبب الليل والنهار المختلفيـن والفصول الأربعة الجوالة.

 

2 ـالشمس تَظهر عن طريق دورة الأرض حول نفسها وهي نفسها تُظهر حقيقة الأشياء:

 قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 المعنى الآخر أن الشمس تظهر عن طريق الأرض، والشمس تُظهر الأشياء، فلو ذهبت إلى بلدة ووصلتها ليلاً ودخلت أحد فنادقها وكان في الغرفة نافذة تُطل على منطقة واسعة جداً في الليل ماذا ترى؟ هل ترى الجبال الخضر؟ وهل ترى السهول؟ وهل ترى القرى القابعة على سفوح الجبال؟ كل هذا لا تراه في الليل ولكن تراه في النهار، فالشمس تَظهر عن طريق دورة الأرض حول نفسها وهي نفسها تُظهر حقيقة الأشياء، إذ لا تتضح الأمور إلا في النهار. ولا تعرف حقيقة اللون إلا تحت ضوء الشمس، فكثير ممن يشترون القماش يعرفونه تحت ضوء الشمس حتى يتأكد من لونه الصحيح.

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 فالشمس آية وضحاها آية ثانية.

الطريق الوحيد الموصل إلى الله أن تفكر بآياته والطريق الآخر طريق الجهل :

 ربنا عز وجل قال:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 6]

 ولا يوجد طريق آخر، الطريق الوحيد الموصل إلى الله عز وجل أن تفكر بآيات الله والطريق الآخر طريق الجهل.

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾

 تغيب الشمس في الأيام البيض من الغرب، فإذا القمر في الشرق يتلوها بحجم كبير وبدرٍ وسيم يطلع فيضيء بما يعادل واحد على ثماني عشرة مرة من إضاءة الشمس، (والقمر إذا تلاها) في الشروق أي إذا ناب عنها في الليل كان ضوءه لطيفاً يفيد ولا يؤذي، إذ يرى المار طريقه ولا يتأذى من شدة الإضاءة لأن الليل سكنٌ.

الشمس والقمر أداتان للحساب وتقويمان يشيران للساعة واليوم :

 شيء آخر إذا كانت الشمس ساعة يومية، فالقمر تقويم شهري، والجميع يقول: الشمس أشرقت، الشمس علت. فالآن ضحى، والآن اقترب وقت الظهيرة. وقاربنا من أذان العصر. اقتربت من المغيب، والشمس ساعة سَاعة في كبد السماء، والقمر تقويم شهري كذلك في كبد السماء، الشمس والقمر أداتان للحساب وتقويمان يشيران للساعة واليوم:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾

 لولا القمر لصار النهار ساعتين، ولولا القمر لدارت الأرض حول نفسها في أربع ساعات، فالقمر له علاقة بالمد والجزر، ولو اقترب القمر أكثر من هذا لتضاعف المد والجزر ستين ضعفاً أي إلى مسافة ألف ومئتي متر، كل هذه الأماكن يغمرها في ساعات معينة وينحسر عنها في ساعات ثانية ولكن الشمس والقمر بحسبان.
 بعد القمر عن الأرض يجعل المد والجزر لا يزيد عن عشرين متراً، والمد والجزر له فوائد كبيرة في الملاحة ولا يزال الإنسان عاجزاً عن فهم الفائدة الكبرى للقمر، وكلما تقدم العلم يكشف بعض الفوائد، أما القمر فآية كبرى من آيات الله، وحينما صعد على سطحه رواد الفضاء وجدوا تربة القمر تشبه الزجاج إنها تربة رمادية عاكسة، فهذا القمر البدر الجميل بفضل هذه التربة التي صنعت خصيصاً ليكون مصباحاً عاكساً للأرض.

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾

 في المرتبة، وفي الإضاءة، وفي الدوران، وفي الحركة.

 

الحكمة من أنالله عز وجل ثبت إشراق الشمس ولم يثبت هطول المطر :

 

 قال تعالى:

﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴾

 معنى تجلت: ظهرت. ما الذي أظهرها؟ أنك على سطح الأرض، والأرض دارت فأصبح مقابلاً لها، وهذه لها علاقة بالضحى، ولولا أنك تدور على سطح الأرض لما رأيت الشمس:

﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴾

 النهار يُظهر أشعة الشمس ونستفيد منها. ولم يسمع أحد في حياته أن الشمس في أحد الأيام لم تشرق؟ ليس هناك دعاء شروق الشمس، فالله عز وجل ثبتها فلا يقلق الإنسان على شيء، فالله عز وجل هو الذي خلق الخلق، وكان بالإمكان أن تكون كمية الأمطار ثابتة طوال آلاف القرون- أي منطقة الشام مثلاً كمية الأمطار فيها تقدر بألفي ميليمتر- كيف أن الشمس تشرق كل يوم، كل يوم من دون قلق، فالله عز وجل ثبت إشراق الشمس ولم يثبت هطول المطر كي يكون العباد على صلة بالله عز وجل، ولو أنه لم يثبت شروق الشمس لأصبحت الحياة فوضى، فاليوم أشرقت واليوم ما أشرقت، واليوم عطلة فجائية لعدم شروق الشمس، إن هذا شيء مستحيل. ربنا عز وجل لحكمة بالغة ثبت شروق الشمس ولم يثبت هطول المطر من أجل أن يكون للعباد سببٌ للدعاء: اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، إذاً عندما يعطي ربنا عز وجل فهو القدير، ولما خلق الإنسان خلقه لحكمة بالغة كما أنه ثبت شروق الشمس وكان بالإمكان أن يخلق الإنسان بلا مرض إطلاقاً، فلماذا المرض إذاً؟ من أجل أن يكون هنالك اتصال وثيق بين العبد وربه:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28]

 ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، وخلقه ضعيفاً، وخلقه هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً، وخلقه من عجل.

النهار والليل من آيات الله :

 قال تعالى:

﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾

 تكون الأرض مشرقة والجبال واضحة وكل شيء متألق ظاهر وصارخ يأتي الليل فيغشى كل هذه الأشياء:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾

 إذا غطاها، فأين الشمس؟ قال عليه الصلاة والسلام: يا سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل؟ يكون الإنسان في منطقة جميلة جبال ووديان ومناظر رائعة فتغيب الشمس فكل هذه المناظر غابت وانمحت وانسدلت ولم يبقَ منها شيء، فينام الإنسان في الليل وتضيق نفسه، ثم يصير في أُنس، سر في غابة ليلاً تخف وسر فيها نهاراً تطمئن، واصعد جبلاً ليلاً تخف واصعد نهاراً تطمئن. فالنهار والليل من آيات الله.

﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾

نظام التجاذب وحده أعظم دليل على عظمة الله :

 قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾

 بعض العلماء قالوا: هذه الـ (ما) بمعنى والسماء ومن بناها؟ هل سألت هذا السؤال؟ هل فكرت في خالق الكون؟ السماء أوسع، والشمس نجم، والقمر كوكب، والأرض كوكب، أما السماء ففيها مليون ملْيون مجرة، وفيها نظام رائع جداً؛ نظام التجاذب، والآن إذا سألنا أستاذ رياضيات مثلاً عن كتلتين مغناطيسيتين متساويتين حجماً إذا أردنا أن نضع كرة حديدية في مكان بينهما بحيث لا تنجذب هذه الكرة لا إلى هذه الكتلة ولا إلى هذه الكتلة طبعاً سيأخذ خطاً بينهما ويأخذ منتصفه على مستوى الميليمترات وقد يكون على مستوى أعشار الميليمتر، فلو وضعت في مسافة أقرب نصف ملم لانجذبت إلى إحدى الكتلتين، ولو أتينا بثلاث كتل بحيث تشكل هذه الكتل مثلثاً متساوي الأضلاع فأين المكان الذي ينبغي أن توضع الكرة الحديدية بحيث لا تنجذب هذه الكتلة لا إلى هذه الكتلة ولا إلى تلك؟ نأخذ منصفة الزوايا، مركز تقاطع منصفات الزوايا فهنا تستقر الكرة، وإلى الآن القضية سهلة، فإذا كان هذا المثلث مختلف الأضلاع فسوف تحتاج إلى حسابات صعبة جداً، وقد لا تهتدي إلى مكان استقرار الكرة، فإذا كان المثلث مختلف الأضلاع والكتل مختلفة الحجم فصار الحساب أصعب بكثير، فإذا كان بعض هذه الكتل متحركة، فالحساب مستحيل. وإذا كان هناك ألف كتلة وكل كتلة لها حركة مستقلة عن الثانية ولها مدار وعليك أن تحقق استقراراً بين كل هذه الكتل، فهذا لا يستطيعه بشر ولكن هذه المجرات؛ المليون مليون مجرة وفي كل مجرة عشرة آلاف مليون نجم، وكل هذه النجوم متفاوتة بالحجم مختلفة بالمسافات، وكلها متحركة والمحصلة استقرار.

﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

[ سورة يس: 40]

﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾

 هذه عظمة الله عز وجل، نظام التجاذب وحده أعظم دليل على عظمة الله.

التجاذب يتبدل بحسب الكتل ويتبدل بحسب المسافات :

 كما تعلمون فإن التجاذب متعلق بالمسافة أي بمربع المسافة والكتلة، وكلما كبرت الكتلة ازدادت الجاذبية، فالإنسان على الأرض وزنه ستون كيلو غراماً وعلى القمر وزنه عشرة كيلوغرامات، فالقمر أصغر، فأنت كتلة والقمر كتلة، وعلى الشمس وزنه ألف وسبعمئة كيلو غراماً، فالتجاذب يتبدل بحسب الكتل ويتبدل بحسب المسافات.
 الأرض تدور حول الشمس، والمدار بيضوي ومعنى بيضوي أي للشكل البيضوي مركزان، أي هناك قطر أقصى وقطر أدنى فإذا وصلت الأرض للمسافة الدنيا، فلو أنها حافظت على سرعتها، فالمسافة بينها وبين الشمس قلت، إذاً التجاذب ربما انجذبت الأرض إلى الشمس وارتطمت بها وانتهت الحياة. فأين حكمة الله عز وجل؟ فالله عز وجل في هذه المنطقة التي تصغر فيها المسافة بين الأرض والشمس تزداد سرعة الأرض لينشأ من هذه الزيادة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة وبهذا تستقر الأرض في مسارها حول الشمس، والمسار ليس دائرياً بل بيضوياً، والحكمة الثالثة أن الله سبحانه وتعالى لو رفع هذه السرعة فجأة لتهدم كل شيء على سطح الأرض، تقول هنا كانت مدينة اسمها باريس، فلو أن هذه السرعة ازدادت أو ارتفعت فجأة، فلما قال عز وجل:

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة يونس: 24]

 العملية لا تكلف أكثر من ازدياد السرعة فجأة كل شيء على سطح الأرض يُهدم.

الكون وما فيه من آيات الله الدالة على عظمته :

 قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾

 أي من بناها؟ من بنى هذا البناء؟ من جعل هذا النظام؟ من أجل مطار صغير لا بد من خبراء ومهندسين وتسيير للطائرات لئلا ترتطم طائرتان مع بعضهما، ولكل طائرة خط، مطار صغير لولا وجود قيادة موحدة وأوامر مركزية لحدث تصادم بين الطائرات، وهذا الكون المليء بالنجوم والمجرات، ألا يحدث فيه تصادم واحد؟

﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

[ سورة يس: 40]

 إذاً:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾

 بمعنى من بناها؟ وهناك معنى آخر؛ ( ما) مصدرية، والسماء وهذا البناء الرائع الذي بنيت على أساسه، أي والسماء وبنائها، هذا البناء المحكم المطلق على إطلاقه وبنائه القوي، وهنالك منطقة في الفضاء اسمها الثقوب السود، من منكم يصدق أن الأرض بأكملها لو دخلت إلى هذا الثقب لأصبحت كالبيضة، الأرض بأكملها تُضغط وتزول كل الفراغات البينة بين ذراعها وتصبح الأرض كالبيضة وهي بوزنها الحقيقي، تصور بيضة وزنها كوزن الأرض، ما هذه القوة؟ مع أن متراً مربعاً من الماء حتى هذه الساعة لا يستطيع بنو البشر ضغطه لو وضعت فوق هذا الماء ألف مليون طن لا يُمكن ضغطه ولا ميلي واحد.
 الماء السائل العذب الفرات الماء لا ينضغط وإذا أراد أن يتمدد لا يستطيع أقسى معدن أن يحول بينه وبين تمدده، ضعه بأقسى أنواع الفولاذ وجمده داخل الفولاذ يتشقق الفولاذ، فإذا دخلت الأرض في هذا الثقب الأسود ما هذه القوى الهائلة في هذا الثقب؟ إنها تصبح كالبيضة بوزنها الحقيقي، (والسماء وما بناها) ما هذا البناء العظيم؟

الأرض وما فيها من آيات الله الدالة على عظمته :

 قال تعالى:

﴿ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾

 من جعلها ممددة؟ ومن جعلها منبسطة؟ ومن جعل فيها تربة؟ ولو أننا وصلنا إلى أرض صخرية هل تستقيم حياتنا إن كانت الأرض صخرية؟ ماذا نأكل؟ ومن جعل سطح الأرض تربة؟ يوجد أماكن في العالم قليلة الأرض صخرية، وهنالك في منطقة قبل حلب كلها صخر، ومنطقة في الجنوب بالمحافظات الجنوبية كلها صخور لا تربة فيها.

﴿ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾

 من جعلها ممهدة؟ ومن جعلها منبسطة؟ ومن جعلها صالحة للزراعة؟ ومن جعل الطبقة الكتيمة في الأسفل والطبقة النفوذة في الأعلى؟ فلو أن الكتيمة في الأعلى والنفوذة في الأسفل لما كانت هنالك ينابيع، لكن ربنا عز وجل مثلاً يقول لك: ليبيا تعيش على بحر من الماء العذب، والله عز وجل هذه الطبقات نفوذة وجعل تحت الطبقات النفوذة طبقات كتيمة فجمعت الماء.

﴿ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾

 من هيأها؟ ومن رتبها؟ ومن نظمها؟ ومن مهد لك الحياة فيها؟ ومن جعل الينابيع والأنهار الوديان؟ وهذه تربة كلسية تنبت فيها نباتات معينة، وهذه تربة الحديد فيها مرتفع يصلح لبعض أنواع الفاكهة. من نوّع التربة؟ نوعها في البنية، ونوعها في العمق، ونوعها في الإرواء:

﴿ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾

النفس الإنسانية لها قوانين :

 قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

 فكلمة ( ما ) تصلح من طحاها والأرض وطحيها، ونفس ومن سواها والنفس وتسويتها، أي سترى شيئين؛ التسوية والمسوي، التسوية مع المسوي والبناء مع الباني.

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

 هذه النفس تخاف وتتعرف إلى الله كي تطمئن، من جعل هذه النفس تمرض ولأنها تمرض تتعرف إلى الله فتطمئن؟ من جعل هذه النفس تحب من أحسن إليها؟

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]

 من جعلها تحب التملك كي تحافظ على مكتسباتها؟ فالنفس الإنسانية لها قوانين: تحب السلامة، وهذا دافع كبير كي تنجو من عذاب الله، وتحب السعادة فهذا دافع آخر، وتحب من أُحسن إليها وهذا دافع ثالث، تخاف:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[سورة المعارج: 19]

 ضعيفة تحب أن تكون في حماية القوي، فالنفس غير بنية الجسم وغير الأجهزة، والجهاز العصبي والعظمي والقلب والأوردة والشرايين والرئتان والأمعاء وجهاز الهضم والغدد الصماء والدماغ والعضلات غير هذا البناء المحكم وغير ما قيل في الدرس الماضي.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[سورة البلد: 8]

 النفس لها قوانين فالنفس البشرية تخاف وترجو وتطمع وتحب وتكره وتستعطف.

التسوية كمال الخلق :

 قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

 معنى سواها أي جعلها على أكمل وجه، ففي درس سابق قبل شهر على ما أذكر:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

[سورة الأعلى: 1-2]

 ضربت وقتها مثلاً كراج سيارة قد يكون بناؤه متقناً وقد يكون أضيق من عرضها فهو غير سوي، وقد يكون على عرضها تماماً فلا يستطيع السائق أن يفتح الباب ويخرج من السيارة، فما معنى كراج؟ أي سوي تسعني أبعاده وعمقه وارتفاعه والرصيف والباب فكله مسوى كي يكون مكاناً لهذه السيارة، فالتسوية كمال الخلق:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

 أي ربنا عز وجل جعل هذا المفصل ولولا هذا المفصل لاضطر الإنسان أن يضع الصحن على الأرض وأن يأكل منه بلسانه كالقطة ولا يوجد طريقة ثانية:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

 لك مفصل، ولك أصابع، ولك إبهام، ولك عينان وأذنان وأنف ولسان وفم، (ونفس وما سواها) كلمة نفس تعني بناء الجسم وتعني قوانين النفس، فمن أودع في الإنسان هذا الفكر؟ الإنسان لا يفهم شيئاً من دون سبب وهذا مبدأ السببية في الفكر، ولا يفهم شيئاً من دون غاية، من له تعامل مع الآلات لو رأى ظاهرة في الآلة لا يفهمها إلى أن يعرف غايتها، في الفكر نجد مبدأ السببية مبدأ عدم التناقض ومبدأ الغائية، فمن أودع هذا الفكر، وهذه الأنظمة، وهذه القوانين؟

الله عز وجل ألهم الإنسان عن طريق الملائكة أن هذا العمل فجور وأن هذا العمل تقوى:

 قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

 أروع تفسير لهذه الآية: أن الله عز وجل ألهم الإنسان عن طريق الملائكة أن هذا العمل فجور، وأن هذا العمل تقوى، فعندما يسير الإنسان في الطريق الصحيح ترتاح نفسه، وينشرح صدره، ويطمئن قلبه، ويتوازن، ويُسرَ، ويتفاءل، ويسعد، ألهمها تقواها.
 فإذا انحرف شعر بالضيق وشعر بنداء ملائكي: يا عبد الله:لا تفعل، إياك أن تفعل إذا كانت أذنه صحيحة تسمع النداء، وإذا كانت أذنه غير صحيحة يحس بضيق وانقباض، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

 أي إذا فجرت عرّفها بأنه فجور، إما من ضيق النفس أو من الإلهام، وإذا اتقت عرفها بتقواها، فالقسم الإلهي بـ:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

 جاء الجواب:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

 فالفالح أو الذكي أو المتفوق أو الذي ينجو أو العالي في نظر الناس الذي زكى نفسه وهذا هو الذكاء.

الذكاء والفلاح والنجاح والتفوق هو أن تزكي نفسك :

 قال تعالى:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 26 ]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 61 ]

 بماذا أثنى الله على نبيه الكريم؟ بالخلق العظيم:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 26 ]

 فالذكاء والفلاح والنجاح والتفوق هو أن تزكي نفسك لأنك إذا زكيت نفسك عشت في رحاب الله إلى أبد الآبدين، في سعادة لا توصف في مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهناك دفعات على الحساب في الدنيا سرور وطمأنينة وتفوق في الأعمال:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46 ]

 فالذي يزكي نفسه أي يؤهلها لدخول الجنة، والجنة ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر، هكذا قال عليه الصلاة والسلام. فالدنيا بكل ما فيها من جمال طبيعي ومن مال ومن مباهج ومن عز ومن غنى ومن طعام لذيذ ومن شيء تتوق إليه النفس وكل ما فيها لا يعادل أن يغمس مخيط في مياه البحر فبمَ يرجع؟!

متاع الدنيا ومتاع الآخرة كما ورد في القرآن الكريم :

 لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

 آية ثانية:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 77 ]

 آية ثالثة:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 61 ]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 17 ]

الله تعالى لا يعطي الآخرة إلا لأحبابه :

 ولذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 70-71 ]

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة القصص: 14]

 هذا عطاء الله الكبير:

 

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[ سورة البقرة: 269]

 وإن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، قد يعطيها لأعدائه وقد يعطيها لمن لا يطيعه، ولكن الآخرة لا يعطيها إلا لأحبابه:

 

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[ سورة البقرة: 269]

أمراض تفتك بالنفس فتجعل الحياة جحيماً وتجعل الجنة مستحيلة عليها :

 قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 14 ]

 التزكية لها بحث طويل إن شاء الله أوسعُ فيها في الدرس القادم، كيف يزكي الإنسان نفسه وكيف يتخلص من أمراضه النفسية؟ من الكبر ومن الأثرة ومن حب الذات والحسد والاستعلاء والحقد والبغضاء، وهذه الأمراض التي تفتك في النفس فتجعل الحياة جحيماً وتجعل الجنة مستحيلة عليها:

((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))

[مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 ولذلك:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ ﴾

[ سورة الشعراء: 88]

 فلو ترك إنسان ألف مليون وثمانية أولاد أطباء:

 

﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء: 89]

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلا﴾

[ سورة الكهف: 46]

من زكى نفسه يُعد فالحاً وذكياً وناجحاً :

 إذا الإنسان تفقه بمعنى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 14 ]

 والله الذي لا إله إلا هو لو أن إنساناً فهم هذه الآية وصدقها لحلت كل مشكلاته ولسعد في الدنيا والآخرة، فالإنسان قد يرى الفلاح في جمع المال، وقد يرى الفلاح في النزهات مثلاً، وفي الاستمتاع بالمتع الدنيوية، وبأن يكون رفيع الشأن في الدنيا، هكذا قد يرى الفلاح ولكن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 14 ]

 الذي نجح والذي ارتقى والذي يُعد فالحاً وذكياً وناجحاً هو من زكى نفسه:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون ]

 إذاً:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

 هذا هو المقسم عليه:

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

 فإذا كانت الآيات في نظرك عظيمة فجواب هذا القسم أن تزكي نفسك، كيف؟ وما الطريق؟ وما السبب؟ وما الوسيلة؟ هذا ما سيشرح في درس قادم إن شاء الله تعالى.