المؤلفات - كتاب الإسراء والمعراج - الفقرة : 01 - المعجزة خرق لنواميس الكون

1993-12-31

مقدمة: نظام السببية:

1 ـ نظام السببية تلازمُ شيئين وجوداً وعدماً:

 أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، إن الله جل جلاله خلق الكون بسماواته وأرضه، وخلق العوالم، وعلى رأسها الإنسان وفق أنظمة بالغة الدقة، ومن أبرز هذه الأنظمة نظام السببية، وهو تلازم شيئين وجوداً وانعداماً، أحدهما قبل الآخر، فنسمي الأول سبباً، ونسمي الثاني نتيجة، ومما يكمل هذا النظام الرائع أن العقل البشري يقوم على مبدأ السببية، أي أن العقل لا يفهم حدثا من دون محدث.
 ومن رحمة الله بنا أن هذا النظام في الكون، وذاك المبدأ في العقل يقودنا برفق إلى معرفة الله مسبب الأسباب، الأقدام تدل على المسير، والماء يدل على الغدير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟

2 ـ ثبات الأشياء حاصلٌ بتلازم الأسباب مع النتائج:

 ومن رحمة الله بنا أيضا أن تلازم الأسباب مع النتائج يضفي على الكون طابع الثبات، ويمهد الطريق لاكتشاف القوانين، ويعطي الأشياء خصائصها الثابتة ليسهل التعامل معها، ولو لم تكن الأسباب متلازمة مع النتائج، ولو لم تكن النتائج بقدر الأسباب لأخذ الكون طابع الفوضى العبثية، ولتاه الإنسان في سبل المعرفة، ولم ينتفع بعقله.

3 ـ حقيقة اتخاذ الأسباب:

 لكن، أقول: لكن، استدراكا، لكن من اعتقد أن الأسباب وحدها تخلق النتائج، ثم اعتمد على الأسباب وحدها فقد أشرك، لذلك يتفضل الله على هذا الإنسان الذي وقع بالشرك الخفي فيؤدبه بتعطيل فاعلية الأسباب التي اعتمد عليها، فيفاجئ بنتائج غير متوقعة، ومن ترك الأخذ بالأسباب متوكلاً في زعمه على الله فقد عصى، لأنه لم يعبأ بهذا النظام الذي ينتظم الكون، ولأنه طمع بغير حق أن يخرق الله له هذه السنن.
 أما المؤمن الصادق فيأخذ بالأسباب من دون أن يعتقد أنها تصنع النتائج، وبالتالي من دون أن يعتمد عليها، يأخذ بها، وكأنها كل شيء، ويعتمد على الله صانع كل شيء معتقداً أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الأسباب وحدها لا تقود إلى النتائج إلا بمشيئة الله، وهذا التوحيد الإيجابي الذي يغيب عن كثير من المؤمنين فضلاً عن غير المؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾

( سورة يوسف )

 قال بعض المفسرين هذا هو الشرك الخفي.

 

4 ـ خرقُ نظام السببية:

 

 ولكنْ يا أيها الإخوة المؤمنون، لكنَّ هذا النظام نظام السببية يخرق أحيانا متى وكيف ؟ حينما يأتي إنسان، ويقول: إنه رسول من عند الله، جاء ليبلغ منهج الله، فلابد أن يطالبه الناس ببرهان، على أنه رسول الله، وعلى أن الكتاب الذي جاء به هو من عند الله، وهنا تأتي المعجزة لتكون برهاناً على صدق إرسال النبي، ومصداقية منهجه.
 والمعجزة أيها الإخوة في بعض تعاريفها خرق لنواميس الكون ولقوانينه، ولا يستطيعها إلا خالق الكون، لأنه هو الذي وضع القوانين والنواميس، يعطيها لرسله لتكون برهاناً على صدقهم في إرسالهم، وصدقهم في إبلاغهم عن ربهم، والمعجزة ممكنة عقلاً غير مألوفة عادة، فهناك فرق بين أن يحكم العقل على شيء باستحالته، وبين أن يعلن عجزه عن فهم هذا الشيء، فعدم العلم بشيء ليس علماً بعدم ذلك الشيء