الدرس : 2 - سورة الغاشية - تفسير الآيات17-20 الإنسان مُكَلَّف أنْ يتعرَّف إلى الله بالكون.

1985-01-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

هناك علاقة وارْتِباط بين آيات كُلِّ سورة :

 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

 أمر، ما علاقة هذه الآية بِتِلْكَ الآيات من قوله تعالى:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ*وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ*عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ*تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً*تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ*لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ*لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ*وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ*لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ*فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ*لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً*فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ*فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ*وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴾

 الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة هود: 1]

 ما معنى أُحْكِمَت آياته؟ أيْ تعلَّقَ بعْضُها بِبَعْض، هناك علاقة وارْتِباط بين آيات كُلِّ سورة.

العلاقَة المُحْكَمَة بين المقْطع الأوَّل والثاني من السورة التالية وبين مقْطَعِها الأخير :

 ما العلاقة بين هذه الآيات الكَوْنِيَّة في قوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

 وبين الوُجوه الخاشِعة، والوُجوه الناعمة؟ الحقيقة أنَّ الله تبارك وتعالى إذا وَصَفَ لنا أهْلَ الجَنَّة ثمَّ وَصَفَ لنا أهْلَ النار، أوْ العكس، ما الذي يُجْزي من ذلك إنْ لم يُبَيِّن لنا طريق النار وطريق الفوز بالجنَّة؟ بعد أنْ وصَفَ عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنَّة، بَيَّن الله سُبْحانه وتعالى طريق النجاة من عذاب النار والفَوْز بِنَعيم الجَنَّة، كيفَ؟ الإيمان أساسُ الاستقامة والإخْلاص والعمل الصالح، سُئل عليه الصلاة والسلام: ماذا يُنَجِّي العبْد يوم القِيامة؟ قال: الإيمان بالله والعمل الصالح، فهو أساس الاستقامة والإخْلاص والعمل الصالح والعِبادة، الإيمان أساس كُلِّ شيءٍ في عالم الدِين، كيف يُؤْمن؟ الله سُبحانه وتعالى لا تُدْركه الأبصار، لا بد إذاً من أجْل أنْ نعْرِفَهُ من التَّفَكُّر بآياته، فإذا فَكَّرْنا بآياته عَرَفْنا الله عز وجل، فإذا عرفْناه سبحانه وتعالى اسْتَقَمْنا على أمْره وأطعْناهُ وأخْلَصْنا له، إذاً هناك علاقَةٌ مُحْكَمَة ومتينة بين المقْطع الأوَّل والثاني من هذه السورة وبين مقْطَعِها الأخير، المقْطَعُ الأوَّلُ وصْفٌ لأحْوال أهْل النار والمقْطعُ الثاني وصْفٌ لأحْوال أهْل الجَنَّة والمقْطَعُ الثالث بيانٌ لِطَريق الفوْز والنجاة، طريق النجاة من عذاب النار والفَوْز بِنَعيمِ الجنَّة.

النَّظَر الذي أمرنا الله عز وجل به في هذه الآية ليس نظر العَيْن ولكِنَّهُ نظرُ الفِكْر :

 ربُّنا عز وجل، قال:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

 أفلا ينْظرون؟ الحقيقة أنّ كلمة ينظر هنا لا تعْني نظَرَ العَيْن، إنَّ الأغنام تسْتطيعُ أنْ تنظر إلى الجمل وتَحيد عنه في طريقِها إذا نظرَتْ إليه ورأَتْهُ، وأيُّ دابَّةٍ من دواب الأرض تنْظر وترى، انظر إلى نمْلَةً تسيرُ على الطاولة وضَعْ يدك أمامها، تَقِفُ ثمَّ تُغَيِّرُ مسارها، معنى ذلك أنَّ النَّمْلة رأَتْ، والدليل أنها غَيَّرَتْ مسارها، فالنَّظَر الذي أمرنا الله عز وجل به في هذه الآية ليس نظر العَيْن ولكِنَّهُ نظرُ الفِكْر، قد تُطْعِمُ دابَّةً حشيشاً ولا يرى إلا أنَّهُ غِذاءٌ يبْحث عنه، لكن الإنسان إذا نظر إلى التُّفاحة يرى من خِلالها عظَمَة الله، وكذا إذا شرِبَ كأساً من الماء، وإذا نظر إلى ابنه وهو يعلم أنَّ أصْلَهُ نُطْفَة يرى صُنْعَ الله في خلقِه، إذا نظر إلى الجبل والسهْل والبحْر والشجَر والورد كان هذا تفَكُّر، أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَت.
 الحقيقة أنَّ الإنسان الأعْمى القلب هو الذي يمُرُّ على هذه الآيات ولا يرى من خِلالها الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 105]

 الإبل، قد يقول قائِل لماذا اخْتار الله عز وجل من بين آلاف الحيوانات ومن بين ملايين الآيات الجَمَل؟ لأنَّ الله عز وجل يُخاطِبُ بهذا القرآن العظيم العَرَب، وهم سُكانُ الصحْراء، والجَمَل يحْتَلّ المكانة الأولى في الصحْراء يعيشون معه، ويحْتلّ جُزءاً من اهْتِمامهم، ألَمْ يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

 ماذا يعْني هذا الحديث؟ أنَّ حُمُر النِّعَم شيءٌ ثمينٌ جداً، ونفيسٌ جداً.

الحكمة من اختيار الله الجمل من بين آلاف الحيوانات ومن بين ملايين الآيات :

 الإنسان العرَبِيُّ في الصحْراء يعُدّ الجمَلَ أثمَنَ ما في الصحْراء، لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

 الحَجْم المُتناسب، لو أنَّ حجْمَ الإِبِل أصْغر من ذلك لما تناسبَ مع رِمال الصَّحْراء، ومع الكُثْبان الرَّمْلِيَّة، ومع المسافات الشاسِعَة التي على الجَمَل أن يقْطَعَها؛ فالحجْمُ مُناسب، يتحمل العطش، وهذه الصحْراء كما تعْلمون قاحِلَة لا نبات ولا ماء! لا بد من أنَّ هذا الحيوان الذي سَخَّرَهُ الله لِخِدْمَةِ الإنسان أنْ يتحَمَّل العطش، فالجَمَلُ كما تعْلمون يتَحَمَّلُ العَطَش إلى دَرَجَة عاليَة، عشْرة أيامٍ، وفي الأحْوال العادِيَّة يشْرب في الأربعة أيام مرَّةً واحدة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى زَوَّدَهُ بِمُسْتَوْدعات ماءٍ في جَسَدِه يسْتَهْلِكُها رُوَيْداً رُوَيْداً، فالله تعالى قال:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

 الوسيلة المجدية في الصحراء، البَدْوُ يُسَمون الجمل عَطا الله، أيْ عطاء الله عز وجل، وتعْلمون أنَّ المناطق القاحِلَة في العالم تُساوي سُدْسَ اليابِسَة واليابِسَةُ تُساوي خُمْسَ الكرة الأرضية، والجمل هو الوسيلة الوحيدة للتنَقُّل في الصحارى وحتى الوقْت الحاضر لا يُسْتخدم إلا الجمل في نقْل الحاجات والمُعِدَّات، حتى بعض الجُيوش في العالم تسْتخدم الجمل حتى هذا التاريخ لأنَّهُ الوسيلة الأمينة والمُجْدِيَة والفعالة في الصحْراء.
 شفتي الجمل، قال بعض العلماء: كلُّ ما في الجَمَل مُتْقَنُ التَّصْميم، كي يتَحَمَّلَ البيئة القاسِيَة في الصحْراء، تحُسُّ أنَّ وراء الجَمَل خِلقة مُبْدَعَة وإلهٌ عظيمٌ، قالوا: شفتا الجَمَل مَطاطِيَتان قاسِيتان قَساوة مع مُرونة تسْتطيعان أنْ تلْتَهِما الشَّوْك الذي يخرق نعْل الحِذاء! هناك بالصَّحْراء شَوْكٌ لو وَضَعْتَ قَدَمَكَ عليه لاخْتَرَقَ النعْل إلى رِجْلِك، وهذا الشَّوْك كأنَّهُ إبَرٌ فُولاذِيَّة تسْتطيعُ شفتا الجَمَل أنْ تلْتَهِمَهُ في الصحْراء، فما هذه القُدْرة التي منَحَها الجَمَل وَزَوَّدَها به، شَفَتا الجَمَل تجْمعُ الطعام من دون أن يفْقِد فَمُ الجَمَل رُطوبته، لأنَّ الماء في الصحْراء نادِر، والماءُ شيءٌ نفيسٌ في الصحْراء، فَكُلُّ تصْميمات الجَمَل بِشَكْل أنْ لا يسْتَهْلِكَ الرُّطوبة التي في جَسَدِهِ، لذلك الشَّفتان المُتباعِدتان المطَّاطِيَّتان تلْتَهِمُ الأعْشاب وَفَمُهُ مُغْلق، حِفاظاً على الرَّطوبة في فَمِهِ.

خلق الجمل من آيات الله الدالة على عظمته :

 يأكُلُ الجَمَلُ نباتاتٍ لا يلْتَفِتُ أيُّ حيوانٍ إليها، مهما كان النبات قاسِياً وشَوْكِياً وحاداًّ وجافاً ومُؤَنَّفاً يأكله الجمل لأنَّهُ يعيش في الصحْراء، والصحْراء تحْوي الشَّوْك، والشَّوْكُ أوْراقٌ إبَرِيَّة، كُلُّ هذا التَّصْميم من أجل الحِفاظ على الرُّطوبة، ففي المناطق الاسْتِوائِيَّة الأوراق كبيرة جداً لأنَّ الرُّطوبة موجودة، لكنَّ في الصحْراء الرطوبة نادِرَة جداً فالنبات الذي ينْبُتُ في الصحْراء ترى أوْراقهُ كالإبَر ومُؤَنَّفَة، كُلُّ هذا من أجل الحِفاظ على الرُّطوبة.
 معدة الجمل، مِعْدَةُ الجمل لها أربعة أجْواف، فَهُوَ من الحيوانات المُجْتَرَّة، فَلَو أنَّك حَرَمْتَ الجمل الطعام أمداً طويلاً فإنَّهُ يهْضِمُ الطعام الذي كان قد أكله، وقد ركَّبَ الله في ظهْره مُسْتَوْدعاً غِذائِياً يكْفيه عَشَرات الأيام بل ما يُعادل الشَّهْر، ذلك السَّنام، السٍّنام رَكَّبَهُ الله تعالى في الجمل لأنه يقْطعُ مسافات طويلة بلا طعامٍ ولا ماء في طريقه الصحْراوي، كما قُلتُ قبل قليل يسْتطيع الجمل أنْ يسْتغْني عن الماء أربعة أيامٍ في الأحْوال الطبيعِيَّة، وعشْرَة أيامٍ بالأحوال القاسِيَة، لذلك سيّدنا خالد رضي الله عنه اسْتَخْدَمَ الجِمال في معْرَكَة اليَرْموك ونقل بها الجَيش من العِراق إلى الشام في عَشْرة أيام دون أنْ تشْرب قطْرَةً واحدة.
 بول الجمل وروثه، لو تتبَّعْتَ الأجْهزة التي ركَّبَها الله في الجَمَل، بَوْلُهُ كثيفٌ جداً لأنْ لا يسْتهلك الماء، رَوْثُهُ قليل جداً لأنه لا يسْتهلك الماء.
 تعرق الجمل، وهو لا يتعَرَّق، لو كان يتعرَّق والحَرّ شديد لَفَقَدَ ماء جِسْمه، يعتمد للحفاظ على حرارة جِسْمِهِ بِعَكْس الحرارة عن طريق وَبَرِهِ، الإنسان يتعرَّق والتعرُّق يُحافظ على حرارته، لكنَّ الجمل لا يتعرَّق أبداً حِفاظاً على الماء في جَسَدِه.
 سرعة الجمل وحمولته، الجمل يسْتطيعُ أنْ يسبق الحِصان، يصْمُدُ على المسافات الطويلة وبالأحْمال الثَّقيلة كما قلتُ قبل قليل: مُصَمَّمٌ ومُهَيَّأٌ للصحراء ويسْتطيعُ حَمْلَ مئتي كيلو غراماً والسَّيْر بهما أربعين كيلو متراً لِمُدَّة ثلاثة أيام مُتواصِلَة دون تَوَقُّفٍ ودون طعامٍ وشراب!
 قيام الجمل وقعوده، شيءٌ آخر، وهو أنَّ ربنا عز وجل لفتَ نظَرَنا إلى الجمل إلى سَفِناته، هذه السَّفِنات، تلك الدوائر المُتَقَرِّنَة من جلده الموجودة في بطْنه وفي يَدَيْه ورِجْلَيْه، من أجل أن يسْتوي عليهما قاعِداً، فالجَمَلُ إذا جلس على الأرض جلسَ جلْسَةً نِظامِيَّة من أجل أنْ يستطيع صاحِبُهُ أنْ يُحَمِّلَهُ، فلو جلس على الأرض كما يجْلس الحِصان أو البقرة أو الدابة لما أمْكَنَهُ تحْميلها كيف يُحَمِّلُهُ صاحبه وهو عالٍ؟ يحْتاجُ إلى سُلَّم فإذا صعد السُّلَم وابْتَعَد الجمل رمى صاحِبَهُ ودقَّ عُنُقَهُ، لذلك ربنا عز وجل جعل الجمل ينْفَرِدُ بِهذه الجِلْسَة، جِلْسَة نظامِيَّة، كيفَ ينْهض وله هذه القوائِم الطويلة؟ لو نهضَ بدْءاً بِقَوائِمِه الخَلْفِيَّة لَوَقَعَ الحِمْلُ على الأرض، ولو وقَفَ بدءاً بِقَوَائِمِهِ الأماميّة لَوَقَعَ الحِمْل خلْفَهُ، لكنَّ الله سُبحانه وتعالى جعل له ذاك الرأس الكبير وذلك العُنُقَ الطويل كي يكون مُتوازِناً في قِيامه وفي قُعودِهِ.

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

طريق الإيمان يكون بالتفكر في آيات الله :

 رموش الجمل، الجمل يسْتطيعُ أنْ يُغْلِقَ رُموشَ عَيْنَيْه وأنْ يرى طريقه دون أنْ يدخُل الرَّمْل في عَيْنَيْه، مُزَوَّدٌ بِرُموشٍ دقيقة مُتشابكة تسْمحُ له بالرؤيا ولا تسْمح للغُبار الدخول لِعَيْنَيْه لأنَّ الصحْراء مملوءَةُ بالعجاج.
 أنف الجمل وأذنيه، الجملُ من بين الحيوانات التي تسْتطيعُ إغْلاق أُذُنَيْها وأنْفِها، إذا هَبَّت الرِّياحُ العاتِيَة وأثارَتْ الغُبار الدقيق فإنَّ الجمل يسْتطيعُ أنْ يُغْلِقَ أُذُنَيْه وأنْفَهُ وأجْفان عَيْنَيْه مع رؤية الطريق من دون تعثُّر.
 خف الجمل، الجملُ مُزَوَّدٌ بِخُفٍّ يُعينه على السَّيْر في الرَّمْل، اِذْهَب إلى ساحِلِ البحْر وامْشِ على قَدَمَيْكَ على أرْضٍ رَمْلِيَّة ثمَّ تذَكَّر مِقْدار المَشَقَّة التي تُعانيها في الَّسيْر على الرَّمْل! لكنَّ الجمل مُزَوَّدٌ بِخُفٍّ مَرِنٍ وبِظُفْرٍ يدْفَعُ عنه الأحجار إذا سار على الرَّمْل.

﴿ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

 شيءٌ آخر وهو أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَتْ بِهذه الصِّفات؟ كيْفَ تَمَّ خلْقُها، ألَيْسَ الجمل في أصله نُطْفَة؟ ألَم يتَكَوَّن الجمل في رَحِمِ أُمِّهِ؟ يدُ من صاغَتْ هذا الخلْق؟ يدُ من جعلتْ له أربعة أجْوافٍ هضْمِيَّة؟ يدُ من جعلتْ له مُسْتَوْدعاتٍ للماء في بطْنِه؟ يدُ من جعلتْ سنامهُ؟ يدُ من جعلتْ رقَبَتَهُ طويلة؟ يدُ من خلقَتْ هذه السَّفِنات؟ يدُ من جعلتْ هذه القوائِم العالِيَة؟ يدُ من جعلتْ هذه الخصائِص؟ هذه الشَّفَة المطاطِيَّة التي تحْتمِلُ أقْصى أنواع الشَّوْك، لِمَ لا يعرقُ الجمل؟ لم لا يُغْلِقُ رموشَ عَيْنَيْه؟ كيف يغلقُ أُذُنَهُ وأنْفَهُ؟ يدُ من؟

 

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

 فَرَبُّنا عز وجل في هذه السورة بَيَّن لنا طريق الإيمان، طريق الإيمان أنْ تُفَكِّر في آيات الله عز وجل، فإذا فَكَّرْتَ في آياته تعالى عَرَفْتَهُ، وإذا عَرَفْتَهُ اسْتَقَمْتَ على أمْرهِ، وإذا اسْتَقَمْتَ على أمْره أقْبَلْتَ عليه، وإذا أقْبَلْتَ عليه اصطبغتْ نفْسُك بالكمال فَصِرْتَ صالِحاً لأنْ تسْعَدَ بِقُرْبِهِ إلى أبد الآبِدين:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

إعجاز الله في الكون :

 شيءٌ آخر فيما يخصّ توازن الرَّقَبَة مع الرأس، والقِيام مع القُعود والقُعود المُنتظم، هذا مبْني على عِلْم الحَرَكة والثقالة، فهذا الإله العظيم الذي خلقهُ، خلقُهُ مَبْنِيٌّ على عِلْم وحِكْمَة، لذلك تتعرَّفُ إلى العليم والقدير والخبير من خلال الجمل، أسْماء الله الحُسنى تسْتطيعُ أنْ تعرف طَرَفاً منها من خِلال خلْقِهِ:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

 الوقْتُ لا يتَّسِعُ والمقامُ كذلك وطبيعة الدَّرْس الديني لا تتسِع لِتَفْصيلاتٍ عن الجمل أفاض بها العلماء، الآية الثانية:

﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

 أوَّلاً كما قلنا من قبل في قوله تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾

[سورة الطارق: 1]

 السماء فضاء وكواكب، هذا الفضاء الذي لا حُدود له، هل فَكَّرْنا فيه؟ قال تعالى:

﴿ فلا أقسم بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

[ سورة الواقعة: 75]

 كلمة ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئِيَّة هل يُمكننا استيعابها؟ ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئِيَّة بُعْدُ مجَرَّة أخرى، مئة وخمسون ألف سنة ضوئِيَّة طولُ مَجَرَّتِنا، خمسة عشر ألف سنة ضَوْئِيَّة عرض مَجَرَّتِنا، ثلاث عشرة ساعة أقْصى بُعد بين المجموعة الشَّمْسِيَّة، الشمسُ ثمانِيَ دقائق والقمرُ ثانِيَة، فإذا كان بُعد القمر ثانِيَة وصعد الإنسان للقمر وركِبَ مرْكَبَةً تسير بِقدْر أربعين ألف كيلو متر في الساعة، ووصَلَهُ بعد ثلاثة أيام، وكَلَّفَتْ هذه الرِّحْلة أربعة وعشرين ألف مليون دولار، وقد قطع الإنسان في الفضاء الخارجي ثانِيَةً ضَوْئِيَّةً واحدة، فَكَيْفَ لو كُلِّفَ بِقَطْع ثماني دقائق؟! بعدُ الأرض عن الشمس مئة وستٌّة وخمسون مليون كيلو متر، فَكَيْفَ لو كُلِّفَ أنْ يقطع المجموعة الشَّمْسِيَّة؟ فَكَيْفَ لو كُلِّفَ أنْ يقطع عرْضَ مَجَرَّة خمسة عشر ألف سنة ضَوْئيَّة طولها؟ كيف لو كُلَّفَ أن يصِل إلى نجم القطب؟ أربعة آلاف سنة ضَوْئِيَّة.

المجرات والنجوم من آيات الله الدالة على عظمته :

 مرَّةً وَضَعْتُ حساباً بسيطاً فقُلْتُ: إذا كان الضوء ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية ضربناهم في ستين، والناتج في ستين، والناتج في أربعة وعشرين، والناتج في ثلاثمئة وخمسة وستين، قسَّمناهم على مئة وهي سرعة سيَّارة تسير بمئة كيلومتر في الساعة، ثم قسَّمناهم على أربعة وعشرين بليون، على ثلاثمئة وخمسة وستين، الناتج: سبعة وعشرون مليون ملْيون سنة، فإذا كان هناك طريق مُعبَّد إلى نجم القطب فلا بدَّ لك من سبعة وعشرين مليون ملْيون سنة حتَّى تصل إلى نجم القطب، أربعة آلاف سنة ضوئية، فكيف لو كُلِّفتَ أن تصل إلى بعض المجرات البعيدة التي استغرق ضوؤها كي يصل إلينا ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية، رأينا مجرَّة بُعدُها عنَّا ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية، العلماء يقولون هذا المنظر كاذب، هذا المنظر هو شكل المجرة عندما كانت هنا قبل ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية، ذهبت إلى مكان آخر، فربُّنا عز وجل قال:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

 نظام الجاذبية تصميم مَنْ؟ أن الكواكب تتجاذب بحسب كتلتها ومربَّع المسافة بينها، هذا النظام من صمَّمه؟ قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة النمل: 61]

نظام الجاذبية :

 بنظام الجاذبية كل شيء تتركه يقع على الأرض، لماذا يقع على الأرض؟ لأنه مربوط في الأرض بالجاذبية، ولو كنت في الفضاء الخارجي وتركتَه هناك يبقى هناك، لا وزن له، في مناطق انعدام الجاذبية لا يوجد وزن، رُوَاد الفضاء سبحوا في الفضاء بدون وزن وما سقطوا، ومعنى وقع؟ أي أن هذا الشيء مربوط بالأرض بطريق التجاذب، هذا نظام الجاذبية من صمَّمه؟ فإذا كان تجاذب في الكون فلماذا لا يتجاذب الكون بعضه ببعض فيصبح كتلة واحدة؟! ما دام الأكبرُ يجذب الأصغرَ، لا بدَّ أن تجذب الشمس المشتري وزحل وأورانوس والمريخ، أن تصبح المجموعة الشمسية كتلة واحدة، وهذه الكتلة الضَّخمةُ تنجذب إلى أكبر نجم في المجرَّةِ، وتصبح المجرة كلُّها كتلة واحدة، والمجرات تنجذب إلى بعضها فيصبح الكونُ كلُّه كتلةً واحدةً، لا بدَّ مِن أن يقع هذا، الحركة فيها بركة، بهذه الحركة تنشأ القوَّةُ النابذةُ التي تكافئ القوَّةَ الجاذبةَ، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

 كيف هذه الحركة والتجاذب والاستقرار؟ من أصعب الأشياء النظام مع حركة، أنتَ مهما كنتَ ماهراً في الرياضيات وجِئْتَ بقطعتي مغناطيس تضع الأُولى على الأرض وتُعلِّق الثانية بخيط، وتضع مسماراً في الفضاء بينهما في المكان المُنَصِّف تماماً، وأن يبقى المسمارُ عالقاً في الفضاء بفعل تساوي التجاذب بين القطعتين مع حساب وزنه وجذب الأرض له هذا الشيء فوق طاقة البشر، فكيف الأرض لها مسار لا تزيح عنه، افتحِ أي تقويم، الفجر على الساعة الخامسة وسبع دقائق، معنى ذلك أن الأرض لها مسار حول الشمس على مستوى ثواني، هناك تجاذب، تجذب القمر والقمر يجذبها، وتجذب الشمس والشمس تجذبها، فلولا الحركة لأصبح الكون كتلة واحدة، من المصمِّم؟ الله سبحانه وتعالى، فربنا قال:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

 هذا الشكل الكُروي رائع جدّاً، لا نهاية لخطوطه وحجمه محدود، الشمس كرةٌ والأرض كرة وزحل كُرَةٌ والكواكب كلها ذات أشكال كروية.

مبدأ العطالة :

 تصوّر أن الكواكب مكعبة الحجم، مكعب متوازي مستطيلات، فأنسب شكل للكواكب الشكل الكروي، قال تعالى:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

[ سورة الزمر: 5]

 لو كانت الأرض مكعبة أو الشمس مكعبة أو القمر مكعب له حروف لاختلف الأمر اختلافاً بيِّناً، الفضاءُ سعتُه والكواكب والمجرَّات بكثافتها ونظام التجاذب وعدم تجمع الكون في كتلة واحدة، ونظام الحركة والحركة متفاوتة وبسرعات عالية، فالأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف وستمئة كيلو متر في الساعة عند خطِّ الاستواء، وتدور أيضاً حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلومتر في الساعة، والشمس تدور حول مركز في المجرَّة وتستغرق دورتُها أكثر من مئتي مليون سنة، سرعات متفاوتة، بعض المجرات سرعتها قريبة من سرعة الضوء - مئتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية، والمُذَنَّبات وغيرها:

﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

 فكَّرتُم فيها؟! هذا طريق الإيمان ومعرفة الله عز وجل، فإذا كان الكون ساكناً رفض الحركة، لذلك الآن يبْعثون قَمَراً صِناعِياً يعطونه حركة ابْتِدائِيَّة بسُرعة ثماني أو تسع سنوات، لا يحْتاج الأمر لِمُحَرِّك، يكْفي أنْ تضَع كَوْكَباً بالفضاء الخارِجي في مكان انْعِدام الجاذِبِيَّة وتعْطيه سُرْعة مُعَيَّنة، نَظَرِياً هذه السرعة ينْبغي أنْ تبْقى إلى أبد الآبِدين؛ وهذا هو مبْدأ العطالة، فالجِسْم المُتحَرِّك يرفض السكون، والجِسم الساكن يرفض الحَرَكَة، إذا ركبت سيارةً وأنت واقفٌ، ثمَّ تَوَقَّفَتْ فجأةً تجد نفْسَكَ قد وَقَعْتَ، لماذا؟ لأنَّك ترْفض التَوَقُّف، والسيارة وقفتْ مما يجْعلك تقع، وإذا كان الإنسان في السيارة على المقعد الخلفي وتَحَرَّكت به السيارة يشْعر المقعد الخلفي يدفعه إلى الأمام، لأنه يرفض الحركة، وحدث تضاد بالجهة، فهذا المبْدأ من خلقه، والشكْل الكُرَوي والفضاء والذرات والتجاذب ومبدأ العطالة؟!!

الليل والنهار والشمس والقمر والضوء من آيات الله الدالة على عظمته :

 إلى الآن وَتَعْريفُ الضوء صعْب؛ نُجَيْمات دقيقة جداً تنْطلق من أجْسام هي الضوء، قالوا: إذا صار الجِسْم يمْشي بِسُرْعَة الضوْء صارَ ضَوْءاً، ما معْنى الضَّوْء؟ أيْ حجْمُهُ لا نِهائي، وكُتْلَتُهُ صِفْر، أشِعَّةُ الشمْس لا توزن، هذا الضوْء المُنْبعث من هذه المصابيح لا يوزن، وما دام هناك فضاء فالضوء ينْتشر فيه إلى ما لا نهاية، فالضوءُ كُتْلَتُهُ صِفْر، وحجْمُهُ لا نِهائي، فإذا سار أيُّ جِسْم بِسُرْعَة الضوء صار ضوْءً، ما كُنْهُ الضوْء؟ الله أعلم، من خلق الضوء؟ ومن خلق الليل والنهار؟ والشمْس والقمر؟ قال:

﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

 هذه الكواكب لها قِوامٌ، هذا الكَوْكَب غازي، فالشمْس ليستَ صلبة بل غازات تتفاعل تفاعُلاً مُسْتَمِراً ومُتَسَلْسِلاً، زُحَل غازات والمَريخ جسم صُلب وكذا الأرض، لذلك لكُلِّ كوكب كثافة مُعَيَّنة، قالوا: هناك كواكب السنتِمِتْر مكعب فيها بِألف ملْيون طنّ! الأرض كثافَتُها واحد، وهناك كواكب أكثر وهناك أقلّ، الشَّمْس مثلاً أكبر من الأرض بِمِلْيون وثلاثمئة ألف مرَّة ولكن وزْنُها أكبر من الأرض بِثلاثة آلاف وثلاثمئة مرَّة، اِخْتِلاف الأحُجام واخْتِلاف قِيام الكواكب والكثافات، قال تعالى:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة النمل: 88 ]

 هناك موْضوعات تقْترب من أنْ تكون فلْسَفِيَّة، موضوع الزمن مثلاً، ما هو تعْريفه؟ قالوا: الزمن هو البُعْد الحَرَكي للأشْياء، شيءٌ له طول وعرض وارْتفاع وله بُعد رابع هو الزمن!

 

الجبال أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته :

 

 رَبُّنا عز وجل قال:

﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾

 هناك كتابٌ مُتَرْجَمٌ عن الجبال وعن الأرض مكْتوب فيه بالمُقَدِّمة قال: إنَّ أغْلب الصُّوَر على سطْح الأرض كالبحار والجبال والتِّلال والبُحَيْرات والكُتَل الجليديَّة والسُّهول الخضْراء والمُسْتَنْقعات والصحارى إنما صَنَعَتْها قُوَّةٌ جبارة غيرُ مَرْئِيَّة، فَهُناك نِظامٌ يعْجزُ المرْء عن تَصَوُّر مداه ودِقَّتِه! قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً* وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾

[سورة النبأ: 6-7]

 عَرَفوا الآن أنَّ هناك طبقات على سطْح الأرض، حِجار وتراب ورِمال وجليد ونباتات، هذه لو أُزيحَتْ لَرَأيْنا أنَّ للقارات جِسْماً، وهذه القارات مُسْتَنِدَة إلى مادَّةٍ صَخْرِيَّة اسمُها البازِلْت، وتحت البازِلْت هناك طبقة ثالثة، هي قاعدة الأرض القِشْرَةٌ مُتَجَمِّدَة، وهذه السطوح الصَّخْرِيَّة تتحَرَّك بالسنة بِنِسْبَة واحد سُنتِمِتْر أو اثنين، تَحَرُّك تطاحُن أو تَحَرُّك تباعد، فإذا تحَرَّكَت الكُتَل السَّطْحِيَّة من القِشْرَة الأرضِيَّة تَحَرُّكَ تباعد تأتي البراكين وهذه المادَّة السائِلَة التي في جَوْف الأرض تخْرُج من هذه الشُّقوق وتُكَوَّنُ الجِبال، هناك برودِيسْيا جبل كُوِّنَ على هذه الطريقة، أيْ انْزِياح الطبقة الصلْبة من الأرض ويُمطر هذا السائِل ويتجَمَّد ويُشَكِّل الجبل، وفي المُحيط الأطْلسي سِلْسِلَةٌ من الجبال، تبْدأ من الشمال إلى المحيط المُتَجَمِّد الجنوبي بارْتِفاعٍ قدْرُه ألف وخمسمئة متر، في سلاسل جَبَلِيَّة ضِمْن البحْر:

﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾

 هناك جِبال بُرْكانِيَّة، أيْ البراكين السائِلَة تصْنَعُه وفي سَنَة سبعِ وستين أو أكثر كانت هناك جزيرة بِكامِلِها تَشَكَلَّت من براكين، فالصفائح القارِيَّة تتباعد عن بعْضِها ومن تباعُدِها تنْشأ الجبال البُرْكانِيَّة وقد تتطاحَن، لأنَّ هذه الصفيحة التي في الأرض تأتي تحت هذه الصفيحة ويحْدُث اِلْتِواء ويظْهر الجبل، فَمِنْ تباعُدها تنْشأ الجبال البركانِيَّة ومن تقارُبِها تنْشأ الجبال الْتوائِيَّة، وهناك ضُغوطٌ باطِنِيَّة في الأرض تدْفَعُ بعض القارات إلى أعْلى وتُشَكِّل الجِبال، هذه بعضُ النَّظرِيات لكنَّ الله سُبْحانه وتعالى وحْده يعْلم كيفَ نُصِبَتْ هذه الجِبال؟ ومن تصْميم الجِبال حِكْمَةٌ بالغة! تُلاحظ إلى جانب السواحل هناك سلاسل جَبَليَّة وهذه الأخيرة تُوَفِّرُ المِصَدَّات التي تمنعُ المُنْخَفضات من التَّبَعْثُر في القارات، وهذه السلاسل الجَبَلِيَّة تُشَكِّلُ فُروقاً في الحرارة بين سُفوح الجبال وبين قِمَمِها، وهذا يُشَكِّلُ تيارات من الهواء، موضوع الجِبال موضوعٌ كبير.

سبب اسْتِقْرار الأرض تَوَزُّع الجِبال على سَطْحِهِا :

 ربنا عز وجل قال:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً* وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾

[سورة النبأ: 6-7]

 معنى الوَتَد أنَّ للجبل قِسْمٌ ظاهِرٌ وله قِسْمٌ مغْروسٌ في الأرض، العلماء قدَّروا أنَّ القِسْم غير الظاهر يُعادِل ثُلُثي القسم الظاهر! مثل السِنَّ تماماً هذان الثُّلُثان يرْبِطان طبقات الأرض بِبَعْضِها البعض، فإذا حصل اضْطِراب في باطن الأرض فإنَّ هذه الكُتَل مُثَبَّتَةٌ ببعْضها البعض عن طريق الوَتَد الذي هو الجَبل، فربنا عز وجل قال:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً* وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾

[سورة النبأ: 6-7]

 آيةٌ ثانِيَة، قال تعالى:

﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾

[سورة النازعات: 32]

 الأرض تدور ودَوْرَةُ الأرض بِسُرْعَةٍ بالغة فَلَوْ لم يكُنْ هناك توازُن في تَوْزيع الثَّقالة والكُتَل على سطْح الأرض لحصل اضْطِرابٌ! قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة النمل: 61]

 لو تَحَرَّكَتْ الأرض بِسَنْتِمِتْر واحد لتهَدَمَ هذا البناء، اسْتِقْرار الأبْنِيَة بِسَبَب اسْتقْرار الأرض، واسْتِقْرار هذه الأرض بِسَبب تَوَزُّع هذه الجِبال على سَطْحِهِا.

عَلاقة الاسْتِقْرار بالرواسي :

 قال تعالى:

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيْهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾

[سورة لقمان: 10]

 أيْ لِكَيْ لا تميد بكم، الآن تجد قوالب لِعَجَلات من أعلى مُسْتوى ويُثَبّتون العَجَلة بإحْكام ويضَعونها على مُحَرِّك وتدور ويضعون لها قطعة رصاص بِمَكانٍ مُعَيَّن، فإذا بِهذه القطْعة تُحْدث اختلالاً بالدَّوران، كذلك هذه الجِبال حينما أوْدَعَها الله عز وجل ووضَعَها في هذه الأماكن التي بَثَّها على عِلْمٍ من أجل أنْ تكون الأرض مُسْتَقِرَّة، لو تَخَيَّلْنا انْتِقال جَبَل من مكانٍ إلى مكانٍ لاخْتَلَّ اسْتِقْرار الأرض، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الرعد: 3]

 كلمة رواسِيَ وأنْهاراً تعْني أنَّ الجبل مُسْتَوْدَعٌ للمياه، هذه الأنهار لها ينابيع والينابيع مُسْتَوْدعاتُها في الجِبال، وهناك آيةٌ ثانِيَة:

﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾

[سورة الحجر: 19]

 أيْ شَكْلُها كُرَوي وخُطوطها كُلُّها مُسْتَمِرَّة، أما أيُّ شكْلٍ آخر فإنَّ الخطوط تنْتهي عند الحرْف لكنَّ الكرة خُطوطها لا تنْتهي، وقال تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة النمل: 61]

 فَعَلاقة الاسْتِقْرار بالرواسي، وقال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً ﴾

[سورة المرسلات: 27]

 حِكْمَةُ ذِكْر آية الماء الفُرات مع القِمَم الشامِخَة هو أنَّ الجبل مُسْتَوْدعُ المياه وربنا عز وجل قال في آياتٍ أُخْرى:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

[سورة الحجر: 22]

الأرض وما فيها من تضاريس من آيات الله الدالة على عظمته :

 الآن يقول ربنا عز وجل:

﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

 الحِكْمَة من أن الأرض فيها جبال وفيها هِضاب وفيها تِلال وسُهول وبوادي وصَحارى وسَواحِل وبِحار وخُلْجان وجُزُر كبيرة وصغيرة، وهناك قارات من كُلِ النواحي، لكنَّ هناك قانوناً اكْتَشَفَهُ بعض العلماء، قال: كُلُّ نقطة من اليابِسَة إذا رَسَمْتَ خطَّ العرْض لها ومَدَّدْتَهُ حول الكُرة، وأخَذْتَ النقْطة المُقابلة لهذه النُّقْطة تراها بحْراً، كُلُّ نقطة على اليابسة يُقابِلها بحر، وهذا تصْميمٌ عجيبٌ! هل يُعْقَل أن تكون الأرض قِطْعَةً من الشَّمْس اِنْفَصَلَتْ عنها وتَبَرَّدَتْ وصارَتْ هكذا! ما هذا النَّظام والقانون! شيءٌ آخر وهو قارات الأرض كما تقول بعض الكُتب هِضابٌ عُظْمى من الصَّخْر ترْتَفِع من ثمانِية إلى عشرة كيلومتر وهو أقْصى ارْتِفاعٍ لها تقْريباً، وسلاسلُ الجِبال التي صَوَّرَها الله عز وجل وألْقاها بعْضُها فوق سطح الأرض، وبعْضُها في أعْماق البِحار، لذلك الآن هناك خرائط لِجِبال البِحار، تجد سلاسل جَبَلِيَّة وتِلالاً وَوِدْياناً حتى في أعْماق البِحار هناك وِديان سحيقة، وادي مرْيانة في المحيط الهادي عُمْقُهُ بِقَدْر ارْتِفاع جَبَل إيفرست أعلى نقْطة بالعالم، ثمَّ إنَّ القارة لها رصيفٌ، والرَّصيف القاري يمْتَدُّ مئة وسِتون كيلومتر في البحْر، فَقَارَّةُ آسْيا لها رصيفٌ لو الْتَغى البحر تكْبر قارة آسْيا من كُلِّ الجِهات مئة وسِتُّين كيلومتر، لو رأيت أوقيانوسيا من دون بحر أكبر من حجمها الحقيقي بمئة وستّين كيلو متر من كلّ الجهات تقريباً، هذا الرَّصيف القاري تصْميمُ من؟! كُلُّ الجِبال التي تَرَوْنها تجدون فيها قواقِع وأحافير ورسوم حيوانات، أشْكال نباتات، فالأرضُ كُلُّها كانت مُغَطَّاة بالبَحر، هذه الجبال المُرْتَفِعَة؛ جبلُ قاسْيون فيه أحافيرُ أسْماك ونباتات فهذه الأرض كم عُمْرُها؟ وكم اسْتَغْرَقَت من الوقْت حتى صارتْ صالحة للسُّكْنى؟ لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

الإنسان لا يسْتطيعُ أنْ يعرف الله إلا إذا فكَّر في مخْلوقاته :

 تَصَوَّر أرْضاً لا تُرْبة فيها! كيف تعيش؟ وأرْضٌ كلها صَخْرِيَّة، نموت من الجوع نحن والحيوانات! لكن من فَتَّت التراب وأعْطى الماء هذا القانون بِحَيْث إذا تَجَمَّد تَوَسَّع، كُلُّ عناصر الكَوْن تنْكَمِش إذا تَجَمَّدَتْ إلا الماء إذا بردَ تَوَسَّع، لذلك يسهم الماء في تفْتيت التربة وجعْلِها صالحة للزراعة، ومن الذي وضع في التراب هذه الكائِنات الحَيَّة، عندما ألْقَوا قُنْبُلَة ذرِّيَّة على هيروشيما وناكازاكي باليابان أصْبَحَتْ الأرض لا تُنْبِت، هذه الكائِنات الحَيَّة التي لا يعْلمُ عددها إلا الله من خلقها؟ وإلى الأرض كيف سُطِحَت، من الذي جعل بالمدينة جبل، هذا الجَبَل يُؤَمِّن لك مُسْتَوْدعات للمياه وأنْهار وثلْج، وهو إذا ذاب غَذى هذه المُسْتوْدعات، من فوق منطقة باردة ومن تحت منطقة حارَّة، ومن اخْتِلاف الحرارة تنْشأ تيارات هوائِيَّة، كلُّ الجبال فيها نسيمٌ مهما كان الحرّ بالمدينة، ثمَّ مسألة تصميم الجبال مع السواحل هناك جِبال داخِلِيَّة لها هدف، وهذه السواحل لها فَتَحات؛ مثلاً فتْحَةُ حمْص كُلُّ المنخفضات الجوِيَّة تأتي من هذه الفتْحَة ولدَيْنا فتْحَة ثانِيَة بالجولان أيضاً، هذه الفَتْحات تُؤَمِّن المُنْخَفضات والأمْطار وما شاكل ذلك، هذا التصْميم تصْميمُ من؟

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

 هذه الآيات أنا ما أردْتُ منها أنْ أُغْرِقَ الأخوة المُسْتَمِعين بِمَعْلومات، ولكنَ أردْتُ من هذه المعْلومات أنْ تكون نماذج، فالإنسان لا يسْتطيعُ أنْ يعرف الله إلا إذا فكَّر في مخْلوقاته، فالارْتِباط بين المقْطع الأول والثاني والأخير في هذه السورة ارْتِباط دقيق جداً، طريق النجاة من عذاب النار والفوْز بِنَعيم الجنَّة هو قوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

عظمة الله عز وجل تتجلى من خِلال آياته :

 الأوروبِيِّون فَكَّروا وتوَصَّلوا لِحَقائِق مُذْهِلَة عن المَجَرَّات ولماذا ما عَرَفوا الله عز وجل؟ إذا بَقِيَ الإنسان في الكون ولم ينتقل إلى الله عز وجل ما اسْتفاد من هذا العِلم، أحدُ العلماء قال: كلُّ إنسانٍ لا يرى قَوَّةً في هذا الكون هي أقْوى ما تكون، عليمَةً هي أعْلم ما تكون، رحيمَة هي أرحم ما تكون فهو إنسانٌ حيٌّ ولكنَّهُ ميِّت، يُمكن أن يكون عالم جيولوجْيا وعالم طبقات وعالم فلك وعالم نبات قد شاهَدَ أشْياء ما شاهَدْناها لكن إذا كان هدفهُ الشَّهْوة والشُّهْرة والمال والمجْد فما اسْتفاد منها شيئاً، رآها ولم يرَها، أما المؤمن إذا نظر إليها ينتقل منها إلى خالقها الله، هذه القارات هي كُتَلٌ صَخْرِيَّة هائِلَة، قارة آسْيا هي كُتْلَة صخْريَّة بِكامِلِها مُسْتَنِدَة إلى سطْحٍ صخْري وهذا السطْح مُستنِدٌ إلى سطْحٍ ثالث، لو كان هناك اخْتِلافٌ بالكثافة عَكْسي لغارَتْ القارات في أعْماق الأرض، أو الطبقة السُّفْلى أشدُّ كثافَةً والعُليا أقلُّ منها كما لو وضَعْتَ الفِلِّين فإنّه يطفو في الماء لأنّ كثافته أقلّ من الماء، من صَمَّم هذا التصْميم بحيث تكون هذه القارات قاعِدَتها أشدّ كثافَةً؟ وبالأعْماق هناك مائَع ناري، هناك براكين تنطلق من مئة وستين كيلومتر من الأعْماق، حقول النَّفْط أعْماقها ثمانية كيلو متر، فهذه الكُتَل الصَّخْرِيَّة كم أوْزانها؟ تجد جبلاً عُمُره ثلاثون سنة وما تغيَّر شكْلُهُ، وهناك الصخور الثمينة مثل الرخام، هناك رخام ثمنه للمِتْر خمسة آلاف شَفاف أصله كِلس، الكوارتز أصله رمْل، وبعض الأحْجار الكريمة أصْلها فحم، الألْماس أصله فحْم، قال تعالى:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴾

[سورة طه: 6]

 معنى ذلك هناك ثَرَوات هائِلَة تحت الثرى، نفْطٌ وغازٌ طبيعي وفحْمٌ ومعادن وحديد وأورانيوم وألمنيوم ونحاس، من صَمَّمَ هذا التصْميم؟ الله سبحانه وتعالى، أنا ما قصَدْتُ أنْ أُعْطِيَ بحْثاً مُتكامل، فالبحث المتكامل يضْطرنا للصُوَر والسبورة والبيانات والرسومات إنما قَصَدْتُ أنْ أُبَيِّن عظمة الله عز وجل من خِلال آياته، فقد أتَيْتُ بأفْكارٍ مُتباعدة وغير مُنتظمة لا على قصْد الحصْر إنما على قصْد بيان عظمة الله عز وجل، فالإنسان إذا لم تكن له جلساتٌ مع الله يوْمِيَّة يتفَكَّر فيها في آيات الله فلن ينْجُوَ من عذاب الله ولا يفوز بِنَعيم الجنَّة، فَسُبْحانه بعد أنْ حكى لنا عن نعيم أهل الجنَّة وعذاب أهل النار قال:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

مُلَخَّص الدرس أنَّ الإنسان مُكَلَّف أنْ يتعرَّف إلى الله بالكون :

 نحن لنا أمورٌ أخرى كالسمك أحْياناً تأكل السمك تجد فيها خطاً هو جِهاز ضغْط تعْرِفُ به على أيِّ عُمْقٍ في البحر هي، وهذه سمكات تطْفو على سطْح البحْر لها أكْياس هوائِيَّة تُفَرِّغُها، وهي تعْرف أين السطح دائِماً، لها أجْهِزة وأساليب، فإذا الإنسان أكل السمك ولم ير إلا أنَّهُ سمكٌ طَيِّب فقط ولم يتفَكَّر في هذا!! قالوا: لولا أنّ السمك الكبير يلْتَهِمُ السمك الصغير لَتَلاشى الماء وبَقِيَ السمَكُ في البِحار!! فالتفكّر دائِماً، نظر إلى ابنه كيف رُزِق السمْع والبصر وضحك وكائِنٌ حيّ بِكامِلِه، فالقصْد ليس الآية بما حوَتْ عليه، هذه نموذج، القصْد أنْ تُعْمِلَ عقْلَكَ وفِكْرَكَ في هذه الآيات اُنظر إلى التسلسل الابن، السماء، الجِبال، الأرض، حَرَكة دائِرِيَّة، من الإبل إلى السماء إلى الجبال إلى الأرض، هذه كُلُّها أشْياء نَحْياها وتُحيط بنا، هناك آية عن الجبال وهي قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾

[سورة النحل: 81]

 تجد قرب الجبال ركود الهواء وحرّاً، إذا كانت مدينة خلْفَ جبلٍ تجد جَوَّها دافئاً، لماذا مَكَّة حارَّة؟ لأنَّها مُحاطة بالجبال، فَهِيَ مَسَدُّ الرِّياح، هناك آية قرآنية أُحِبُّ أنْ تسْمعوها لأنَّ لها علاقة بِمَوْضوعنا قال تعالى:

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[سورة الفرقان: 44]

 فالإنسان إذا لم يفكَّر بهذه الآيات فهو كالأنعام بل أضَلّ! لأنَّ الأنعام ليْسَت مُكَلَّفة بالأمانة ومعْرفة الله عز وجل، مُكَلَّفَة بِخِدْمة الإنسان وقد خَدَمَتْهُ فإذا جاء أجلها فهي إلى الجنَّة، أما الإنسان فهو مُكَلَّف أنْ يعرف الله عز وجل، فهذا الدرس مُلَخَّصه أنَّ الإنسان مُكَلَّف أنْ يتعرَّف إلى الله بالكون، قال تعالى:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة المرسلات: 44]