الدرس : 1 - سورة الغاشية - تفسير الآيات 1 ـ16، موقف المؤمن وموقف الكافر يوم القيامة.

1985-01-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

للاستفهام معانٍ كثيرة

 أيها الأخوة المؤمنون، سورة اليوم: سورة الغاشِيَة، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 هل حَرْف اسْتِفْهام، وحرف الاسْتِفهام في اللغة يعْني طلب العِلْم بِمَجْهول، هذا هو الاسْتِفْهام، قد تسأل إنْساناً: ما اسْمُكَ؟ كم معك من نُقود؟ أين تسْكن؟ كيف حالك؟ فالاسْتِفْهام طَلَبُ العِلْم بِمَجْهول لكنَّ الاسْتِفهام يخْرُجُ عن الاسْتِفْهام وعن هذا التعْريف إلى معانٍ كثيرة:

 

1 ـاِسْتِفهامٌ بِمَعْنى الأمر :

 الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾

[سورة المائدة: 91]

 هذا اِسْتِفهامٌ بِمَعْنى الأمر؛ هل أنتم مُنَفِّذون لِكَلامي؟

 

2 ـاِسْتِفهامٌ بِمَعْنى النَّهْي :

 وهناك اِسْتِفهامٌ بِمَعْنى النَّهْي، قال تعالى:

﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾

[سورة الأحزاب: 37]

 قال تعالى:

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

[ سورة الرحمن: 60]

3 ـاسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّسْوِيَة

 وهناك اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّسْوِيَة قال تعالى:

﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة يس: 6]

4 ـاستفهامٌ بِمَعْنى الإنْكار :

 وهناك استفهامٌ بِمَعْنى الإنْكار قال تعالى:

﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 40]

 وقال تعالى:

﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 64]

5 ـ اسْتفهامٌ بِمَعْنى التَّشْويق :

 وهناك اسْتفهامٌ بِمَعْنى التَّشْويق، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[ سورة الصف: 10]

6 ـاسْتِفهامٌ بِمَعْنى الاسْتِئناس :

 وهناك اسْتِفهامٌ بِمَعْنى الاسْتِئناس، قال تعالى:

﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾

[ سورة طه: 17]

 هل المولى عز وجل لا يعْرف ما بِيَمينه؟! هذا من قبيل الاسْتئناس كي يستأنس سيّدنا موسى بالله عز وجل.

 

7 ـاسْتِفهامٌ بِمَعْنى التَّقْرير :

 وهناك اسْتِفهامٌ بِمَعْنى التَّقْرير قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح: 1]

 أيْ لقد شرَحْنا لك صدْرك.

 

8 ـ اسْتفهام بِمَعْنى التَّهْويل :

 وهناك اسْتفهام بِمَعْنى التَّهْويل، قال تعالى:

﴿ الْحَاقَّةُ*مَا الْحَاقَّةُ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴾

[ سورة الحاقة: 1-3]

 وقوله تعالى:

﴿ الْقَارِعَةُ*مَا الْقَارِعَةُ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾

[ سورة القارعة: 1-3]

9 ـاسْتفهامٌ بِمَعْنى التعظيم :

 وهناك اسْتفهامٌ بِمَعْنى التعظيم، قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

[ سورة البقرة: 255]

10 ـاسْتفهام بِمَعْنى التعجُّب :

 هناك اسْتفهام بِمَعْنى التعجُّب، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: 7]

11 ـاستفهامٌ بِمَعنى الوعيد :

 وهناك استفهامٌ بِمَعنى الوعيد قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾

[ سورة الفيل: 1]

 وقوله:

﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾

[ سورة الفجر: 6]

الاسْتِفهام في الآية التالية يُعْطي أربعة معانٍ في وقْتٍ واحدٍ :

 الاستفهام في التعريف الدقيق: طلب العلم بِمَجْهول وقد يخرجُ الاسْتفهامُ عن هذا التعْريف إلى معانٍ كثيرة، فَرَبُّنا سبحانه وتعالى حينما يقول:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 قال المفسرون: هذا الاسْتِفهام يُعْطي أربعة معانٍ في وقْتٍ واحدٍ؛ معْنى التَّعَجُّب، ومعْنى التعْظيم، ومعْنى التَّشْويق، ومعْنى التَّقْرير في قوله تعالى:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 أمَّا كلمة (أَتَاكَ) فيُروَى أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع صحابيّاً يتلو هذه الآية:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 فقال عليه الصلاة والسلام: "بلى لقد أتاني"، لأنه رأى بأنه معنِيٌّ بهذه الآية، ورُبَّما يَظُنُّ المؤمن بأنه ليس معنيَّاً بها، بل إن كل آية تعني النبي عليه الصلاة والسلام تعني كل مؤمن بالتبعية؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين))

[مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 قد يقول قائل: وما فضلُ النُبُوَّة إذاً؟ نقول له: النبُوَّةُ مقام، والنبوة علم، لكن التطبيق يجب أن يكون دقيقاً، هل يُسمَح لممرِّضٍ أن لا يُعَقِّم الإبرة؟! يجب أن يسلك الممرض وهو يَحقِن إبرةً كما يسلك أعلى طبيب في الدنيا، تعقيم دقيق، واعتناء، وبُعدٌ عن العظم، هذا لابدَّ منه. فإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فكلمة (هل أَتَاكَ)، قال عليه الصلاة والسلام: "بلى لقد أتاني".

هناك معنيان لكلمة الْغَاشِيَةِ :

 أيُّها الأخ الكريم:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 الْغَاشِيَةِ، ما هي الْغَاشِيَةِ؟ الْغَاشِيَةِ يوم القيامة، ولِمَ سُمِّيت الْغَاشِيَةِ؟ هناك معنيان لكلمة الْغَاشِيَةِ:

 

1 ـمعنى الْغَاشِيَةِ الشيء يحلُّ بأرضٍ ما :

 المعنى الأول: أن الشيء الذي يغشى بمعنى يَحُلُّ، غشيهم كربٌ: أي حلَّ بهم كربٌ، قال تعالى:

﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾

[ سورة النجم: 16]

 أي حلَّ بها و ما حلَّ من تجلِّيات، غشيَ القومَ أي نزل بديارهم، قال الخليفة المنصور لأبي حنيفةَ وقد زاره مرَّةً: يا أبا حنيفةَ لِمَ لا تتغشَّانا؟ أي زُرْنا، فأجابه أبو حنيفة: ولِمَ أتغشَّاكم وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه؟ وهل يتغشَّاكم إلاَّ من يخافكم على شيء؟ إذاً معنى الْغَاشِيَةِ: الشيء يحلُّ بأرضٍ ما، هذا المعنى الأول، أي يوم القيامة يحلُّ بالناس.

 

2 ـالمعنى الثاني هي الغشاء وهو السِّتر :

 المعنى الثاني: هي الغشاء وهو السِّتر.
 بجمع المعنيين يبدو أن يوم القيامة تُنسي الإنسان كلَّ شيء. إذا نزل واحدٌ إلى مركز المدينة، وكان يريد أنْ يسأل عن أسْعار البلاط أو كان يريد أنْ يشتري آجر، وعليه إنجاز مُعاملة بالمالِيَّة، مطْلوبٌ منه براءة ذِمَّة، أو عليه أنْ يُراجع المُختار من أجل هَوِيَّة ابنه، هذا الإنسان أصاب ولداً بالسيارة، هذه القائمة كلها تُنْسى، ويدخل في موضوعٍ آخر ما كان في باله، وموضوع كم أدفع دِيَّة هذا الغُلام؟ يا تُرى هل هناك سِجْن أمْ لا؟ وتجده ارْتَعَدَتْ فرائِصُه وتغَيَّر لَوْنه، ودخل في موضوع آخر لم يكُن في حسابه! معنى غَشِيَهُ الهَمّ أي أنْساهُ الهَمّ كل شيء حلَّ به، وكان هذا الهَمّ غِشاء له عنه لِكُلِّ شيء، أبْعَدَهُ عن كُلِّ شيء:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 لِكُلِّ واحدٍ منا بُنودٌ كثيرة، تَحْسين بَيْته، ووضعِ معاشه، وتحسين دخله، ومكانته الاجتماعِيَّة، وشِراء مَرْكبة، والذهاب إلى البلد الفُلاني، وله مشْروع شِراء فِيلَّا بالمَصْيَف، لكن إذا حلَّ يوم القيامة كلّ ما سِواها لا قيمة له، مَن مِنَ الناس يحْسب حِساباً لِهذا اليوم؟ يحسِبون لكلِّ شيءٍ حِسابه، يقول لك: هذه البضاعة يغلو ثمنه، وهذه سَتُفْقَد، ماذا عن يَوْمَ القيامة ألا ينْبغي أنْ يُحْسَبَ له كُلّ الحِساب؟!

الله تعالى لم يصِف الغاشِيَة بل وصف حالة الناس فيها وهذا من أساليب الإعْجاز البياني:

 قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 أي ألم يأتِك حديث الغاشِيَة؟ وأيضاً ما أعظم يوم الغاشية! للتعظيم، وأيضاً لقد جاءك حديث الغاشِية للتقرير:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 ربنا عز وجل لم يصِف الغاشِيَة بل وصف حالة الناس فيها، هذا من أساليب الإعْجاز البياني إذْ لم يَصِف الغاشِيَة وإنما وصف حالة الناس فيها، أوَّل شيء أنَّها تَحِلُّ، وإذا حَلَّت فلا محيص عنها، لا مهْرب ولا منْجاة، ماذا يفْعل الإنسان؟ قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾

[ سورة الانشقاق: 16]

 الحياة مراحل، يولدُ فَيَفْرح أهْله بهذا المولود، يُقيمون الدعوات والأطعمة، تأتيهم الهدايا، يمْشي فيفْرحون بِمَشْيِهِ، تظهر أسنانه وبعدها يتكلَّم ثمّ يدخل المدرسة، ويتخرّج منها، ويدْخُل الإعْدادي، يتخرَّج منها ويدْخل الثانوي، ويتخَرَّج ويدْخل الجامعة ثمّ يتخَرّج، يبْحثون له عن عيادة إنْ كان طبيباً، أو عن مكْتب إنْ كان مُهندساً، أو عن مكْتبٍ إن كان مُحامِياً، يُصْبِحُ مُحامِياً، ويصبح من الذين لَدَيْهم بطاقة زِيارة للعيادة للشُّهْرة، إنْ كان قاضياً وإن كان تاجِراً ثمَّ يتزوَّج لأن هذا من حاجَتِهِ، يتحَققُ طموحه في الحياة، يُنْجِبُ أوْلاداً ويدْخل في عالم ثاني ترْبِيَتهم وتعْليمهم، ثمَّ يكْبرُ أوْلاده ويتزَوَّجوا، ويُزَوِّج بناته، ويسْأل عن الصِّهْر، ثمَّ يكْبر سِنُّه وتُصبح معه أعْراض، فإذا به يُنْعى في الطُّرقات قال تعالى:

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾

[ سورة الانشقاق: 19]

 ولا يبْقى إلا العمل الصالح، ماذا أكَلْتَ؟ وماذا صنعْتَ؟ وما لبِسْت؟ كان بيْتُكَ عالِياً أو سافِلاً؟ كبيراً أم صغيراً؟ كِسْوَتُهُ عالِيَّة أمْ درجة ثانِيَّة؟ عندك سيارة فَخْمة صغيرة أمْ كبيرة؟ لن يبْقَى إلا العمل الصالح! فالإنسان الذكيّ والمُوَفَّق هو الذي يُعْنى بالعمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

الحياة كلُّها مراحل وآخر مرحلة الموت :

 قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 هذه آخرُ مرحلة، والحياة كلُّها مراحل، يتقاعد وهي آخر مناسبة في حياته ثمَّ الموت، آخر مُناسبة الموت، ثمّ يوم القيامة هذه لا بدّ أنْ نصِلَ إليها جميعاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول فيما روي عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّه))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ]

 إنَّ أكْيَسَكم أكثركم للموت ذِكْراً، وأحزمكم أشَدَّكم اسْتِعْداداً له، ألا إنَّ من علامات العقل التجافي عن دار الغُرور، والإنابة إلى دار الخُلود، والتّزوُّد لِسُكْنى القُبور، والتَّأهُبَّ لِيَوْم النُّشور،
 سُئِلَت السيّدة رابعة العَدَوِيَّة: ما الإنسان؟ فقالت: هو بِضْعَةُ أيام، كلما انْقضى منه يومٌ انْقضى بِضْع منه:

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾

 تغْشى الناس، قال تعالى:

﴿ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[سورة الدخان: 11]

 هذا من معاني الغاشِيَة، تُغَشِّيهم عن كُلِّ شيء، أيْ تسْتُرُهُم عن كُلِّ شيء، وبالحياة اليَوْمِيَّة هناك مصائِبٌ تُنْسي الإنسان كُلَّ شيء.

الحكمة من اخْتيار الله عز وجل الوَجْهَ وعدم اخْتيار اليَدَيْن :

 

 قال تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾

 لِمَ اخْتار الله عز وجل الوَجْهَ ولم يخْتَر اليَدَيْن؟! لأنَّ أحْوال النفْس كُلِّها تنْطبعُ على الوَجْه، لو نظرْتَ لِيَدِ إنْسانٍ خائِف، لا تجد شيئاً، اُنْظر لِيَد إنْسانٍ حاقِدٍ، لا شيءَ عليها أما لو نظرْتَ في وَجْهِهِ لرأيْتَ السُّمَّ! الخوف يبْدو في الوجه، وكذا الشَّفَقَة والمكْر والخِداع والسُّخْرِيَة والكِبْر والإعْجاب والحِقْد والتشَفَّي والمحَبَّة، كُلُّ أحْوال النفْس تنْطبع على وَجْه الإنسان لذلك لو أنَّ الوَجْهَ الحَسَنَ رَجُلٌ لكان رَجُلاً صالحاً:

((اِبْتَغوا الخير عند حِسان الوُجوه))

[ابن أبى الدنيا والدارقطني عن أبى هريرة]

((اتَّقوا فِراسة المؤمن فإنَّهُ ينظر بِنور الله))

[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 وينطق بِتَوْفيق الله. فربنا عز وجل اِخْتار من الإنسان وَجهه، لذلك الوجه هو وَجْهُ النفْس أي هو تعبير عما في النفْس من اِنفِعالات ومشاعر. لذلك كرَّمَ الله عز وجل الإنسان بِالوَجْه فقال عليه الصلاة والسلام: فيما ثبت عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

(( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ))

[مسلم عَنْ جَابِرٍ ]

 خَاشِعَةٌ، الخُشوع في اللغة السكون، قال عليه الصلاة والسلام وقد نظر إلى إنْسانٍ يُصلي وهو كثير الحَرَكة:

(( لو خشع قلبُ هذا لَخَشَعَتْ جوارِحُهُ))

[أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث أبي هريرة بسند ضعيف]

 بِمَعْنى لَسَكَنَتْ جوارحه. فالخُشوع هو السكون، لكنَّ السكون في هذه الآية بِسَبَبِ الذلّ والخِزْيِ والعار، إذا نظرْتَ إلى مُجْرِم، تجده يضعُ بصره في الأرض، ويسْكُنُ، أما البريء عَيْناهُ زِئبِقِيَّتان تتحرَّكُ يَمْنةً ويسْرة، ووجْهُهُ طافِحٌ بالبِشْر، وعلى فَمِه اِبْتِسامة ويتحرَّكُ بِحُرِّيَّة، لكنَّ الذليل المُجْرم الذي اقْتَرَفَ الإثم، ووقع في الفضيحة تراهُ خاشِعاً، لا خُشوعَ الخُشوعِ! ولكن خُشوع الخِزْي والعار، أيْ السُّكون.

كلُّ ما في الكون خلقه الله من أجلنا :

 قال تعالى:

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ *وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾

 لو أحْسنَ شخْصٌ لآخر ثمَّ خانه، يكْفي أنْ ينظر إليه فلا يسْتطيع هذا الخائِن أنْ ينظر إليه، تراهُ يتلافى النظر إلى وَجْهِهِ! يضعُ بصره إلى الأرض. خلَقْتُ لك ما في الكون من أجلك لِمَ عَصَيْتني؟

(( إنِّي والإنس والجِنّ في نبأ عظيم أخْلُقُ ويُعْبدُ غيري! وأرزُقُ ويُشْكرُ سِواي! خيري إلى العِباد نازل، وشَرُّهُم إليَّ صاعد! أتودد إليهم برحمتي، وأنا الغني عنهم! ويتبغضون إلي بالمعاصي، وهم أفقر ما يكونون إلي!))

[رواه البيهقي والحكيم الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

 كلُّ ما في الكون من أجلك قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾

[ سورة لقمان: 20 ]

 وقال تعالى:

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 5 ]

نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى وموقف الكفار منها يوم القيامة موقف الخزي والعار:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[سورة الروم: 21]

 الزوجة تَوَدُّدٌ من الله إليك، والأولاد الذين في البيت تَوَدُّدٌ من الله إليك، وهذا الشراب العذبُ الفُرات الذي ساقهُ الله سحاباً ونزل أمْطاراً، واسْتَوْدَعَتْهُ الجبال، وخرج ينابيع وساقه الله إليك، وما أنت له بِخازِنٍ هكذا قال الله عز وجل:

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

[سورة الحجر: 21]

 هذه الأزهار خُلِقَت لِمَن؟ وهذه الطيور خُلِقَت لِمَن؟ هذه الأشياء الجميلة خُلِقَت لِمَن؟ قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

 عندما يكون الإنسان في الدنيا وكأنَّهُ نائِم، الناسُ نِيامٌ إذا ماتوا انْتَبهوا. يكون في الدنيا غافِلاً، في سَكْرة الشهوات، فإذا جاء الموت اِسْتَيْقظ قائِلاً: ماذا فعَلْتُ بِنَفْسي؟! خُلِقْتُ في الدنيا كي أعْرف الله فما عَرَفْتُهُ، وكي أعْمل صالحاً فما فعلتُ، وكي أسْتقيم على أمْره فما اسْتَقَمْتُ على أمْره، هذا المَوْقف، مَوْقِفُ الخِزْي والعار لا يحْتملُهُ الإنسان، إحْسانٌ من الله مُنْقطع النظير، وجُحود من الإنسانٌ مُنْقطع النظير!! ما المَوْقفُ؟!!

المُجْرم وَجْهُهُ خاشِع يوم القيامة خُشوع الذلّ والندم والعار :

 

 قال تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴾

 خُشوع الذلّ والندم والعار:

﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾

 كنت عند قاضٍ صديقٍ لي، وقف الأشْخاص الذين سوفَ يُحَقِّقُ معهم واحداً تِلْوَ الآخر، فما كان من أحدٍ منهم إلا وعلى وَجْهِهِ كآبَة وغَبَرة ونظرُهُ في الأرض إلى أنْ دخل إلى الغُرْفَةَ شابٌ ولكن وضْعٌ آخر، وجْهٌ طافِحٌ بالبِشْر، وواثِقٌ من نفْسه فقلْتُ في نفْسي: لا شكَّ أنَّ هذا الشاب ليس مُتَّهَماً ولا علاقة له بِهؤلاء المُتَّهَمين، فلما وصل إليه سأله: هل كان تصْليح الساعة جيِّداً؟ فَعَرِفْتُ أنَّهُ كان مُكَلَّفاً بِتَصْليح ساعته! لأنَّهُ بريء. فالمُجْرم وَجْهُهُ خاشِع يوم القيامة، أما المؤمن كما قال تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ*لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾

في الآية التالية معانٍ كثيرة :

 قال تعالى:

﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾

 في هذه الآية معانٍ كثيرة:

 

1 ـمعْناها الأول عاملةٌ ناصِبَةٌ في الدنيا والمرْدود لا شيءَ في الآخرة :

 عامِلَةٌ في الدنيا، عمِلَ عمَلاً لا قيمة له وضع كُلَّ طاقاته في الدنيا فجاء الموت فإذا هو صِفْر اليَدَيْن، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾

[ سورة الكهف:103]

 وقال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 هو في خُسْرٍ ولو كان معه ألف مليون، ولو عنده معْمل ناجح جداً بِضاعَتُهُ رائِجَة، ودخْلٌ كبير، وهو في خُسْرٍ ولو كان مُوَفَّقاً في زواجِهِ لا بدّ من يومٍ تُفارق فيه زوْجَتَك، في خُسْرٍ ولو كان ذا مكانةٍ اجْتماعِيَّة فلا بدَّ من يومٍ تُفارق هذه المكانة، إنَّ الإنسان لفي خُسْرٍ ولو كان بيْتُهُ جميلاً، لابد من يومٍ تُغادِرُهُ أُفُقِياً، تدخله قائِماً وتخْرُجُه قائِماً إلا مرَّةً واحدة تخْرج منه أُفُقِياً ولا تعود إليه، ألَيْسَ هذا حقاًّ؟ إذاً كما قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 فقوله تعالى:

﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾

 عاملةٌ اِنْغَمَسَ في الدنيا حتى أُذنيه، أما هذا العمل لا علاقة له بالآخرة، ولما جاء الموت رأى نفسه صِفْر اليدين، لو أنَّ الواحد اشْتَغَل عشر سنوات بالأعْمال الشاقة حتى جَمَّع مئتين أو ثلاثمئة ألف ليرة، ثمَّ وجد أنَّ هذه العُمْلة كُلُّها مُزَوَّرة! بماذا يُحِسّ؟ هذا الشعور سماه العلماء الإحْباط، وهذا ادّخر مالاً حتى اشْترى بيْتاً ووقع عقْداً فإذا بِبَائع البيت لا يمْلكه، ماذا يُحِسّ الإنسان بهذه الخسارة التي ألمَّتْ به؟ أوَّلُ معنى عاملة في الدنيا ناصِبَةٌ في الدنيا بذل جُهْداً شاقاً يقول الله عز وجل في الحديث القدْسي:

(( عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك في كل حين، لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً ))

[ورد في الأثر]

 ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفْنيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تصَدَّقْتَ فأبْقَيْتَ، وما سوى ذلك ليس لك، مُحاسَبٌ عليه كيف اِكْتَسَبْتَهُ وفيهم أنْفَقْتَهُ.
 (عَامِلَةٌ ناصِبَة) معْناها الأول: غارِقَةٌ في الدنيا في أعْمالٍ مُضْنِيَة، وهي تركض وراء أملٍ كالسراب عَمِلَتْ وتعِبَتْ، ولا مرْدود لهذا العمل ولا لِهذا التَّعَب وجاءَها الموت وهي صِفْر اليَدَيْن، ورأتْ مصيرها إلى النار، وقالتْ كما في قوله تعالى:

﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ*هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ*خُذُوهُ فَغُلُّوهُ*ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ*ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ*إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ*وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ*فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ*وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ*لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئـُونَ ﴾

[سورة الحاقة: 28-37]

 وقال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾

[ سورة الفرقان: 27]

2 ـالمعنى الثاني عامِلَةٌ في الدنيا شَقِيَّةٌ في الآخرة :

 المعنى الثاني، عامِلَةٌ في الدنيا، ناصِبَةٌ في الآخرة، أيْ شَقِيَّةٌ في الآخرة قال عليه الصلاة والسلام:

(( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة))

[ السيوطي عن أبي البحير]

 الدنيا ليْسَت مِقْياساً، إنَّ الله يُعْطي الدنيا لِمَنْ يُحِبّ ومن لا يُحِبّ، والآخرة لا يُعْطيها إلا من يُحِبّ، لو أنَّ الدنيا تعْدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً منها شَرْبَةَ ماء.

 

3 ـالمعنى الثالث عامِلَةٌ في الدنيا مَنْصوبٌ عملها يوم القيامة أمام عَيْنَيْها :

 المعْنى الثالث: عامِلَةٌ في الدنيا مَنْصوبٌ عملها يوم القيامة أمام عَيْنَيْها، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

[ سورة الإسراء:14]

 هذه هي أعْمالك، لا يوجد فلْسَفَة ولا تبريرات، قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة يس: 65]

 الإنسان في الدنيا يتَفَلْسَف ويكون ممن اقْتَرَفَ آثاماً كبيرة، قَصَدْتُ كذا وكذا، أما في الآخرة فالواقع غير هذا، وتَزْوير الحقائِق غير مَوْجود، والتكلَّم بِخلاف الواقع غير موجود، كُلُّ هذا غير موجود، قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة يس:65]

 عاملةٌ ناصِبَةٌ في الدنيا والمرْدود لا شيءَ في الآخرة، عاملةٌ في الدنيا شَقِيَّةٌ في الآخرة، ويُنْصَبُ عملها يوم القيامة أمامها ويُقالُ لها: اقرأْ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً.

الأمور ليسَتْ بِأشْكالها ولا بِظَواهِرِها ولا بالكلام ولكن بالعمل :

 قال تعالى:

﴿ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً ﴾

 سبحان الله، الإنسان إذا كان بيده الحلُّ والعقد كما يقولون إذا قال كلمة يصدِّقها الناس، وإذا سرَّب حقيقة شاع هذا الخبر في الناس فترتفع الأسعار أو تهبط، إنهم يُصدِّقون كلام البشر والله سبحانه وتعالى خالق البشر، خالق الكون، رافع السماء بلا عمد، من بيده ملكوتُ كلِّ شيء؟ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً، منْ مِنَ الناس يُصدِّق هذا الكلام حقيقة؟ ما من مسلم على الأرض إلاَّ‍‍ ويقول: صدق الله العظيم، ولكن على مستوى الواقع منْ مِنَ الناس يُصدِّق هذا الوعيد من الله عز وجل وينتهي عن المعاصي ويقول: إني أخاف الله رب العالمين، مَنْ مِنَ الناس من يترك صفقةً فيها شُبهة ويقول إني أخاف الله رب العالمين، منْ منَ الناس يترك امرأةً لا تُرضي الله عز وجل، ويقول إني أخاف الله رب العالمين، مَن من الناس يترك بيتاً فخماً لشبهة الربا ويقول إني أخاف الله رب العالمين، مَن من الناس من يستغني عن مبلغ كبير لأن كسبه ليس حلالاً ويقول إني أخاف الله رب العالمين، هذا هو الواقع، أما أن تقول هذا حق فهذا كلام بكلام والأعمال هي التي تنطق وأما الأقوال فلا قيمة لها، قل ما شئتَ وتعلَّموا ما شئتم فو الله لن تُؤْجَروا حتى تعملوا بما علمتم، كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، منْ مِنَ الناس يصدِّق هذا الكلام؛ تقول صدق الله العظيم، فهل أنت مصدق فعلاً بهذا الكلام، علامة تصديقك لهذا الكلام أن تنتهيَ عن كل معصية نهى الله عنها قولاً واحداً، فالواحد لا يلبِّسْ على نفسه، هناك كتاب اسمه تلبيس إبليس، لا يتوهَّم الواحد أنه تقيٌّ وفي بيته معاصٍ كثيرة، لا يتوهَّم أنه مؤمن بالآخرة وهو لا يعمل لها، ولا يتوهم أنه يخاف من جهنم وهو في طريقها، قد يقول قائل: أعوذ بالله من عذاب جهنم! وهو يسير في طريقها، وقد يقول قائل: اللهم ارْزقْنا الجنَّة ويسير في طريق مُعاكِسٍ لها، وقد يقول قائِلٌ إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين، وهو لا يخافه عَمَلِيّاً فالأمور ليسَتْ بِأشْكالها ولا بِظَواهِرِها ولا بالكلام ولكن بالعمل، الصحابة عملوا ففتحوا الأرض، ونحن اِكْتَفَيْنا بالكلام وليْسَتْ كلمتنا هي العُليا.

إذا لم يُدافع الله عن العبد فهذا علامة عدم الإيمان من ذاك الشخْص :

 قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هذا وعْدٌ إلهي:

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء: 87 ]

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾

[ سورة التوبة: 111 ]

 هناك اِحْتمالان: أما هؤلاء الذين وعدهم الله لم يُنَفِّدوا ما عليهم من طاعَةٍ لله، هذا الاحْتمال الصحيح الوحيد، أما أنْ يبْطُل وعْد الله فَهُوَ شيءٌ مُستحيل، زوال الكون أهْون على الله من أنْ لا يَفِيَ بِوَعْدِهِ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحج: 38 ]

 فإذا لم يُدافع الله عن العبد فهذا علامة عدم الإيمان من ذاك الشخْص. قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 انْظر إلى هذا الإدِّعاء! الإمام الشافعي رحمه الله اِسْتنبط من هذه الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُعَذِّبُ أحْبابه، لو أنَّهم صادِقون في دَعْواهم لما عَذَّبهم الله عز وجل.

وُعود الله تعالى مُحَقَّقة مئة بالمئة فاسْعَ أنْ تكون أهْلاً لها :

 قال تعالى:

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

[سورة النمل: 79 ]

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾

[سورة يونس: 9 ]

 وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[سورة الحج: 38 ]

 وقال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 وقال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 هذه هي وُعود الله عز وجل، فالإنسان يحْتاج إلى أنْ يكون أهْلاً لِهذه الوُعود قال تعالى:

﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 27]

 وُعود الله تعالى مُحَقَّقة مئة بالمئة، فاسْعَ أنْ تكون أهْلاً لها واقْطِفِ الثِّمار.

موقف الذين تركوا طاعة الله في الدنيا يوم القيامة :

 قال تعالى:

﴿ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾

 العَيْنُ الآنِيَة: هي التي بلغتْ حرارتها الأَوْج، أوْ أنَّ الذي يُسقى منها لا يستطيع اِحْتِمالها إلا آناً يسيراً، أو أنَّهُ يشْربها مُتَأَنِّياً من شِدَّة حرارتها، أو أنه لا يحْتملها إلا آناً قصيراً، أو أنها بلغت النِّهاية في الحرارة، ثمَّ قال تعالى:

﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾

 شَوْكٌ ينْبتُ في الصحْراء لا تسْتسيغُهُ الإبل لِشِدَّة قَسْوَتِهِ ومرارَتِه، هذه صورةٌ مُنْتَزَعَة من الصحْراء تقْريباً للأذْهان، هذا طعامهم وهذا هو شرابهم وذاك هو مكانُ إقامَتِهِم، ثمَّ قال تعالى:

﴿ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾

 لا يَسُدُّ الجوع ولا يُنَمِّي صِحَّة الإنْسان، هؤلاء الذين تركوا طاعة الله في الدنيا، وقالوا: إلى حين ذاك المَوْعِد يُفْرِجُها الله، وهذا الدِّين مضى وَقْتُهُ، ومن قال لك أنَّ هناك آخرة، هل خرج واحِدٌ ميِّت وقال لك: هناك آخرة، وهؤلاء الذين قالوا في الدنيا: الله لن يُحاسِبَ أحداً، وهل يُعْقل أنَّ هذا الإله العظيم يُحاسب هؤلاء البشر؟ كُلُّهُم مُذْنِبون، هؤلاء الذين قالوا: نحن نفْعل ما نشاء، والنبي عليه الصلاة والسلام يسْجد تحت العَرْش ولا يرْفعُ رأسهُ حتى يُدْخِلَ الله كُلَّ أُمَّتِهِ الجنَّة، إنَّ القائل لِكُلِّ هذا مَوْقِفُهُم يوم القيامة:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ*عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ*تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً*تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ*لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ*لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾

موقف المؤمن الذي كان في الدنيا خائِفاً من عذاب الله ومن معْصِيَة الله :

 القرآن الكريم يذكر كُلَّ الفئات، لذاَ قال الله بعد هذا:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴾

 كان مُسْتقيماً في الدنيا، قال تعالى:

﴿ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات: 16]

 قال تعالى:

﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 17]

 وقال تعالى:

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة:24]

 هذا هو الذي كان في الدنيا خائِفاً من عذاب الله، ومن معْصِيَة الله، وقد يسْخر عليه بعض الناس.

صور من القرآن الكريم عن أحوال الكفار يوم القيامة :

 قال تعالى:

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون:104]

 وقال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ*قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ*رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ*قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي*إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ*فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ*إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون:105-111]

 بعد هذا الوصف قال تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115]

الفَوْز العظيم أنْ تصِلَ إلى يوم القيامة سليماً مُعافى من عذاب الله عز وجل :

 فقوله تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴾

 هذا هو الفوْزُ العظيم، يقول الإمام عَلِيٌّ كَرَّمَ الله وجْهه: الغِنى والفقْر بعد العَرْض على الله، قال تعالى:

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب:71]

 هذا هو الفَوْز العظيم والذكاء والنجاح والفلاح والتَّفَوُّق والتَّوْفيق والعقْل، أنْ تصِلَ إلى هذا اليوم سليماً مُعافى من عذاب الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران:185]

وجْهُ المؤمن كالكَوْكب الدُّرِيّ :

 ثمَّ قال تعالى:

﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾

 المؤمن له سَعْيٌ في الدنيا، صَلَّيْنا وصُمْنا واشْتَغَلْنا ورَبِحْنا وسكنَّا بِبُيوتٍ وتنَزَّهْنا، لك سَعْيٌ كبير بالدنيا، أين سَعْيُك ومُؤاثرتك وعملك الصالح والمال الذي بذَلْتَهُ في سبيل الله؟ والوقت الذي صَرَفْتَهُ في طاعة الله؟ وأين الأمر بالمعْروف والنهيُ عن المُنكر؟ أين معاونة الضعيف؟ أين بِرُّ الوالِدَين؟ وعيادة المريض؟ وصحبة الأكارم وأهل الحق؟ أين حُضور مجالس العِلم؟ تجدهُ لِسَبَبٍ تافِهٍ يقول لك: والله لا وقْتَ عندي! لماذا وُجوهٌ يومئِذٍ ناعمة؟ لِسَعْيِها راضِيَة، هذا الوَجْهُ الناعم والمُتألِّق والوضيء المُشرِق، سَبَبُهُ أنَّ صاحبهُ كانَ مُستقيماً وكان عملهُ صالِحاً، أقْبل على الله فَسَعِدَ بِقُرْبه فتألَّقَ وَجْهُهُ قال تعالى:

﴿ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾

[سورة الفتح: 29]

 وجْهُ المؤمن كالكَوْكب الدُّرِيّ، قال تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة: 22-23]

عَلامة المؤمن أنه في نفسه صغير وفي عَيْن الناس كبير :

 قال تعالى:

﴿ فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 11]

 وجْهُ المؤمن في الدنيا مُتألِّق ومُنير ومُشْرق، تعْرفهم بِسيماهم:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾

 قد يرْضى الناس عنك ولا ترْضى عن نفْسك، وقد لا يرْضى الناس عنك ولكنَّك ترْضى عن عملك الصالح، فأنت مع السعداء، لذلك عَلامة المؤمن أنه في نفسه صغير وفي عَيْن الناس كبير، أما الكافر ففي نفس الناس صغير وفي نفْسه كبير، قال تعالى:

﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[ سورة الكهف: 104-105]

 هم صغارٌ عند الله، لأَنْ يسْقُط الإنسانُ من السماء إلى الأرض فَتَنْكَسِرَ أضْلاعُهُ أَهْوَنُ من أن يسْقط من عَيْن الله.

أكبر عَدُوّ للإنسان هو الجهل لأنَّهُ يدْفع الثمَنَ باهِظاً :

 ذكر لي أخٌ قِصَّة، أنَّ بَدَوِياًّ معه حُجَّةَ لأرْضٍ فجاء للمدينة والْتقى بِمَكْتب عقاري وقال: أريد أنْ أبيع هذه الأرض، فصاحب المحلّ بِأُسلوبٍ ذَكِيّ أوْهَمَهُ أنَّ هذه أرْضٌ لا قيمة لها، وبِصُعوبَةٍ حتى أقْنَعَهُم بِبَيْعِها بِثَمَنٍ بخْسٍ، فقال: مئة وخمْسين ألف رِيال، وهي ثمنها مليون ونِصْف!! شيدوا بناءً على هذه الأرض بِثلاثة وعشرين طابقاً كانوا شُركاء ثلاثة، الشريك الأوّل وقع من أعْلى طابق إلى الأرض فجاء هشيماً، الشريك الثاني رَكِبَ سيارَتَهُ وعمل حادِثاً أخْرجوه قِطَعاً من سيارته، الشريك الثالث رأى مصير شريكَيْه بِعَيْنَيْه وعرف أنَّ هذا المصير بِسَبَبِ هذا الخِداع فَبَقِيَ يبْحث عن هذا البدوي شهْراً بِكامله إلى أنْ وصل إليه وقال: خُذْ خمسمئة ألف رِيال وسامِحْني فهذا حَقُّك، وأنت مُسامحْ بالخَمْسين ألف التي هي حِصَّتي فقال له: والله لو لم تسارع بِهذا لكُنْتَ مثل أصْحابك!! الله عز وجل عِقابه أليم وشديد، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج:12]

 إذا جاءك طِفْلٌ صغير وكنتَ بائع لحْم، المؤمن يرى أنَّ الله ينظر إليه، التجار يقولون لك: هذا زبونٌ غشيم! ألْبِسْهُ هذه، هو بهذا يبيعُ الهَمّ، عِلْمُك أنَّ الله تعالى عقابه شديد حينها تَرْتَدِع، أكبر عَدُوّ للإنسان هو الجهل لأنَّهُ يدْفع الثمَنَ باهِظاً:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾

 ولو كان دخْلُكَ مُتواضِعاً، ولو كان بيْتُك مُتواضِعاً، إذا كنت راضياً عن سَعْيِكَ فأنت أسْعد الناس، ولو كان بيْتُك ضَخْماً ودخْلُكَ كبيراً من طريقٍ غير مشْروع كنت غير راضٍ عن نفْسِك، لأنّك مُنْهارٌ داخِلِياًّ، وبك اخْتِلال توازن مما يجْعَلُك شَقِيّاً رغْمَ كثْرة المال.

العِبْرة أنْ تعْرف النفْسُ أنَّها مُسْتقيمة على أمر الله :

 العِبْرة أنْ تعْرف النفْسُ أنَّها مُسْتقيمة وأنَّ مالها حلال، وأنَّها لمْ تبْني مجْدها على أنقاض الآخرين، ولا غِناها على فقْرِهِم، ولا أمْنها على قَلَقِهم، ولا حياتها على مَوْتِهم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول:

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن عبد الله بن عمر]

 فما قَوْلك بِما هو فَوْقَ الهِرَّة؟! إذا كان النبيّ الكريم سليمان عليه السلَّام لا يدوسُ على نمْلة فما قَوْلُك بِما فوْقَ النَّمْلة؟ قال تعالى:

﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة النمل:18]

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾

 درجةٌ ممتازة، أعْلى نوعٍ، كلامُ الله ربِّ العالمين، فيها ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر قال تعالى:

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة السجدة:17]

وصف للجنة :

 ثمَّ قال تعالى:

﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾

 الكلام البذيء غير موجود، مُناقشاتٌ فارغة غير موجود، ومُشاحنات غير موجودة، ودَجَلٌ غير موجود:

﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾

 لو أنَّ شخْصاً سمعَ كلاماً غير منْطِقي وغير واقِعي يقول لك: اِنْهَزَّ بدني الكلامُ المُزَوَّر والباطل والدَّجَل، هذا مما يهُزُّ الأعْصاب، من صِفات الجنَّة أنَّك لا تسْمع فيها لاغِيَة، كلامٌ باطِل ولاغٍ لا تسْمعه، ثمَّ قال تعالى:

﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾

 عُيونٌ من الماء الرَّقْراقة والجميلة، ثمَّ قال تعالى:

﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴾

 السُّرُر جمْعُ سرير، مُرْتفعة وقال بعض المُفسِّرين: إذا أردتَ الصعود عليها تهْبط لِعِنْدك، تجْلس عليها ثمَّ ترْتفع، ثمَّ قال تعالى:

﴿ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴾

 أكْلٌ جاهِز، ولا يحْتاج لإعْداد، ثمَّ قال تعالى:

﴿ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴾

 هذه الوسائد المُريحة من الريش، كُلُّها جاهِزة، ثمَّ قال تعالى:

﴿ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾

 أيْ أفخر أنواع السجاد، أحْياناً ترى سجادة تأخذ العقل ألوانها متناسقة وبراقة ومُتألِّقَة.