الترغيب والترهيب - الدرس : 069 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في قول لا إله إلا الله وما جاء في فضلها -3

1997-08-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الحديث التالي يبعد التشاؤم عن قلب كل مسلم:

 رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَن قالَ لا إِلهَ إِلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمْدُ وهوَ على كل شيء قَدير عشر مرات كان كمن أَعتقَ أربعَ أَنْفُسٍ من ولدِ إِسماعيل ))

[ متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري]

  أيها الأخوة، هناك في العالم أحداث ومشكلات تدعُو إلى التشاؤم، ولكنك إذا قرأت هذا الحديث، وقرأت هذا الذكر قراءة واعية، وفهمت أبعاد هذه الكلمات التي قالها النبي لا يمكن أن يكون هناك تشاؤم، لماذا ؟ لأن الله قوي، بيده كل شيء، ويحمد على كل شيء.
 إذاً: كل ما يحدث خير، هذا الحديث إذا فُهم فهماً دقيقاً لا يبقى في القلب تشاؤم ولا قلق، ولا خوف، مع أن الأمور مزعجة، كوارث، فيضانات، وحروب أهلية.

﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

( سورة التغابن الآية: 1)

﴿ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة الحديد )

 المشكلة أن الناس حينما يفهمون الدنيا على أنها دار قرار، الحقيقة ليست دار قرار، هي دار ابتلاء، هي ممر وليست مقراً، هي دار عمل وليست دار جزاء، هي دار تكليف لا دار تشريف، إن فهمت حقيقة الدنيا، ترى أن الله يعالج عباده، فتقنين الله عز وجل ليس تقنين عجز إنما هو تقنين تأديب، فكل شيء خلقه الله لصالح المؤمن، لصالح أن يعرف الإنسان الله عز وجل، فالإنسان مكرم.

 

لا يوجد جهة في الكون لها إرادة مستقلة عن إرادة الله فالأمر كله بيد الله:

 

 هناك آية قرآنية تجعل الإنسان في حيرة كبيرة، يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾

( سورة الشورى )

 فالمنطق يقول: إذاً هذه صارت إلي , بيد من كانت قبله ؟ ما معنى هذه الآية ؟ إذا كانت بالأساس بيده , الآن قال: ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾، قال العلماء حول هذه الآية: إن أهل الدنيا الشاردون يرون الأمور بيد زيد , أو عبيد، هؤلاء الأقوياء في العالم يتوهم الشاردون عن الله عز وجل، يتوهم الجاهلون، أن الأمر بيدهم , أو أن الحروب الكبرى بيدهم، أو أن إنهاء العالم بيدهم، يؤكد هذا المعنى قول الله عز وجل:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾

( سورة يونس الآية: 24 )

  أي هذه القوى في العالم كيف تتداعى كما يتداعى بيت العنكبوت ؟ أمة قليلة جداً لا يزيد مقاتلوها عن مئتي ألف يرغمون أنف ثاني أقوى قوة في العالم، كيف يحصل هذا ؟ لأن الله هو القوي، إذا منح قوته لفئة تنتصر رغم أنف كل التفوق العلمي.

 لذلك الله عز وجل قال ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ بنظر الشاردين الأمور كانت بيد فلان أو فلان، يوم القيامة تبدو لكل الخلق أنها بيده، أما المؤمن في الدنيا وهو في الدنيا يرى أن الأمر كله بيد الله، هذا الإيمان أساساً، لا يوجد جهة قوية مع الله عز وجل، لا يوجد متحرك مع الله، لا يوجد مريد مع الله، لا يوجد جهة في الكون لها إرادة مستقلة عن إرادة الله، الأمر كله بيده.
 أحياناً إنسان يسأل: من أصبح مدير المستشفى ؟ يقال له: فلان، يقول: كيف حاله ؟ بيد من ؟ ما أخلاقه ؟ ربنا عز وجل يريد أن يطمئننا، قال:

(( من قال لا إِلهَ إِلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمْدُ ))

[ متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري]

 الأمر بيده، ويحمد على كل شيء , فأي إنسان يتشاءم بعد هذا الذكر ؟ يخاف ؟ يقلق ؟ لا يفهم ما يقرأ ؟، وهذا يقرأه بعد الصلاة عشر مرات، لكن أحياناً الإنسان إذا ردد كلمات ولم يقف عند مضمونها يكون قد غاب عنه أثمن ما فيها.

الإنسان لا يتعلق إلا بجهة بقدر ما هي قوية بقدر ما هي كاملة:

 كما قال رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

(( مَن قالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ـأهم شيء بالكلام لَهُ المُلكُ، ولَهُ الحَمْدُ ))

  أحياناً تجد شخصاً قلبك يحبه لكنه ضعيف , وأحياناً ترى إنساناً قوياً لكنك لا تحبه، قوي لكنه ليس أخلاقياً , وقد تجد أخلاقياً ليس قوياً، الحقيقة الإنسان لا ينشد إلا إلى جهة بقدر ما هي قوية بقدر ما هي كاملةٌ.
 لذلك من هو الله ؟ الذات الكاملة، الذات , وجوده ذاتي، لا يحتاج في وجوده إلى شيء، يستغني عن كل الخلق، كل شيء يحتاجه في كل شيء , وهو غني عن كل شيء، ذات كاملة، قال:

 

(( وهوَ على كل شيء قَدير ))

  إنسان معه ورم خبيث، الله عز وجل قدير أن يشفيه , وهناك آلاف الحالات من الدرجة الخامسة , ولا يوجد أمل إطلاقاً الله عز وجل نظر له بالشفاء.
 أخ من أخواننا الكرام، صار مع ابنه مرض حالات شفائه بالمليون واحد، يبدو أن الدعاء كان محكماً، والتوكل كان شديداً , والإنابة كانت رائعة، سألته البارحة قال لي: بأعلى درجات الصحة، الله عز وجل صرف عنه هذا المرض، أي الاحتمال كان نادراً جداً، إذاً لم يعد هناك داع لأن تخاف، أو تتشاءم، أو توجل.

 

 

(( لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمْدُ ))

  بقدر ما هو قوي بقدر ما هو كامل.

 

 

(( كان كمن أَعتقَ أربعَ أَنْفُسٍ من ولدِ إِسماعيل ))

 

[ متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري]

  وإذا قلنا متفقاً عليه أي أعلى درجة من درجات الصحة، اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم.

 

من ذكر الله عز وجل ينبغي أن يذكره بقلب خاشع و حاضر:

 

  و عن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( قَالَ عَبْدٌ قَطُّ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُالِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مُخلصًا بِهَا رُوحُهُ مُصَدِّقًا بِهَا قَلْبُهُ لِسَانَهُ إِلاَّ فُتِقَ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يَنْظُرَ اللَّهُ إِلَى قَائِلِهَا وَحُقَّ لِعَبْدٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ ))

[ النسائي عن يعقوب بن عاصم].

 أي أنت اجعل همك الواحد أن تطيعه، ودع له كل شيء، لا تقلق، بأي مكان، بأي زمان، بأي وضع، بأي صعوبة، بأي أزمة، بأي ضائقة، بأي مشكلة، بأي رعب عام.

 

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

 

[ ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]

(( اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها ))

[ أخرجه ابن عدي والديلمي عن أنس ]

(( من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ))

[ ابن حبان عن عائشة]

((مُخلصًا بِهَا رُوحُهُ مُصَدِّقًا بِهَا قَلْبُهُ لِسَانَهُ إِلاَّ فُتِقَ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يَنْظُرَ اللَّهُ إِلَى قَائِلِهَا وَحُقَّ لِعَبْدٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ ))

[ النسائي عن يعقوب بن عاصم]

  لذلك الإنسان أيها الأخوة، إذا ذكر الله ينبغي أن يذكر الله بقلب خاشع، وبقلب حاضر، ذكر اللسان وحده لا يكفي، مع أنه أفضل من عدم الذكر، و الإنسان إذا ذكر بلسانه أفضل ألف مرة من ألا يذكر، أما نقول له: الأولى أن يذكر الله عز وجل وقلبه حاضر، وقلبه خاشع، حتى يكون الذكر أعلى درجات العبادة.
 نحن في باب الذكر، هذه أذكار النبي، فالمؤمن الصادق يقلد النبي، ويقتفي أثره في أذكاره:

 

(( لا إِلهَ إِلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمْدُ يحي ويميت وهوَ على كل شيء قَدير عشر مرات ))

 

[ متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري]

 فإذا قالها الإنسان في أثناء الذكر الجماعي، أو الفردي، قالها بإخلاص، وبقلب حاضر، وبلسان ذاكر، كانت هذه الكلمات نجاة له من النار.