الترغيب والترهيب - الدرس : 065 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى والترهيب من أن يجلس الإنسان مجلسا لا يذكر الله فيه ولا يصلى على نبيه

1997-08-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أكبر عقاب أن نعزل الإنسان عن مجتمعه لأن الإنسان اجتماعي بطبعه:

 أيها الأخوة الكرام، حديث شريف يبين فضل هؤلاء الذين يجتمعون، ويقرؤون القرآن، أو يتدارسون أحكامه، أو يجلسون مجلساً، ويتكلمون أطيب الكلام، وأجمل الكلام كلاماً يقربهم من الله عز وجل، كلاماً يحثهم على الأعمال الصالحة.
 تصور أنه لا يوجد إنسان إلا وله سهرة، زيارة، لقاء، نزهة، أي الاجتماع من صفات الإنسان، أكبر عقاب يعاقب به الإنسان أن يوضع في سجن انفرادي عدداً من الأيام فإذا طالت يختل عقله، الإنسان بلا شخص يحدثه يختل عقله، لذلك يعد أكبر عقاب أن تعزل الإنسان عن مجتمعه، فالإنسان اجتماعي في الطبع، يأنس بأولاده، بزوجته، بأصدقائه، بجيرانه، بإخوانه، من يشعر هذا الشعور ؟ الذين يسافرون إلى بلاد مزدحمة بالناس، لكن لا يوجد علاقات، شعور الغربة لا يعرفه إلا من ذاقه، أحياناً لبلد إسلامي ليس له أحد، ليس له أهل، ولا أقارب، ولا أخوات، ولا بنات، ولا أصدقاء، يعيش وحده.

عظمة الإسلام أنه وَحَّد الناس في بوتقة واحدة:

 النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث يبين إذا اجتمع أناس، و تكلموا عن الآخرة، و عن عظمة الله عز وجل، وعن كمال النبي، وعن الغاية التي خلقوا من أجلها، هؤلاء يغبطهم النبييون، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم النبيون والشهداء ))

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

مرة أخ فهم هذا القول فهماً بعيداً عن الواقع، أنه أعلى من الأنبياء، قلت له: لا، أحياناً إنسان يحتل أعلى منصباً يكون عنده حاجب لكن صحته طيبة، ليس المعنى أن هذا الإنسان بالصحة الطيبة أعلى من الشخص الكبير، لا، لكن النبي يشجعنا أن هناك مراتب كثيرة جداً، لست نبياً ولا شهيداً، قال:

(( يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل قيل يا رسول الله من هم قال هم جماع من نوازع القبائل ))

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

  أي لا يوجد علاقات، أحياناً تجد هذا مهندس، هذا ليس متعلماً إطلاقاً، هذا طبيب، هذا من بلد بعيد، هذا ريفي، هذا مدني، هذا من قارة أخرى، هذا طالب علم إفريقي، هذا تركي، لا يوجد شيء يجمع الحقيقة، نحن نفهم أنه في بلد واحد، عرق واحد،أصل واحد، أسرة واحدة، قبيلة واحدة، عشيرة واحدة، تجد من بلاد متعددة، بلغات متعددة، أقاليم متعددة، هذا شيء ملاحظ في الإسلام، عظمة الإسلام، تجد طلاباً من الصين، وطلاباً من تركيا، و طلاباً من إفريقيا، يجمعهم هذا الدين، تشعر أنه أقرب إليك من أخيك النسبي.
 لو فرضنا إنساناً له أخ نسبي متفلت، أخ من أمه وأبيه، نشأ معه في هذا البيت، لكن متفلت، لا يوجد قوة تحكمه، يشعر المسلم أن هذا الذي جاء من الصين من بعد خمسة آلاف كم، عشرة آلاف كم، بيئته غير بيئتنا، وعقليته غير عقليتنا، وكل شيء فيه خلاف ما نحن عليه، لكن الإسلام وحدنا، وأذابنا في بوتقة واحدة.

 

كل الناس يعيشون للدنيا والموت قاب قوسين:

 إذاً:

(( عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل قيل يا رسول الله من هم قال هم جماع من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله ))

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

 أهل الدنيا لم يستوعبوا وضع المؤمنين، ماذا يوجد بالجامع ؟ لا يوجد شيء، فيه ذكر الله عز وجل، لا فيه تجارة، ولا صناعة، ولا سياسة، لا يوجد فيه شيء، لا يوجد فيه موضوع أرضي إطلاقاً، موضوع متعلق بالأرض لا يوجد، فيه موضوع متعلق بالآخرة، موضوع متعلق بخالق الكون، موضوع متعلق بسمو النفس، موضوع متعلق بالمصير الأبدي، كل الناس يعيشون للدنيا، والموت قاب قوسين.
 أنا من أسبوع لي تعويض، ذهبت لعند المحاسب لأقبض، أعرف طاولته كلها أوراق على البلور، أين هو ؟ قال: والله مات، بهذه البساطة ؟ مات ! صلى عندنا الظهر معاون وزير الأوقاف الأسبوع الماضي، قلت له: هذا المحاسب كيف توفى ؟ قال: توفى بغرفتي، ما هذا الكلام ! قال لي: دخل لعندي وهو مرتاح و أحضر لي بونات البنزين، ثم جلس على المقعد، اصفر وجهه، ركضت عليه فوجدته قد توفي، بهذه البساطة ! جاء مشياً وخرج ميتاً.
الإنسان يغادر بثانية، بثانية يصبح خبراً على الحائط، بثانية كان شخصاً صار خبراً، كلمتان أصبح المرحوم فلان.

 

كلام الإنسان من جنس عمله:

 لذلك:

(( جماع من نوازع القبائل )

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

  أناس يعملون بالدنيا ماذا في الدنيا ؟ أنا قلت لشخص مرة: إذا كنت تستطيع ألا تظلم إنساناً، تستطيع أن تنام مساء، لا يوجد إنسان له عندك حق، لم تنبِ مجدك على أنقاض الناس، لا يوجد إنسان له عندك قرش، ولم تؤذِ إنساناً بكلمة، ولا بحركة، ولا بسكنة، وصحتك طيبة، وعندك وجبة طعام واحدة، سيد الخلق، الذي هو قمة المجتمع البشري، دخل إلى البيت قال:

 

(( يا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شيء قالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شيء ))

 

[ مسلم عن عائشة]

  الآن كل أخواننا الحاضرين هل يوجد بيت ليس فيه طعام ؟ قال:

 

(( قال فإني صائم ))

 

[ مسلم عن عائشة]

  كله ماض، ماذا أكلت ؟ ماذا لبست ؟ أين سكنت ؟ ماذا ركبت ؟

 

(( رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل. قيل يا رسول الله من هم قال هم جماع من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله فينتقون أطايب الكلام ))

 

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

  أحلى كلمة، والله أحياناً تسمع، تكون ساكناً ببيت و لك جيران، تقرف البيت من ضحكهم، صوت عال، قهقهة، مزح رخيص، كلام بذيء، الآن أكثر الناس هكذا، هذا كلامه، إذا لم يتكلم كلاماً يتعلق بالعورات لا ينبسط، إذا لم يغش كلامه لا ينبسط، هؤلاء:

 

(( فينتقون أطايب الكلام ))

  كلامك من عملك، يمكن أن تعيش مع إنسان ثلاثين سنة ولا تسمع منه كلمة نابية، أو مزحة رخيصة، أو تعليقاً محرجاً، أبداً، كلامه يجمع لا يفرق، كلامه يسمو بالنفس، كلامه يحيي القلب.

 

 

(( فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه ))

 

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

الله عز وجل لا يحبنا إلا أن نكون بأعلى درجة من الكلام الطيب:

 ليس من السهل أن يكون كلامك منضبطاً، الكلام المنضبط قضية كبيرة، مرة كنا بجلسة، فيها أخ من حلب، جاء شخص و تكلم بكلمة، معقول أن تتكلم هكذا ؟ أن جميع الناس في حلب ليسوا على قدر جيد، بهذه البساطة ؟ أين عقلك ؟ كل بلد فيه أناس طيبون، و أناس سيئون، يجب أن تنتبه لكلامك، يجب أن تضبط كلامك، هناك شخص يقول لك: كل المحامين ليسوا جيدين، لا، هناك محامون والله أتقياء، والله إذا لم تكن الدعوى فيها حق لا يستلمها، يضعها تحت قدمه، يقول: لا آخذها.
 التعميم معنى هذا أن المعمم جاهل، إذا قال كل المحامين هكذا، أو كل الأطباء هكذا، هذا كلام كله جهل، لا تعمم أبداً.
 حتى إن أحد العلماء الكبار يقول لك: لا يجوز أن تكفر بالتعميم، تقول: فلان كافر ؟ أنت ارتكبت كبيرة، هل أنت إله لتقيّم ؟ من أنت ؟ أنت واحد من الناس.
 الله عز وجل لا يحبنا إلا أن نكون بأعلى درجة من الكلام الطيب.

مراتب الدنيا ليس لها قيمة إطلاقاً المرتبة الحقيقية مرتبة الإيمان:

 قال:

(( يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل قيل يا رسول الله من هم قال هم جماع من نوازع القبائل ))

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

  أي لا يوجد شيء يجمع بينهم، مثقف وغير مثقف، مدني وريفي، كله طيب، أنا لي كلمة أرددها كثيراً، أقول: المؤمن الصادق إذا قلت: فلان مؤمن، لا يجوز أن نضيف كلمة ثانية فوقها، إذا قلت: مؤمن غني، تشتهي الغنى منه، من تواضعه، من حبه للخير، من إنفاقه المنضبط، الغني المؤمن إنفاقه منضبط، المال الزائد الذي عنده يعين به الناس، إذا قلت: مؤمن فقير، غلط تقول فقير، تشتهي الفقر من مؤمن عفيف متجمل، لا يسأل، لا يطلب، لا يلح، عزيز النفس، كريم النفس، إذا قلت: مؤمن ريفي تشتهي الريف كله من المؤمن، من محبته، من تواضعه، من صفاء نفسه، من كرمه، من ضيافته، إذا  قلت: مؤمن مدني تشتهي المدن كلها من المؤمن، إذا قلت: مؤمن قوي تشتهي القوة عليه، لأنه مقيد بالحق، القوي قوي، لكن لا يستطيع أن يتحرك حركة خلاف منهج الله، إذا قلت: مؤمن ضعيف، تجد ضعفه افتقاراً إلى الله عز وجل، لا تضاف كلمة أخواننا الكرام.
 أنا هذا الذي أراه مؤمناً بأي وضع على العين والرأس، هذا الذي يجمعنا، يجمعنا الإيمان، أنا أشعر لو فرضنا أخاً من أخواننا كان رئيس دائرة بمنصب رفيع، عنده حاجب مؤمن، هذا أخوه في الله، مراتب الدنيا ليس لها قيمة إطلاقاً، المرتبة الحقيقية هذا مؤمن أخوك.

 

(( قيل يا رسول الله من هم قال هم جماع من نوازع القبائل فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه ))

 

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عبسة ]

 قال: الجماع ؛ أخلاط من قبائل شتى، ومواضع مختلفة، النوازع جمع نازع وهو الغريب، معنى هذا أنهم لم يجتمعوا لقرابة بينهم، ولا لنسب، ولا معرفة، وإنما اجتمعوا لذكر الله لا غير، والإنسان إذا كان هدفه الله عز وجل لا أحد يكرهه، لا أحد له عليه مأخذ، هدفك الله.

الابتعاد عن الغيبة و النميمة التي تفسد المجتمع و تفتته:

 حديث آخر، الحديث الآخر عكس:

 

(( ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يُصَلُّوا على نبيِّهم إِلا كان عليهم تِرة فإن شاء عَذَّبهم وإِن شاء غفر لهم ))

 

[ رواه أبو داوود والترمذي عن أبي هريرة].

  ترة ؛ أي مسؤولية.

﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾

( سورة الحجرات الآية 12 )

  أنا سمعت عن الشيخ بدر الدين، عاش ستاً و تسعين سنة، بكل حياته لم يستجرئ إنسان أن يتكلم أمامه على إنسان كلمة، اسكت، هذه غيبة، يمكن أن يكون مجلسك مجلس حق، أما نهش أعراض الناس، الطعن فيهم، الغيبة عند الناس فاكهة يجتمعون، يتغذون، عوض الفاكهة يتكلمون عن بعضهم، قال:

 

(( ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يُصَلُّوا على نبيِّهم إِلا كان عليهم تِرة فإن شاء عَذَّبهم وإِن شاء غفر لهم ))

 هناك رواية ثانية:

 

 

(( ما من قوم يقومون من مَجلس لا يَذكرونَ اللهَ فيه إِلا قاموا عن مثلِ جيفة حمارٍ ))

 

[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

  وهذا أقرب شيء لنا، أين ما جلست تكلم عن الله، هذه جماعة القلوب، نسيت الناس همومها، نسيت الناس مشاكل الحياة، نسيتهم الفرق الكبير أحياناً بين إنسان وإنسان، نسيت الإنسان مرضه، يقول: غداً أموت وأدخل الجنة.

المؤمن يؤلف القلوب و يجمع الناس على الخير:

 

 

لذلك:

(( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))

[البيهقي عن عمر ]

  والقضية بيدك ليست صعبة، أنا الذي أُلح عليه دائماً أنت اختر خطبة متقنة واختار درساً، الذي سمعته بالخطبة والدرس اجعله محور حديثك طول الجمعة، تكون نفذت وصية رسول الله.

 

(( بلِّغُوا عني ولو آية ))

 

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

(( فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

 تكون نقلت هذا الدين، أنت اختر خطيباً يعجبك، تثق بعلمه، وبإخلاصه، احضر عنده، وخذ نوتة واكتب آية وحديث تكلمها، فكرة، اجعل هذا الكلام محور أسبوعك كله، تكون أصبحت داعية من النوع المخفف، من النوع الذي هو فرض عين، وليس فرض كفاية، من النوع الذي يرقى بك إلى الله، دعهم يقولون: فلان إذا جاء جاءت الملائكة، إذا جاء فلان جاء النور، جاء فلان جاء الحق، جاء فلان جاء الطيب، على الإنسان ألا يكون سبباً لإيذاء الآخرين، أحياناً يدخل إنسان إلى بيتك فينتقده، و كثرة نقده تجعلك تصغر أنت أمامه، كيف يسعك هذا البيت ؟ ماذا تريد مني ؟ ألا تملك نقوداً لتغيره ؟ تجد كلاماً لا يحكى، إذا دخل إلى بيت أخته ماذا أحضر لك زوجك على العيد ؟ والله لم يحضر لي شيئاً، فيقول لها: زوجك بخيل جداً، كرهها فيه وخرج، رمى قنبلة ومشى، هذا كلام الناس، إما حسد، أو طعن، أحياناً تجد شخصاً يقرف ويُقرف، كلامه يقرف وهو قرفان، أما المؤمن:

 

(( من فرق فليس منا ))

 

[أخرجه الطبراني عن معقل بن يسار ]

 يجمع، يؤلف القلوب، يرضي الزوجة بزوجها، يرضي الزوج بزوجته.
 أنا لا أنسى هذا الموقف من سيدنا الصديق لما رأى سيدنا حنظلة يبكي، قال له: لماذا تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، قال له: لِمَ يا أخي ؟ قال له: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، فسيدنا الصديق قمة المجتمع بعد رسول الله قال له: كذلك أنا يا أخي، أحياناً يأتي إنسان لعندك ويقول: والله زوجتي سيئة، فتجيبه: أنا التي عندي ممتازة و الحمد لله، قل له: والله أكثر النساء هكذا، تجبر خاطره قليلاً، لا تدعه يستوحش، تقول له: أنا التي عندي ممتازة، أنا التي عندي طبخها درجة أولى، لا، هذا ليس من المروءة أن تمدح زوجتك أمام الآخرين.