الترغيب والترهيب - الدرس : 061 - كتاب الصدقات - الترغيب في شكر المعروف ومكافأة فاعله والدعاء له والترهيب من جحده وعدم شكره

1997-08-09

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الترغيب في شكر المعروف والمكافأة عليه والدعاء لصاحبه والترهيب من جحده :

 أيها الأخوة الكرام ، الترغيب في شكر المعروف والمكافأة عليه ، والدعاء لصاحبه ، والترهيب من جحده ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ صُنِعَ إليه مَعْرُوفٌ ، فقال لفَاعِلهِ : جَزاكَ اللّه خَيْرا ، فقد أبلغ في الثَّناء))

[ الترمذي و النسائي عن أسامة بن زيد]

 أحياناً الإنسان يتوهم أنه إذا شكر الله وحده كان موحداً ، ينسى أن يشكر الذين أجرى الله على أيديهم هذا الخير ، هذا مناقض تماماً لأخلاق المؤمن ، أن يشكر الله وحده ، وألا يشكر الناس ، وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث شريف :

(( مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر اللّه ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 طبيعة النفس البشرية الصافية على فطرتها السليمة إذا فُعل إليها معروف ينبغي أن تشكر ، فإن جحدت هذا المعروف فقد جانبت كمال الإنسان .
 أنا لا أعتقد أن في الأرض رجلاً أحب رجلاً كما أحبّ الصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك حينما توفي النبي عليه الصلاة والسلام قال أبو بكر :
 " من كان يعبد محمداً ـ هكذا ـ فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " .
 لاحظوا هذا الحب الجارف ما أخرجه عن التوحيد إلى الشرك ، موحد ، مات أحب الخلق إليه ، هذا الحب الذي لم يكن له مثيل في تاريخ البشرية ، ما ساق صاحبه إلى الشرك .

 

التوحيد لا ينبغي أن يقود الإنسان إلى إنكار معروف الآخرين :

 بالمقابل لا يوجد إنسان في الأرض كان شكوراً لكل من أسدى إليه معروفاً كرسول الله .
 سيدنا ربيعة خدمه سبعة أيام ، قال له : "يا ربيعة سلني حاجتك ؟" .
 حاطب بن بلتعة شهد بدراً ، ثم ارتكب خيانة عظمى يستحق عليها القتل قال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، قال : " لا يا عمر إنه شهد بدراً ".
 تحدث عن الصديق ، قال : "ما ساءني قط ، فاعرفوا له ذلك" .
 تحدث عن السيدة خديجة ، قال : "آمنت بي ، وواستني بمالها ، آمنت بي إذ كفر بي الناس ، صدقتني إذ كذبني الناس ، واستني بمالها ، رزقني الله منها الولد ".
 الأنصار أسدوا إليه معروفاً ، آمنوا به ، ودافعوا عنه ، وأيدوه ، ونصروه ، فلما وجدوا عليه في أنفسهم جمعهم وقال : "أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، طريداً فآويناك ، مخذولاً فنصرناك " ، ذكرهم بفضلهم عليه .
 الملاحظ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل صحابي أعطاه حقه ، ذكر فضله ، بيّن تألقه ، هذا من وفاء النبي لأصحابه .
 فنخلص من هذا أن التوحيد لا ينبغي أن يقودك إلى إنكار معروف الآخرين ، ولو أن هذا الخير ساقه الله إليك ، ولو أن الله له وحده المنة والفضل ، التوحيد لا ينبغي أن يقودك إلى إنكار فضل الآخرين ، كما أن الحب الجارف لا ينبغي أن يقودك إلى الشرك ، هذا التوازن .
 السيدة عائشة رضي الله عنها حينما جاءت تبرئتها في القرآن الكريم ، قالت لها أمها : قومي إلى رسول الله فاشكريه ، قالت : "والله لا أقوم إلا لله " ، فقال عليه الصلاة والسلام : "عرفت الحق لأهله ".

الاعتراف بالفضل وحده نوع من الشكر :

 إذاً عندنا مرضين أول مرض التوحيد المزعوم أحياناً يقود صاحبه إلى جحود فضل الآخرين ، أخي أنا لا أحد له فضل عليّ إلا الله ، هذه خلاف السنة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر اللّه ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 أي إنسان قدم لك معروفاً ، يجب ألا تنساه ، يجب أن يكون هذا المعروف في قلبك ، يجب أن تكافئه .

(( ومن آتى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم كافأتموه ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر]

 أحياناً الاعتراف بالفضل وحده نوع من الشكر ، إنسان عاونك إذا قلت بلسانك : فلان له فضل عليّ ، هذا أحد أنواع الشكر ، أما هناك من يتلقى كل المعروف ، وكل العناية ، وكل الإحسان ، ولا يعزو هذا إلى صاحبه ، يعزوه إلى جهة أخرى ، هذا جحود ، لأن الإنسان حينما ينكر فضل الآخرين يضعف العمل الصالح ، المؤمن يعمل لله ، لا يعبأ بالشكر، لكن هو بشر ، حينما يبذل جهداً كبيراً ثم يطمس معروفه ، ويلغى جهده ، ولا يذكر إطلاقاً ، بل يُجحد هذا ، صار من الجحود الذي يمنع الماعون .

منع الماعون هو أن تقابل المحسن بالإساءة والجحود :

 عودوا أنفسكم وفق سنة رسول الله ، أي إنسان قدم لك معروفاً قليلاً ، كثيراً ، مادياً ، معنوياً ، يجب أن تشكره ، والأصح يجب أن تكافئه ، فإن لم تجد فعليك أن تشكره ، في هذه الطريقة ينمو المعروف بين الناس ، عود نفسك أن تشكر ، تكتب رسالة شكر ، إنسان خدمك ، إنسان أعانك ، إنسان دافع عنه ، إنسان أقرضك ، إنسان دلك على الله عز وجل ، إنسان بذل جهداً كبيراً معك ، الحد الأدنى أن تذكر هذا الفضل ، حتى تشجعه لعمل ثان .
 فلذلك منع الماعون هو أن تقابل المحسن بالإساءة ، هو أن تقابل المحسن بالجحود، عندئذٍ يضعف المعروف بين الناس ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ صُنِعَ إليه مَعْرُوفٌ ، فقال لفَاعِلهِ : جَزاكَ اللّه خَيْرا ، فقد أبلغ في الثَّناء ))

[ الترمذي و النسائي عن أسامة بن زيد]

 طبعاً ذكرت الحديث الآخر :

(( ومن آتي إليكم معروفا فكافئوه ـ المكافأة أولاً ـ فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم كافيتموه ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر]

 وفي رواية أخرى :

(( إذا قال الرجل لأخيه : جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء ))

[الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]

 كلمة جزاك الله خيراً كلمة رائعة ، وكلمة طيبة ، وكلمة نبوية ، ولو أن هذه الكلمة جرت على ألسنتنا لكنا على غير هذا الحال .
 أحياناً يجري طبيب عملية ناجحة جداً ، ويعتني أبلغ عناية ، بعض المرضى يكتبون كلمة شكر في الجريدة ، ما تكلفك هذه ؟ مئتا ليرة ؟ خمسمئة ؟ دفع مئتي ألف للطبيب والعملية ناجحة جداً ، هذا الشكر يعطي الطبيب نوعاً من المبالغة في شكر الآخرين ، أي هذا المعروف ظهر .

كمال صاحب المعروف غير كمال الذي أُحسن إليه :

 أنت لا تكتم ، وصاحب المعروف له أن يكتم ، كمالك بإظهار معروفه ، وكماله بكتم معروفه ، كمال صاحب المعروف غير كمال الذي أُحسن إليه ، أكمل موقف أنت أن تذكر ، أن تعلن أن فلاناً أكرمني ، أن فلاناً اعتنى بي ، أن فلاناً قدم لي معروفاً ، كمال الذي صنع المعروف إليه أن يذكره ، أما كمال الذي صنع المعروف أن يكتمه ، يخرج بنتيجة .
 حاول إذا فعلت خيراً أن تنساه فوراً ، كأنك لم تفعله ، إذا فعلت معروفاً ، قدمت مساعدة ، خدمت إنساناً ، عاونت إنساناً ، حاول أن تنسى هذا العمل كلياً ، وكأنك لم تفعله ، ثم حاول إذا صُنع إليك معروف ألا تنساه أبداً ، هذا موقف كامل جداً .
 العكس صعب أنك إذا فعلت شيئاً تذكر هذا الشيء إلى أن يخرج الشخص من جلده ، يتمنى أن يرد لك المعروف عشرة أضعاف على أن تسكت فقط ، أنا خدمته ، لحمه من خيري ، لولاي ما صار رجلاً ، هذا كلام لا يحتمل ، إن فعلت معروفاً انسَ هذا المعروف كأنك ما فعلته إطلاقاً ، وإن فُعل إليك معروف ينبغي ألا تنساه أبداً ، هذا الموقف الكامل فكمال صانع المعروف شيء ، وكمال الذي صُنع إليه المعروف شيء آخر ، كمال الأول بالكتمان ، وكمال الثاني بالجهر والإعلان .

لا يشكر الله من لا يشكر الناس :

 حديث آخر : قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّ أَشْكَرَ النَّاسِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشْكَرُهُمْ لِلنَّاسِ ))

[ أحمد عن الأشعث بن قيس]

 وفي رواية :

(( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ))

[ أبو داود و الترمذي عن أبي هريرة]

 هذه الفظاظة ، حتى الجفاء ، والغلظة ، أنه أنا لا أحد له فضل عليّ إلا الله ، يكون هناك مئات الأشخاص قد قدموا لك كل الفضل ، ينسى فضل الناس ويدعي كذباً أنه يشكر الله ، إن لم يشكر هؤلاء هو لا يشكر الله عز وجل ، سبحان الله على هذا الأدب ! ربط النبي عليه الصلاة والسلام شكر الله بشكر الناس ، فإن لم تشكر الناس لم تشكر الله ، ربط شكر الله بشكر الناس ، الإنسان له والدة ، له والد ، له عم .
 أنا لا يوجد شيء يؤلمني من إنسان يعادي والد زوجته ، ربى لك زوجتك ، تعب بها ، أكرمك ، عمل لك حفلة ، اعتنى بك ، دللك ، رفع مكانتك ، لا يحلو له إلا أن يهين عمه، هذا نوع من اللؤم .
 لا يوجد إنسان كامل أنت أدِّ الذي عليك ، واطلب من الله الذي لك ، اشكر الذي قدم لك معروفاً .

الشكر من خصائص المؤمن و الكفر من خصائص غير المؤمن :

 لذلك الإنسان إن كان مؤمناً من خصائصه الشكر ، وإن كان غير مؤمناً من خصائصه الكفر ، قد يسيء إلى من أحسن إليه ، قد يسيء إلى من دله على الله ، قد يسيء إلى من زوجه ابنته ، أحياناً يكون هذا بالمصالح التجارية ، مثلاً صانع تعلم عند فلان ، تعلم عنده ورعاه ، وأحسن له ، وأكرمه ، وتمكن بعد ذلك عن أن يستقيل بمحل خاص ، هل من المعقول أن ينافس معلمه ؟ هل من المعقول أن تكيد الذي رباك ؟ كلما ارتقى الإنسان بسلم الإيمان يكون عنده مودة ، وشكر ، وعرفان ، لمن أسدى إليه معروفاً .
 الإنسان لا ينبغي أن يبصق بالبئر الذي شرب منه ، هذا البئر شربت منه لا ينبغي أن تبصق فيه ، هناك حالات كثيرة في بالمجتمع ، بالتجارة ، بأعمال كسب الرزق ، بالعلاقات الأسرية ، إنسان قدم له كل معروف .
 النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل شكا له ابنه فبكى النبي ، قال له :

غذوتك مــولوداً ومنتك يافعاً  تُعِلًّ بمـا أجني عليك وتنهلُ
إذا ليلة ضافتك بالسقم لـم أبِتْ  لســقمك إلا ساهراً أتململُ
كأني أنا المطروقُ دونك بالذي  طُرقتَ بهِ دوني فعيني تهمل
* * *
تخاف الردى نفسي عليك وإنها  لتعلم أن المـوت وقت مؤجل
فلمـا بلغتَ السن والغاية التي  إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلـتَ جزائي غلظة وفظاظة  كأنك أنت المــنعم المتفضل
فليتك إذ لــم ترع حق أبوتي  فعلت كما الجار المجاور يفعل
* * *

 فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ، الأب له فضل ، الأم لها فضل ، معلمك بالعمل له فضل ، قدم لك خبرة ، ورعاك ، ورفع شأنك ، لا ينبغي أن تنافسه ، لا ينبغي أن تجحد فضله ، هذه صفات المؤمن .

 

الإنسان إن لم يكن فيه خير لوالده فلن يكون فيه خير لإنسان آخر :

 أما أروع ما في هذا الدرس أن الله جلّ جلاله بما أوحى إلى النبي ربط شكره بشكر الناس ، فإن لم تشكر الناس لم تشكر الله ، عود نفسك كلمات الشكر ، كلمات الثناء ، كلمات أن تظهر فعل الناس .
 أذكر مرة أنني ذهبت مع أحد أخواننا المتقدمين بالسن إلى عند ابنه ـ ابنه له منصب رفيع جداً في حقل التعليم ـ للتوسط لأخ من أخواننا منقول من جامعة إلى جامعة فدخلت أنا ووالده قال له : اقعد هنا أبو فلان ، عند الابن عمداء الكليات فقالوا له : هذا أبوك ؟ فقال لهم : لا ، والأب بأعلى درجة من الأناقة ، و الذكاء ، و الحصافة ، فلما خرجنا قلت له: أين درس ابنك ؟ قال : في أمريكا ، يحمل بورد ، قلت له : على حساب من ؟ قال : والله على حسابي ، بقيت شهراً لا أصدق معاملة هذا الابن لأبيه ! إنسان يتنكر لوالده أمام الناس ، ووالده سبب نيله هذه الشهادة ، والشهادة سبب هذا المنصب الرفيع .
 فالإنسان إن لم يكن فيه خير لوالده ، لمن أسدى إليه معروفاً ، فلن يكون فيه خير لإنسان آخر .
 لذلك قال : لا تعامل عاقاً ، لو كان فيه خير لكان فيه خير لوالده ، إذا لم ينل والده منه خيراً ، لا تشاركه ، لا تعامله ، لأن هذا ليس فيه خير ، لا تعامل عاقاً أبداً ، والعقوق أنواع .