الدرس: مفهوم العبادة في الإسلام مع المذيع د/ عبد اللطيف الرواس

2009-05-21

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم، مشاهدينا الكرام أرحب بكم من قناة القدس الفضائية، ومن برنامجكم: "وزدناهم هدىً"، في هذه الحلقة الجديدة، وأحييكم، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 إذا كانت الغاية من وجود الإنسان هي الاستقامة والصلاة، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾

[سورة هود الآية:112]

 فهل يكون الإنسان مستقيماً حقاً إذا اقتصر على العبادات الشعائرية من صلاة، وصيام، وصدقة، وذكر، وتلاوة، وأكثر منها، ثم هو مقابل ذلك عابث، لاهٍ، مقصر في حقوق أهله، منزوٍ عن قضايا وطنه، مهمل في عمله، ضار لمن حوله، أم أن للعبادة معنى أعمّ من بعض ساحات المصنع والمختبر والمتجر والمحاكم السياسية وغيرها؟ عن مفهوم العبادة في الإسلام يسرنا أن نتحاور مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، فأهلاً بك فضيلة الدكتور.
الدكتور راتب:
 بكم أستاذ عبد اللطيف، جزاك الله خيراً.
الأستاذ عبد اللطيف:
 وإياكم أكرمكم الله، دكتور بدايةً حتى ندخل الأمور من مدخلها العلمي لو عرفنا العبادة لغةً واصطلاحاً والعلاقة بينهما.

 

حركة الإنسان في الحياة لا تصح إلا إذا عرف سرّ وجوده :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
 لابد من مثلين أوضح بهما هذا الموضوع الخطير، المثل الأول: لو أن واحداً منا سافر إلى بلد، وليكن باريس، نزل في أحد الفنادق واستيقظ صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب؟ نسأله نحن: لماذا أتيت إلى هنا؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمنتزهات.
 أردت من هذا المثل أن أبين أنه لا تصح حركة الإنسان في الدنيا إلا إذا عرف سرّ وجوده، إن جاء سائحاً هناك نشاط، إن جاء تاجراً هناك نشاط آخر، إن جاء طالب علم نشاط ثالث، فحركة الإنسان في الحياة لا تصح إلا إذا عرف سرّ وجوده.
 المثل الثاني: لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري، بل على مشارف امتحان في مادة أساسية في هذا الاختصاص، وأخذه أصدقاءه عنوة إلى مكان جميل، أطعموه أطيب الطعام، واستمتع بأجمل المناظر، لماذا يشعر بكآبة؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع وضعه كطالب.
 إذاً الحقيقة الأولى: لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سرّ وجوده، ولا يسعد إلا إذا جاءت حركته موافقة لهدفه، هذا المثل المحدود لو وسعناه، نحن في الدنيا، نحن على سطح الأرض، لماذا نحن في الدنيا؟ بالمناسبة: ما كل ذكي بعاقل، قد ينال الإنسان أعلى الشهادات، لأنه غفل عن سرّ وجوده، وعن غاية وجوده، وعن الرسالة التي أنيطت به فهو ليس عاقلاً، ما كل ذكي بعاقل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام مشى مرة في المدينة فرأى مجنوناً فسأل أصحابه سؤال العارف من هذا؟ قالوا: هو مجنون، قال: لا، هذا مبتلى ولكن المجنون من عصى الله.

 

الإنسان إن تمتع برؤية صحيحة في بدايات حياته كانت إنجازاته تفوق حدّ الخيال :

 لذلك أنا أتمنى أن يبحث الإنسان بادئ ذي بدء عن سرّ وجوده كي تصح حركته، كي لا يندم، كي لا يقول يوم القيامة:

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

[سورة الفرقان الآية:27]

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[سورة الكهف]

 أستاذ عبد اللطيف من الثابت أن معظم الناس لا يعرفون الهدف الذي خلقوا من أجله، تأتي حركتهم عشوائية، لو أخذنا قيمة المال يرونه في البداية كل شيء، في منتصف الطريق يرونه شيئاً وليس كل شيء، قبيل مغادرة الدنيا لا يرونه شيئاً، فلو أن الإنسان تمتع برؤية صحيحة في بدايات حياته كانت إنجازاته تفوق حدّ الخيال، فنحن بحاجة إلى أن نعرف سر وجودنا، أو بتعبير آخر علة وجودنا.
الأستاذ عبد اللطيف:
 أنت شوقتنا لأن نعرف ما هي العلة بهذا التقطير الجميل لها.

 

من غفل عن سرّ وجوده و غاية وجوده عاش على هامش الحياة :

الدكتور راتب:
 السبب أن هناك غني وهناك فقير، هناك قوي وهناك ضعيف، هناك حاد الذكاء وهناك محدود، هناك صحيح وهناك مريض، وهناك من يعيش قريب من مئة عام وهناك من يموت في الثامنة عشر من عمره.
 هناك سؤال كبير: هل تنتهي الحياة هكذا؟ هل تنتهي الحياة دول تغتصب بلاد، تقهر شعوب، تحتل أراضي، تطرد أهلها منها وتنتهي الحياة؟.

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[سورة القيامة الآية:36]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾

[سورة المؤمنون الآية:115]

 هذه قضايا كبرى في الحياة، هذه القضايا إذا غفل عنها الإنسان عاش على هامش الحياة، عاش كرقم بسيط لا قيمة له، ملايين الملايين، مليارات المليارات أتوا إلى الدنيا وعاشوا فيها، وكبروا، وتزوجوا، وأنجبوا، وماتوا، ولم يدرِ بهم أحد، لئلا يكون الإنسان رقماً سهلاً، لئلا يكون عرضاً، لئلا يكون سلعه بيد الآخرين، لماذا هو في الدنيا؟ لا تصح حركته في الحياة الدنيا، لا يحقق الهدف الذي خُلق من أجله، لا يؤدي الرسالة التي أنيطت به، إلا إذا عرف سر وجوده.

 

عبادة الله علة وجود الإنسان في الحياة الدنيا :

 الحقيقة لو فتحنا القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم كما قال بعضهم: فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم كونٌ ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، لو فتحنا القرآن الكريم، الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات الآية:56]

 إذاً علة وجودنا في الحياة الدنيا أن نعبد الله، وهذا محور هذا اللقاء الطيب بمعيتكم إن شاء الله.

 

الإسلام هو الحياة :

 الحقيقة أن العبادة يفهمها الناس فهماً بسيطاً، فهماً مجتزأ، فهماً ضيقاً، يتوهمون أن العبادة أن تؤدي الصلاة، وأن تصوم رمضان، وأن تحج البيت، وأن تؤدي زكاة مالك، وانتهى كل شيء، هذه خمس فقرات ولا أبالغ من خمسمئة ألف فقرة، هي المنهج الإلهي، هي تعليمات الصانع، هي التوجيهات العظيمة من خالق السماوات والأرض، التي تبدأ من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية.
 أستاذنا الجليل، الإسلام هو الحياة، إذاً يشمل كل مناحي الحياة، يغطي كل جوانب الحياة، يغطي كل مناحي الحياة، فالعبادة لا تعني أن تؤدي هذه الصلوات، وأن تصوم رمضان، وأن تحج البيت، ليس غير، هذه فقرات خمسة من منهج واسعٍ جداً، يبدأ كما قلت قبل قليل من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، إذاً نؤكد في هذا اللقاء الطيب على المفهوم الشمولي للعبادة.
الأستاذ عبد اللطيف:
 الأعمال غير العبادات الأربعة، ماذا تسميها في هذه الحالة؟.

 

العبادة التعاملية و العبادة الشعائرية :

الدكتور راتب:
 عبادة تعاملية، والخطير في الموضوع أن العبادات الشعائرية تشبه ساعات الامتحان الثلاث في آخر العام، وأن العبادة التعاملية تشبه العام الدراسي بكامله، فالذي أمضى عاماً دراسياً بأكمله لم يدرس، ولم يقرأ، ولم يكتب، ولم يداوم، ماذا يفعل بساعات الامتحان الثلاث؟ لا قيمة لها إطلاقاً، العبادة التعاملية تؤكدها هذه الرواية: أن سيدنا جعفر بن أبي طالب من الصحابة الكبار حينما التقى بالنجاشي، سأله عن الإسلام:

(( قال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان))

 الآن دقق:

((وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن جعفر بن أبي طالب]

 تعريف هذا الدين من صحابي جليل أنه استقامة، وصدق، وأمانة، وعفةٌ، وحسن جوارٍ، وأداء واجب.
الأستاذ عبد اللطيف:
 شيخنا، أنت تعتبر أن العبودية محكها الأقوى في مجال المعاملات أكثر من العبادات.

 

الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان :

الدكتور راتب:
 لأن أحد كبار العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان، وحينما أراد الله جل جلاله أن يثني على نبيه صلى الله عليه وسلم بماذا أثنى عليه؟ قال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[سورة القلم الآية:4]

 وحينما فقد المسلمون هذا التوجه الأخلاقي، واكتفوا بأداء العبادات الشعائرية، أصبح عددهم مليار وخمسمئة مليون، ولكن لا وزن لهم في الأرض، وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، بل إن الطرف الآخر له عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[سورة النور الآية:55]

 وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، هذا وعد خالق السماوات والأرض، ولكن الخلل عندنا، الشرط

﴿ َيعْبُدُونَنِي ﴾

 فإن تخلى المؤمنون في آخر الزمان عن عبادة الله فقدوا كل حقوقهم مع الله.
الأستاذ عبد اللطيف:
 شيخنا لو أعطيتنا أمثلة هكذا من حياتنا اليومية تبرز فيها أهمية الاستقامة في العبادات التعاملية، وفضل ذلك على العبادة الشعائرية.

 

العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

 

الدكتور راتب:
 لو أن الإنسان يؤدي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويحج البيت، وغش المسلمين، هل تعتقد أن هؤلاء الذين غشهم يحترمون دينه؟.

(( ترك دانق من حرام خيرٌ من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ))

[ورد في الأثر]

 ابن عباس رحمه الله تعالى ورضي عنه كان معتكفاً في المسجد النبوي الشريف رأى شخصاً ذا كآبة، سأله ما الأمر؟ قال: ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال له: لمن؟ قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه، فرآه أحدهم فقال له: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال له: لا والله، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر- وأشار إلى قبر النبي، والعهد به قريب وبكى- لأن أمشي مع أخ في حاجة خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
 أنا حينما أفهم الإسلام الامتناع عن إيذاء الناس، عن أكل أمولهم بالباطل، عن إيقاع الرعب في قلوبهم، عن ابتزاز أموالهم، عن غشهم، عن إيقاع الأذى بينهم، أنا حينما أمتنع عن كل سيئة، وأسهم في خدمة هذه الأمة، أكون عابداً لله حقاً، فالعبادة الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية.

 

العبادة لها استثمار ولها أثر في استقامة الحياة الدنيا في كل المجالات :

 بالإسلام لا يجرؤ إنسان كائناً من كان أن يقول رأيه، لو طالبتني بالدليل، الله عز وجل فيمَ أمرنا؟ أمرنا بالصلاة:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

[سورة العنكبوت الآية:45]

 هذه علتها أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإن لم تنهَ عن الفحشاء والمنكر ليست هذه الصلاة الذي أرادها الله، فلذلك النبي الكريم لما سأل أصحابه:

((من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم معه، قال: لا، المفلس من آتى بصلاةٍ وصيام وصدقة، وفد ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرحوا عليه سيئاتهم، حتى يطرح في النار))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 أين الصلاة إذاً؟.
الأستاذ عبد اللطيف:
 إذاً العبادة لها استثمار ولها أثر في استقامة الحياة الدنيا في كل المجالات.
الدكتور راتب:
 لكن لا بد من تنويه دقيق:

(( يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ: قال إنهم يصلون كما تصلون وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد]

 ما قيمة أداء هذه الصلاة من دون استقامة على أمره؟.
الأستاذ عبد اللطيف:
 عن هذا المعنى إن شاء الله سنستضيف ولكن بعد الفاصل فضيلة الشيخ.
 أعزاؤنا المشاهدين كونوا معنا عن أثر العبادة ومعناها في الحياة العملية، جزاكم الله.
 مجدداً أرحب بكم أعزائي المشاهدين ومع مفهوم العبادة في الإسلام ومع فضيلة الداعية الدكتور محمد راتب النابلسي.
 دكتور، كنت تستفيض قبل الفاصل حول أثر العبادة ووزنها في مراعاة حرمات الله وأداء حقوق العبادة.

 

العبادات من دون استقامة على أمر الله لا تقدم ولا تؤخر :

الدكتور راتب:
 الصيام:

(( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ))

[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]

 فهذا الصيام من دون استقامة لا وزن له.

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]

 إذاً الصيام من دون استقامة لا يقبل عند الله.
 الحج:

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 الزكاة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[سورة التوبة الآية:53]

 الشهادة:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))

[أخرجه الطبراني عن زيد بن أرقم]

 هذه الصلاةُ، والصيامُ، والحجُ، والزكاةُ، والشهادة، من دون استقامة على أمر الله لا تقدم ولا تؤخر، هذه مشكلة المسلمين الأولى.
الأستاذ عبد اللطيف:
 كيف نفهم هذا المعنى فضيلة الشيخ؟.

 

من لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :

الدكتور راتب:
 لابدّ من أن نوجه خطابنا الديني إلى التأكيد على أن الاستقامة أصل في الدين، هل يمكن أن نضغط النشاط التجاري وما أكثره بكلمة واحدة؟ ممكن لكن بصعوبة، شراء محلات، شراء مستودعات، شراء مكاتب، استيراد، تعيين موظفين، سفر إلى الصين، استخدام وكالات، عرض البضاعة، بيع البضاعة، جمع ثمن البضاعة، توزيع الأرباح، نشاطات بالآلاف، هل يمكن أن تضغط هذه النشاطات بكلمة واحدة؟ أنا أقول ممكن؛ إنها الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً.
 سؤال ثان: هل يمكن أن أضغط الدين كله بكلمة واحدة؟ هناك تأليف كتب، وإلقاء محاضرات، وعقد ندوات، وإقامة مؤتمرات، وإنشاء مساجد، وإنشاء جمعيات خيرية؛ مياتم، إصلاحيات، أنا يمكن أن أذهب في تعداد النشاط الديني لساعة أو أكثر، هل يمكن أن أضغط كل هذه النشاطات بكلمة واحدة كما ضغطت التجارة بكلمة؟ إنها الاستقامة، فإن لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، يبقى الدين ثقافة، فلكلوراً، عادات، تقاليد، تراثاً، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، توجهات إسلامية، عاطفة إسلامية، أما الدين فشيء آخر، الدين الصحيح.

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 فإذا كان المسلمون مليار وخمسمئة مليون ولم يستطيعوا أن ينتصروا في السابق، وإن شاء الله باللاحق سننتصر، فما قولك؟ عندنا مشكلة كبيرة جداً، فلابدّ من أن ننتبه إلى أن هذا الدين الذي نعتز به، ونرى أنفسنا متميزين برسالته الأخيرة، نحن الأمة التي وصفها الله بالقرآن الكريم :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[سورة آل عمران الآية:110]

 لن نستطيع أن نقطف من ثمار هذا الدين شيئاً إلا إذا استقمنا على أمر الله، هذه النقطة الدقيقة التي تميز بها الصحابة الكرام فوصلت راياتهم إلى أطراف الشرق والغرب.
الأستاذ عبد اللطيف:
 لو مثلت لنا بمثل كما أعطيتنا مثل في حالة العبادة الفردية؛ الاستقامة على مستوى الفرد، الاستقامة على مستوى الأمة كأثر من آثار العبادة التعاملية كيف نجسده بمثل؟.

 

الفتن الطائفية هي الورقة الرابحة الوحيدة بأيدي الطغاة :

الدكتور راتب:
 والله أنا أقول لك بكل صراحة: إننا نقول: نحن مسلمون، ونحن أتباع سيد الأنبياء والمرسلين، ونحن الأمة التي وصفت بالقرآن بأنها خير أمة، إذا كان عندنا أميّة عالية، وفقر شديد، وبطالة، وعنوسة، ونستورد ولا نصدر، وبأسنا بيننا كما ترى، وسلمنا لغيرنا، إذا رأيت المسلمين يتقاتلون وتسيل الدماء بينهم ،وبينهم خمسة و تسعون بالمئة قواسم مشتركة، وإذا رأيت الآخرين يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، أليست هذه وصمة عار بحق الأمة؟ كيف أن أعداءنا يتعاونون بأعلى درجة من التعاون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة؟ كيف أن العالم الغربي ينطق باسمه إنسان واحد، تحت اقتصاد واحد، وعملة واحدة، ولا يوجد حدود، ولا سدود، والتنقل متاح لكل أوربا فيما بينها بلا قيود؟ هؤلاء بينهم قواسم مشتركة ضعيفة جداً، لكنهم تغلبوا على أنانيتهم وتوحدوا، فالمسلمون دول، وحكومات، واتجاهات، وتيارات، وتناحر، هذه مشكلة كبيرة جداً، هذا من ضعف الوحي، أقول لك كلمة: فرعون موسى بما وصف بالقرآن؟ قال:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

[سورة القصص الآية:4]

 معنى ذلك أن الورقة الرابحة الوحيدة بأيدي الطغاة هي الفتن الطائفية، فتن طائفية، مذهبية، عرقية، اتجاهات سياسية، مادام هناك تفرقة، مادام هناك تناحر داخلي، مادام هناك تراشق تهم، مادام هناك انشقاق، مادام هناك انقسام، لن تقوم لهذه الأمة قائمة، إلا إذا غلّبوا المصلحة العليا، غلّبوا الهدف الكبير، غلّبوا الحرص على قوة هذه الأمة، على حساب مصالحهم، عندئذٍ يمكن أن نكون كما نبغي.
الأستاذ عبد اللطيف:
 إذا كان الغرب قد فهم سنن النهوض، وأخذ بمفاتيح الرقي، وصار أمة ذات قوة، هل ينقصنا نحن كأمة مسلمة أن نأخذ بأسبابه وبمفاتيحه ونتبع خطاه ولكن نلبس تجربتنا ثوباً إسلامياً مثلاً؟ أم أن المسألة من أصلها مختلفة في الرؤية؟.

 

قوانين الله عز وجل قواعد قطعية ثابتة :

الدكتور راتب:
 والله أنا عندي قوانين، القوانين هي قواعد قطعية ثابتة، من هذه القوانين: قانون العداوة والبغضاء:

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

[سورة المائدة الآية:14]

 أنت حينما تكون مستقيماً، وأنا حينما أكون مستقيماً، لقاؤنا حتمي، ووحدتننا حتمية، ومحبتنا حتمية، والتعاون حتمي، والتضحية حتمية، أما إذا كنت أنا في وادٍ وأنت في واد فاللقاء صار مستحيلاً، فلا بد من أن ننهض جميعاً، وأن نؤمن بهذه الرسالة التي كرمنا الله بها جميعاً حتى نستطيع أن نوحد شمولنا.
 فالمشكلة مشكلة قوانين إلهية، أنا في قناة الرسالة في العام الماضي من رمضان شرحت بكل يوم قانون من قوانين الله عز وجل، هي قوانين، قانون العزة، قانون التعاون، الالتفاف، الانفضاض، ومنها قانون العداوة والبغضاء، أنا أقول لك بكل تأكيد: أنا متفائل جداً، هناك تطورات لم تكن من قبل.

 

الشدة التي يسوقنا الله إليها تجمعنا وتوحدنا :

 

 

الحقيقة هذه العصا، العصا الإسرائيلية التي وضعت في المنطقة كعصا غليظة لسيطرة الغرب على الشرق الأوسط، هذه العصا كسرت مرتين، مرة في 2006 ومرة 2008، والآن تقرير سي آي إي الدقيق ينص على أن عمر إسرائيل عشرون سنة قادمة فقط، هذا كلام دقيق، تقرير رسمي، وإسرائيل فقدت الحسم، بمعنى أنها كانت في الماضي تبدأ الحرب وهي تقرر إنهاءها بعد ساعات، وينتهي الأمر، الآن تبدأ بالحرب، لكن ليس في إمكانيتها أن تنهيها متى شاءت، هذه تطور لم يكن من قبل، هذا تطور اسمه فقد الحسم، و هناك تطور ثان كان الهدف الأكبر لأعدائنا الأمن، الآن البقاء، ولو اطلعت على الصحف الإسرائيلية لوجدت أن موضوع البقاء صار مطروحاً، وهناك شيء آخر لم يكن من قبل هو توازن الرعب، كانوا إذا حاربونا هم في نزهة، الآن يخافون كما نخاف، ويَقصفون كما يُقصفون، ويلتجئون للملاجئ كما نلتجئ للملاجئ، وهناك صفارات إنذار وعندهم صفارات إنذار، صار هناك توازن رعب، وفقد الحسم، وتبدل الأهداف، هذه أشياء أساسية جداً لم تكن من قبل، أنا والله متفائل.
 أي هذه الشدة التي يسوقنا الله إليها تجمعنا وتوحدنا، أنا مؤمن بذلك أشد الإيمان، لا تنسى أن كل شيء يحدث له مظهر سلبي مؤلم جداً، لكن له أيضاً خلفية إيجابية مسعدة جداً، والناس دائماً ينتبهون للسلبيات، أما لو تعمقوا أي أحداث غزة مثلاً والله وحدتنا، وأعطانا الله بانتصار أخوتنا في غزة جرعة منعشة، وكأن الله يقول: أنا موجود يا عبادي, وأنا أبدل كل المعادلات التي يتهمون أنها ثابتة، أي أقوى جيش بالمنطقة الجيش الإسرائيلي، هذا وهم تبدد، فئة مؤمنة بالله استطاعت أن تتحدى أكبر جيش بالمنطقة، ورابع جيش بالعالم، وأول جيش في تنوع الأسلحة، ولو دفعنا مليارات ممليرة لا نستطيع أن نشوه سمعة أعدائنا كما شُوهت بعد هذه الحرب.
الأستاذ عبد اللطيف:
 شيخنا هذه الحقائق التي فرضها لنقل قلة من المتعبدين حقاً، كيف نمكن أن نتصور أن الأمة بأكملها أو بأكثرها فهمت معنى العبادة كما تتفضل كيف ستكون؟.

 

المعصية مع الصبر ليس بعدها إلا القبر والطاعة مع الصبر طريقها النصر :

الدكتور راتب:
 والله الذي لا إله إلا هو، مشكلة المسلمين المليار والخمسمئة مليون مسلم تحل بكلمتين في القرآن الكريم، بكلمتين، هذا كلام خالق السموات والأرض، هذا كلام من بيده كل شيء، الكلمتان قبل أن أذكر الآية:

﴿ وَقَدّ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[سورة إبراهيم الآية:46]

 أي هل تستطيع قوى الأرض مجتمعة أن تنقل جبل لبنان إلى فلسطين أو إلى اليمن؟ قوى الأرض، تمثال في السد العالي اشتركت مئة دولة لنقله، أن تنقل جبلاً! فكيف يقول الله عز وجل في القرآن الكريم:

﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾

 معنى ذلك أن مكرهم شيء يصعب تصوره، يقول الله عز وجل في الآية التي أعنيها:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[سورة آل عمران الآية:120]

 إله يقول، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين،

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾

 أما المعصية مع الصبر فليس بعدها إلا القبر، المعصية مع الصبر، هذا ليس صبراً هذا قهر، المعصية مع القهر طريقها طريق إلى القبر، أما الطاعة مع الصبر فطريقها النصر،

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الرعد الآية:11]

 فالطريق واضح.

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق آياته ولكن الخلل عند المسلمين :

 شيء آخر: مادام الموضوع بُحِثَ نتابع، أي حينما يقول الله عز وجل:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الروم الآية:47]

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[سورة غافر الآية:51]

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[سورة الصافات الآية:173]


 والله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق هذه الآيات، ولكن الخلل عندنا.

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[سورة النساء الآية:141]

الإيمان المطلوب من المسلمين هو الإيمان الذي يحملهم على طاعة الله :

 إذاً لا بد من إيمان، أي إيمان؟ الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله، أما الإيمان الذي لا يحملنا على طاعة الله فهو إيمان إبليسي، لماذا؟ لأن إبليس قال ربي:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[سورة ص الآية:82]

 آمن به رباً وعزيزاً.

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[سورة الأعراف الآية:14]

 قال له:

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 12]

 فما دام إبليس تحدى الخالق في عدم الطاعة، فكل إيمانه لا قيمة له، فنحن كمسلمين إذا اعتقدنا اعتقاداً ولم تأتِ حركتنا في الحياة مؤكدة لهذا الاعتقاد فلا قيمة لهذا الاعتقاد، وأكبر دليل أستاذ عبد اللطيف:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[سورة الأنفال الآية:33]

 قال علماء التفسير: هذه الآية في عهد النبي، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى ما معناها؟ قال العلماء معناه مادام المسلمون مطبقين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعذبوا،

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 فنحن في بحبوحة، طاعة رسول الله هذا الذي أنا أؤمن به، فأنا رجل دين بالأصل.
الأستاذ عبد اللطيف:
 إذا عدنا إلى مفهوم العبادة كوسيلة أو كمفتاح لاستنهاض الأمة، ونحن الآن في زمن أو في ذكرى النكبة، التي نتذكر فيها الشعب الفلسطيني بل الأمة الإسلامية في فلسطين كيف نوظف معنى العبادة في بلسمة جراح أمتنا في النكبة؟ أريد أن أسمع منك تفصيلاً ولكن بغد الفاصل، فضيلة الشيخ حتى تعطي الموضوع حقه بشكل كامل كما تعودنا منك.
 أخوتنا الكرام عن بلسمة جراح أمتنا في نكبتها وعلاقة مفهوم العبادة في الإسلام، كونوا معنا بعد الفاصل.
 مجدداً أرحب بكم أعزائي المشاهدين مع مفهوم العبادة في الإسلام، ومع فضيلة الدكتور الداعية محمد راتب النابلسي، دكتور نسألك سؤالاً أيضاً فوق الذي وعدنا المشاهدين أن نسمع منك تفصيله، وهو أيضاً يدخل فيه، هل يعتبر واقع أمتنا اليوم يفرز واجبات جديدة تتقدم على العبارات الشاعرية في الأهمية مثل استلاب أعدائنا لقرارنا وضعف قوتنا؟.

 

العبادة طاعة طوعية وليست قسرية :

الدكتور راتب:
 والله لا بد من تعريف العبادة: هي طاعة طوعية وليست قسرية، لأن الطاعة القسرية هي طاعة الأقوياء، ويقع على رأس الهرم البشري زمرتان؛ الأنبياء والأقوياء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، لهذا أحب الناس الأنبياء وخافوا من الأقوياء، وبطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء، هي طاعة طوعية، وليست قسرية لأن الله ما أراد أن تكون علاقتنا به علاقة قهر، ولا علاقة جبر، علاقة حب، قال:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة الآية: 45]

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة الآية:165]

 هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، ولأن العبادة كما قلت قبل قليل عبادة شعائر وعبادة معاملات، فإذا صحت معاملات المسلمين معنى ذلك أن الدين هو الحياة، وأن أمةً أرضها مستلبة، وأن أمةً إرادتها مقهورة، لا يمكن أن ترضى بهذا الواقع، إلا أن تستخدم كل ما تملك من أجل استرجاع ما سلب منها واسترداد كرامتها في أعلى درجة، لذلك لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[سورة الشورى الآية:39]

 أي المؤمن عزيز.

 

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميتُ
* * *

 

أنواع الجهاد :

 العبادة الصحيحة تشمل أن نقاوم، العبادة الصحيحة تشمل أن نجاهد، هناك جهاد النفس والهوى، وهو جهاد أساسي في حياة المؤمن، لأن المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملةً، وهناك جهاد آخر، الجهاد الدعوي، وقد قال الله عز وجل :

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان الآية:52]

 أما الجهاد المتعلق بانتصارنا على أعدائنا الذي يسبق الجهاد القتالي فهو الجهاد البنائي، أي ينبغي أن نبني أمتنا.
الأستاذ عبد اللطيف:
 في سلم هذه الأولويات، شيخنا الجليل، إذاً أين تضع أنت قضية فلسطين والعمل على تحرير فلسطين وعودة الحقوق لأهلها؟

 

أنواع النصر :

الدكتور راتب:
 حينما تحتل أرضنا، وتنهب ثرواتنا، ويقهر شعبنا، لا شيء يسبق أولوية الجهاد القتالي، حينما تستلب أرضنا، وتنتهك حرماتنا، ويذل شعبنا، لا يمكن أن يكون هناك عمل يسبق الجهاد القتالي، أما في الأحوال العادية، إذا لم يكن هناك مشكلة، فنبدأ بالجهاد الأول وهو الجهاد النفسي، ثم الجهاد الدعوي، ثم الجهاد البنائي، ثم الجهاد القتالي، لكن لا بد من التنويه إلى أن هناك نصراً استحقاقياً:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[سورة آل عمران الآية:123]

 وهناك نصر تفضلي، أي تفضل الله عليهم فانتصروا مع أنهم لم يؤدوا أسباب النصر، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

[سورة الروم]

 هذا النصر الثاني، وهناك نصر كوني، إذا شرد المتحاربان عن الله معاً فالأقوى ينتصر، الذي عنده سلاح مداه المجدي أطول ينتصر، الذي عنده دقة الإصابة أشد ينتصر، الذي عنده أقمار صناعية ينتصر، الذي عنده حاملات طائرات ينتصر، حينما يفقد الطرفان إيمانهم بالله هذا النصر الكوني، أما الذي تأتيه شظية وتقتله وهو مؤمن موحد، فهذا نصر مبدئي، صار هناك نصر استحقاقي، ونصر تفضلي، ونصر مكوني، ونصر مبدئي، لكن الذي أتمنى أن يكون واضحاً أن النصر له شرطان؛ كل واحد منهما شرط لازم غير كافٍ، اللازم الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، الثاني: الإعداد:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 60]


 فإذا آمنا الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله، وإذا أعددنا العدة، الله عز وجل رحيم بنا ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة، كلفنا أن نعد القوة المتاحة،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

 هذان الشرطان أساسيان كافيان لإحراز النصر، هذا الكلام موجه إلى الأمة.
الأستاذ عبد اللطيف:
 ما دمنا في الثلث الأخير الثالث من الحلقة، قبل أن يمضي الوقت وقبل أن نسمع من فضيلتكم شرحكم لمصطلح أطلقتموه ألا وهو عبادة الهوية، وكيف يصب في نفس هذا الاتجاه؟.

 

عبادة الهوية :

الدكتور راتب:
 أولاً كل مسلم مكلف أن يصلي، وأن يصوم، وأن يحج، وأن يزكي، وأن يطبق العبادة التعاملية، صدق، وأمانة، واستقامة...الخ، لكن هذا المسلم من؟ لعله عالم، نقول له: أنت أيها العالم أول عبادة لك تعليم العلم، وألا تأخذك بالله لومة لائم.

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

 هذه عبادة العالم، القوي، أنت قوي؟ أول عبادة إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ونصرة الضعيف، هذه عبادته الأولى، هذه الأولى بالنسبة له، أنت غني؟ أول عبادة لك إنفاق المال في سبيل الله، فصار عندنا هوية، القوي له عبادة إحقاق الحق، الأقوياء من المسلمين إذا تقاعسوا عن نصرة أخوانهم في فلسطين إثمهم أكبر بمليون مرة لأنهم أقوياء، معهم أسلحة، معهم قوة مؤثرة، فالقوي لا يُمدح إذا أنفق ماله، لا يمدح إذا صلى قيام الليل، القوي عبادته الأولى في نصرة أخوته.
 وأما العالم فينبغي ألا يجامل، لأن العالم إذا خاف من القوي سكت عن الحق وتكلم بالباطل، فتنتهي دعوته كلها،

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

 لو أن العالم خشي الله، فسكت عن الحق إرضاء لهذا القوي، أو نطق بالباطل إرضاء له أيضاً، سكت عن الحق خوفاً منه، وتكلم بالباطل إرضاء له انتهت دعوته كلها.
 لذلك سُئل مرة الحسن البصري: بِمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي.
 فإذا استغنى الناس عن علم العالم واحتاج إلى ما عندهم، انتهت الدعوة كلياً، أما الغني فالعبادة الأولى إنفاق ماله في سبيل نصرة إخوانه، فالغني له عبادة، والعالم له عبادة، والقوي له عبادة، والمرأة لها عبادة، اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله، هذه المرأة.
 لذلك عندما فتح النبي الكريم مكة نصب لواء النصر أمام قبر أمنا خديجة، وتمنى أن ينام إلى جانب قبرها، ونام إلى جانب قبرها ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر.
 هذه عبادة الهوية، من أنت؟ أنت عالم؟ أنت قوي؟ أنت غني؟ أنت امرأة؟ عبادة أولى كلفنا الله بها، لذلك العالم يصل إلى أعلى عليين حينما لا تأخذه بالله لومة لائم، حينما ينطق بالحق ولا يعبأ بما سيكون، وأما الغني فالعبادة الأولى إطعام الطعام، إنشاء المستشفيات، إنشاء المستوصفات، إنشاء دور الأيتام، إنشاء دور العجزة، تأمين دور للشباب، والله أمام الأغنياء أعمال تصل بهم إلى أعلى عليين، فالغني له عبادة، والقوي له عبادة، والعالم له عبادة، والمرأة لها عبادة.
الأستاذ عبد اللطيف:
 شيخنا، ما هي عبادة المبتلى؟ وتشريده عن بيته، وانهدام داره، وقتل بعض أولاده وهم في حالة ابتلاء وبأس، ما هي عبادة هذا الإنسان؟.

 

الضعيف يصبر لأنه يعلم أن كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع :

الدكتور راتب:
 الورع حسن لكن في الأمراء أحسن، والعدل حسن لكن في الأقوياء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والصبر حسن لكن في المبتلى أحسن، طبعاً الصبر:

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر]

 أنا لا أتمنى أبداً أن تفهم من كلامي أنه اجلس، لا، أنت ضعيف هذا سر قوتك، وأنت قوي هذا سر ضعفك، الضعيف يجمع شأنه، يلملم شمله، يحسن دخله، يعمل، يجتهد، فيصبح قوياً، أنا ضد أن تستسلم، أن تقول: لا يوجد بيدنا شيء، هذا موقف انهزامي، ولو كنت ضعيفاً ربنا عز وجل يضع سره في أضعف خلقه، وأنا والله كما ترى، الفئة الضعيفة الضعيفة جداً كيف تنتصر؟ انتصرت، هذا ضعيف لكنه انتصر لأنه طبق شرطي النصر، آمن واستقام على أمر الله ثم وفضلاً عن ذلك أعدّ ما يستطيع.
 فأنا أقول للضعفاء: يمكن أن تكونوا أقوياء لأن الله هو القوي، والله عز وجل يمنح القوة لعباده الضعفاء، فالضعيف يصبر لأنه يعلم علم اليقين أن كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فالضعيف يخطط، ويسعى، ويتعاون، حتى يتفضل الله عليه فيجعله الله قوياً.
الأستاذ عبد اللطيف:
 اللهم آمين، شيخنا الجليل في الختام نود منك في دقيقة إن شاء توفقون إلى كلمة توجهونها تلخصون فيها معنى العبادة، تتوجهون بها إلى السائس والمسوس، إلى العالم والجاهل، إلى القادة والمقودين، إلى كل شرائح المجتمع بما يفهمه كل هؤلاء.

 

آيات الله الدالة على عظمته جرعات منعشة لنا :

الدكتور راتب:
 أنا والله أرى أن هذه الآية التي يفهمها معظم الناس أنها متعلقة بالكون الآن أصبح لها معنى، قال تعالى:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت الآية: 53 ]

 آيات كثيرة الآن تظهر، من هذه الآيات انهيار النظام العالمي المالي الذي يؤكد عظمة هذا الدين، الذي يحرم التعامل بالقيمة، والتعامل بالدين بيعاً وشراء، يحرم الربا، وأسباب انهيار النظام العالمي هو التعامل بالقيمة، مسموح لنا أن نتاجر بالسلعة وبالخدمة لا بالقيمة، تاجروا بالقيمة، ثم تاجروا بالدين، ثم أكلوا الربا، هذا النظام انهار.
 هذه أنفلونزا الخنازير أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته، من مئتي حالة إلى أربعة آلاف حالة بأسبوعين، شيء مخيف.
 الآن انتصار أخوتنا في غزة من آيات الله الدالة على عظمته، الله يعطينا جرعات منعشة، هذه تدعو إلى التفاؤل، هناك عالم كبير أمريكي هداه الله إلى الإسلام، زار الجالية الإسلامية في بريطانيا قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب، على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء هم ضعفاء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام بشرط، هذا أهم كلام أقوله للجميع؛ بشرط أن يحسنوا فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ عبد اللطيف:
 نسأل الله تعالى أن يجعل كلماتك النيرة المنيرة إن شاء الله تقع في آذان سامعة وفي قلوبٍ واعية.
 شكر الله لك ما أفضت به فضيلة الدكتور، والشكر موصول لكم أعزائي المشاهدين على حسن إصغائكم واستماعكم للدرر الهامة التي أفاض بها فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، وإلى أن نلتقي بكم، هذا عبد اللطيف الرواس، نستودعكم الله.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته