مختلفة لقناة المستقبل - الندوة : 1 - الصيام وحكمته- حال المؤمن في رمضان

2000-01-01

تقديم وترحيب :

الأستاذ زياد :
 السلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحيكم في هذا اللقاء الذي يتجدد بإذن الله تعالى مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ بكلية التربية بجامعة دمشق ، وأستاذ مادة الإعجاز العلمي في كليات أصول الدين والشريعة .
 أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم ، والسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله تعالى .
الأستاذ زياد :
 في آيات الصيام في سورة البقرة نقرأ قول الباري عز وجل :

 

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾

( سورة البقرة الآية : 184 )

 البعض منا يحاول أن يتلمس الحكمة من كل عبادة تعبدنا الله سبحانه وتعالى بها ، ولكن للصوم حكم كثيرة ، ويجهد علماء الدين الأطباء ، علماء التربية ، علماء الاجتماع بتبيان حكم الصوم ، هل لنا من أن تستعرض بعض الحكم ، وأهم تلك الحكم ، ولاسيما أننا نقول دائماً في أمر تعبدنا الله فيه ، نقول دائماً : سمعنا وأطعنا .

مقدمة :

1 – أمانة نفسِ الإنسان :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ زياد ، جزاك الله خيراً على هذا السؤال ، لكن لا بد من مقدمة .
 بادئ ذي بدء ؛ الإنسان هو المخلوق الأول رتبة ، لقوله تعالى :

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 والأمانة عند جمهور العلماء : نفسه التي بين جنبيه ، أوكل الله إليه تزكيتها ، فقد قال تعالى :

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

 

( سورة الشمس )

2 – مقوِّمات تزكية نفسِ الإنسان :

 وما وكَّل الله لهذا الإنسان تزكية نفسه إلا وأعطاه مقومات هذه التزكية .

1 ـ الكــون :

 أعطاه كوناً ينطق بوجود الله ، ووحدانيته وكماله ، أعطاه كوناً مسخراً له تسخير تعريف وتكريم ، فينبغي أن يكون رد فعل التعريف الإيمان ، ورد فعل التكريم الشكر ، فإذا آمن الإنسان وشكر حقق الهدف من وجوده ، قال تعالى :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

 

( سورة النساء الآية : 146 )

 أعطاه الكون وسخره له تسخير تعريف وتكريم .

2 ـ العــقـل :

 منحه العقل ، وجعل مبادئ العقل متوافقة مع نظم الكون ، فبالعقل يهتدي إلى الله .

3 الفــطرة :

 منحه فطرة تكشف له الخطأ ، قال تعالى :

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

( سورة الشمس )

4 ـ الشـهوة :

 منحه شهوة كقوة دافعة ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، يرقى بها مرتين ، يرقى بها صابراً إذا امتنع عما حرم الله ، ويرقى بها شاكراً ، والشهوة حيادية ، يمكن أن تكون سُلّماً يرقى بها إلى أعلى عليين ، ويمكن أن تكون سلّماً آخر يهوي بها إلى أسفل سافلين .

5 ـ الحـرية :

 ثم أعطاه حرية اختيار ليثمن عمله .

6 ـ الشرع :

 ثم منحه هذا الشرع العظيم ، كمنهج قويم لحركته في الحياة .
 لذلك الإنسان هو المخلوق الأول ، والمخلوق المكرم ، فقال تعالى :

 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾

( سورة الإسراء )

3 – الإنسان مكلَّف بالعبادة :

 والإنسان هو المخلوق المكلف ، نقترب من عنوان هذه الحلقة الطيبة ، لقد كلفه الله بعبادته ، فقال تعالى :

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

 

( سورة الذاريات )

 والعبادة في أدق تعريفاتها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
 فالسلوك والالتزام هو أصل العبادة ، والمعرفة هي السبب ، والناحية الجمالية هي الثمرة .
الأستاذ زياد :
 إذاً : العبادة طوعية .
الدكتور راتب :

4 – العبادة طوعٌ واختيارٌ :

 طاعة طوعية ، لو أنها قسرية ليست عبادة ، لو لم تمتزج معها محبة قلبية ليست عبادة ، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، وما عبد الله من أحبه ولم يطيعه .
الأستاذ زياد :
 إذاً : ليس لنا ، أو قد يكون لنا أن نتلمس العلة من أمر تعبدنا الله به ، ولكن علينا بغض النظر عن هذه العلة أن نطيع طاعة طوعية كما تفضلتم .

5 – الانتفاع بالشيء ليس أحدَ فروع العلمِ به :

الدكتور راتب :
 هناك قاعدة منطقية رائعة ، أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ، فيمكن أن تطيع الله ، وأن تقطف كل ثمار الطاعة دون أن تغوص في حكم هذه الطاعة ، وكل هذه الحِكم يحتاجها الدعاة إلى الله ، ويقنع الناس بها .
 مثلاً : لو أن إنسانا لا يقرأ ولا يكتب اشترى مكيفا ، وضغط مفتاح التشغيل ، وجاءه الهواء البارد ، ولو جاء إنسان ، واخترع هذا الجهاز ، فضغط الزر وجاءه الهواء البارد لكانوا سواء في ذلك ، لأن الانتفاع من هذا المكيف لا علاقة له بفهم دقائق عمله .
 قالوا : الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ، فلمجرد أن ينصاع المسلم لأمر الله يقطف كل الثمار ، لكنه عابد ، لكن العالم ينبغي أن يعرف العلل والحكم ، حتى إذا دعا إلى الله لتكون دعوته مقبولة عقلاً .

6 – الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط :

 ذلك لأن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي ، أنا ألح على الكلمة الثانية ، خط النقل الصحيح ، لأن هناك نقلاً غير صحيح ، أحاديث مكذوبة ، أو موضوعة ، أو ضعيفة ، وخط العقل الصريح ، لأن هناك عقلاً تبريرياً ، وهو ساقط في نظر الناس ، وعند الله عز وجل ، ويستخدَم العقل التبريري ليغطي انحرافه .
 إذاً : العقل الصريح ، والفطرة السليمة ،هناك فطرة منطمسة ، والواقع الموضوعي ، هناك واقع مزور ، فالحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي ، فالإنسان مخلوق مكلف بعبادة الله .

7 – العبادات شعائر ومعاملات :

 ولكن العلماء صنفوا العبادات إلى صنفين كبيرين : عبادات شعائرية ، وعبادات تعاملية ، العبادات الشعائرية كالصوم ، ونحن في شهر الصوم ، كالصوم ، والصلاة ، والحج الزكاة ، والنطق بالشهادة ، والعبادات التعاملية كالصدق ، والأمانة ، والعفة ، والوفاء بالوعد والرحمة ، والإنصاف ، وما شاكل ذلك .
 
لكن الحقيقة الصارخة أن العبادات الشعائرية لا تقبل ، ولا تصح ، ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، وينبغي أن تطالبني بالدليل .
الأستاذ زياد :
 هذا ما أود أن أقوله ، تجزمون أن أمر القبول هو أمر غير معروف ، أمر لله سبحانه وتعالى ، ليس لأحد أن يقول لأحد : إن صلاتك غير مقبولة ، وهو قد أداها بشروطها ، ولكن تقولون : إن لم تلتئم ، أو تكتمل العبادة التعبدية مع العابدة الشعائرية مع العبادة التعاملية فالعبادة الشعائرية لا تقبل ، فكيف لمن امتنع عن الشهوات من الأكل والشرب ، وما إلى هنالك من مفطرات الصيام ، امتنع عن ذلك ، وتقول له : صيامك غير مكتمل ، أو غير مقبول .

8 – العبادات الشعائرية لا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

الدكتور راتب :
 لولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، إذا كنت ناقلاً فالصحة ، أو مدعياً فالدليل .

1 ـ الصلاة :

 نبدأ بالصلاة :

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة ، يجعلها الله هباءاً منثورا قيل : يا رسول الله جلهم لنا ، قال : إنهم يصلون كما تصلون ، ويصومون كما تصومون ويأخذون من الليل ما تأخذون ، ولكنهم إذا خلو بمحارم الله انتهكوها ))

 سقطت عبادتهم ، النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه :

(( أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟ قالُوا : المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))

[ رواه البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ ]

 أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ :

(( هِيَ فِي النَّارِ ))

[ رواه أحمد والبزار ]

 هذه الصلاة .

الصوم :

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزّورِ والعَمَلَ بهِ فَلَيْسَ لله حاجَةٌ بأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[ رواه البخاري عن أبي هريرة ]

(( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ))

[ أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ]

 هذا الصوم .

الحج :

(( إذا حج المسلم بمال حرام ، ووضع رجله في الركاب ، وقال : لبيك اللهم لبيك ناده منادٍ في السماوات والأرض أن : لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك ))

الإنفاق :

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

( سورة التوبة الآية : 53 )

النطق بالشهادة :

(( من قال : لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة ، قيل : وما حقها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله ))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 هذه أدلة قطعية ثابتة من الكتاب والسنة تؤكد أن العبادة الشعائرية ، ومنها الصيام لا تقبل ، ولا تصح ، ولا تقطف ثمارها إلا إذا رافقتها عبادة تعاملية منضبطة .

9 – رمضان صفحة جديدة لمحوِ الماضي :

 ذلك أن رمضان فرصة لا تقدر بثمن ، يمكن أن تفتح مع الله صفحة جديدة ، وأن الماضي بأكمله جملة وتفصيلاً يغفره الله ، ما الدليل :

(( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه ]

(( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه ]

 أرأيت إلى إنسان عليه ديون بالملايين ، وكل أملاكه محجوزة ، جاءه من يقول له : معك ثلاثون يوما افعل فيها كذا وكذا ، وتعفى من كل هذه الديون .
 نحن أمام فرصة ، لا تقدر بثمن ، نفتح فيها مع الله صفحة جديدة ، لأن هذا الشهر دورة دينية مكثفة العبرة منه أن ترتقي إلى الله ، أن تذوق طعم القرب .

لو شاهدت عيناك من حسننا الذي  رأوه لما وليت عنا لــــــغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب الــــعجب وجئتنا
ولو ذقت من طــــعم المحبة ذرة  عذرت الـذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولــــو نسمت من قربنا لك نسمة  لــــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
ولــــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركت جميع الكائنـــات لأجلنا
***


 أراد الله من هذا الشهر أن نذوق طعم القرب منه ، أن نصلي الفجر في جماعة .

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ أحمد]

 نحن إذا تعرفنا إلى الله ، وتعرفنا إلى منهجه ، وأقبلنا عليه أودع الله في قلوبنا سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم ، لأنك مع الجليل ، مع العظيم ، مع الرحيم .
 يقول بعض علماء المسلمين : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ .
 

أراد الله في هذا الشهر أن نقترب منه ، أن نذوق طعم القرب منه ، أن نذوق حلاوة منجاته ، لكن الإنسان في غفوته في شؤون حياته يغفل عن الشيء الأساسي في حياته ، ذلك لأن الله عز وجل يتجلى على عبده بالسكينة في رمضان ، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .

خاتمة وتوديع :

الأستاذ زياد :
 نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، جزاكم الله خيراً فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في كليات أصول الدين الشريعة ، وأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق ، وهو غني عن التعريف ، وأحد أبرز دعاة دمشق ، وعلمائها ، وأشكركم مشاهدي الكرام ، ونلتقي في الغد بإذن الله تعالى ، نسأل الله تعالى لكم صياماً مقبولاً وإفطاراً شهياً ، ودعاء مستجاباً ، وعبادة متقبلة ، بإذن الله لكم التحية .
 والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .