درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 27 - الوقت في حياة الانسان

1998-01-05

 أعزائي المشاهدين، إخوتي المؤمنين، السلام عليكم ورحمة الله بركاته، وكل عام وأنتم بخير
 أكثر الناس، يدعون لمن يحبونهم، أو لمن يسدي إليهم معروفاً يدعون له بطول العمر، وهل يطول العمر ؟.. وإذا كان العمر يطول، فما الذي يطيله ؟..
 الإنسان ـ أيها الإخوة ـ أي إنسان مفطور على حب وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى استمرار وجوده، قال تعالى:

﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)﴾

[سورة البقرة]

 والدين نفسه، يعد طول العمر نعمة إذا اقترن بالعمل الصالح، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ))

 

[رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وأحمد والدارمي]

 لكن الموت ينغص على الإنسان حياته، فكثيراً ما يختطف الشابَّ وهو في ريعان شبابه، والعروس ليلة زفافها، والوحيد لمدلل من بين يدي أهله والغني المترف من أحضان نعمته، لهذا سُمي الموت هادم اللذات مُفرِّق الأحباب مُشتت الجماعات، وفي الحديث الشريف:

 

((عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مُفارقه، واعمل ما شئت فإنك مُجزي به ))

 

[قال العجلوني في كشف الخفاء 2/77: رواه أبو الشيخ وأبو نعيم والحاكم وصحح إسناده، وحسنه العراقي]

 ولم يسطع الطب ـ أيها الإخوة ـ الذي وصل إلى زرع قلب مكان قلب ولا العلم الذي صل بالإنسان إلى سطح القمر، أن يُقاوم الهرم، وأن يُعيد الشيخ إلى شبابه، بعد أن رُدَّ إلى أرذل العمر، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ))

 

[أخرجه البخاري، وابن ماجة، وأحمد]

 ما دام عمر الإنسان محدوداً بهذه الصورة فأنى له أن يُطيله ؟
وكيف يستطيع ؟.
 الحقيقة أنه ليس عمر الإنسان الحقيقي، هو تلك السنوات التي يعيشها الإنسان من يوم ولادته إلى يوم وفاته، بل إنَّ عمر الإنسان الزمني هو أتفه أعماره، إنما عمره الحقيقي، هو حجم العمل الصالح الخالص في دوافعه.
صاحب الحكم ابن عطاء الله السكندري:

 

(( رُبَّ عُمُرٍ اتَّسعت آماده وقلت أمداده، ورُبَّ عُمُرٍ قليلةٌ آماده، كثيرة أمداده، ومن بورك له في عمره، أدرك في يسير من الزمن، من المنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة ولا تلحقه ومضة الإشارة ))

 لهذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو ويقول:

 

 

(( لا بورك لي في طلوع شمس يوم، لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم، لم أزدد فيه من الله قُرباً ))

 الإنسان يستطيع أن يُطيل عمره، بمقدار ما يُفقُ إليه من عبادة لله تعالى وإحسان إلى خلقه، وكلما توافر لعمله، الإخلاص والإتقان كان الأجر والفضل أعظمَ عند الله.
 وكلما اتسعت رقعة العمل، فشملت أعداداً كبيرة من البشر، حتى دخلت فيه الأمم والشعوب، وكلما امتد أمد العمل وطال، حتى توارثت ثماره أجيال وأجيال، وكلما تغلغل العمل، في كيان الإنسان كله المادي والنفسي والاجتماعي والروحي، حتى تحقق به وجود الإنسان، وتألقت من خلال إنسانيته، وكان كما أريد له أن يكون، كلما اتسعت رقعة العمل وعمَّ خيره وطال أمده، واشتد تأثيره كان أعظم عند الله.
 فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخرج الناس من الظلمات إلى، النور ومن دركات الجاهلية، إلى أعلى مراتب الإنسانية، وغير وجه التاريخ البشري كله، إلى اليوم وإلى ما شاء الله، في ثلاثٍ وعشرين سنة أقام فيها ديناً جديداً وربى عليه جيلاً فريداً، وأنشأ أمة مثالية، وأسس دولة عالمية في هذا الزمن اليسير، على الرغم من كل الصعوبات والمعوِّقات التي اعترضت سبيله من أول يوم.
***
 يزداد ثقل العمل في ميزان الحق، وتتضاعف قيمته ومثوبته، عند الله كلما كثرت المعوقات في سبيله، وعظمت الصوارف عنه، قل المُعين عليه.
 ويزداد ثقل العمل في ميزان، الحق وتتضاعف قيمته ومثوبته، عند الله حينما تفسد المجتمعات، وتضطرب الأحوال فيجور، وفي الحديث الصحيح:

 

 

(( قـَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

 

[ أخرجه مسلم والترمذي وأحمد وابن ماجة]

 وهنا محلُّ الإشارة ـ أيها الإخوة ـ إلى أنَّ الإنسان إذا رُزق التوفيق في إنفاق وقته، يستطيع أن يُطيل عمره إلى ما شاء الله، بعد موته، فيحيى وهو ميت، ويؤدي رسالةً وهو تحت التراب، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ))

 

[رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدرامي ]

 وفي حديث آخر تضمن تفصيلات لهذه الثلاث، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ))

 

[والترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد والدارمي، وابن خزيمة في صحيحه]

 وأخرج مسلم في صحيحه:

 

(( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ))

 

[رواه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجة وأحمد والدارمي وللحديث تتمة]

 وويل لمن انقضت آجالهم، وضلالاتهم وآثامهم باقية من بعدهم وهنيئاً لمن كانوا تحت الثرى والناس مهتدون بهديهم سعداء بأعمالهم.
أيها الإخوة الكرام، أشكر لكم إصغاءكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
*****