درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 25 - الدعاء المستجاب

1995-04-04

 أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
 فالمسلم حين يصوم نهار رمضان ، يصوم فمه عن الطعام والشراب وتصوم أعضائه وجوارحه عن كل معصية ، ثم يقوم ليلة رمضان ، مصلياً فتسمو نفسه ، وترقى ، وتسعد بربها ، عندئذ يكون الصائم قد أقترب من معاني ليلة القدر ، التي هي خير من ألف شهر والدعاء مستجاب ، ممن استجاب لله ورسوله ولا سيما في هذه الليلة قال تعالى:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)﴾

( سورة غافر: 60 )

واستنباطاً من هذه الآية ، قال عليه الصلاة والسلام: الدعاء هو العبادة.
 فالمسلم حينما يدعو الله عز وجل ، كما ينبغي إن يدعوه ينطلق من أن الله تعالى ، يسمعه ، ولو ناده نداءاً خفياً ، وأن الله تعالى رءوف به رحيم ، وأنه عليم به وخبير ، وأنه جل جلاله على كل شيء قدير ، لهذا يعد من يدعو الله حقاً على علماً ومعرفة به.
أيها الأخوة المشاهدون:
 وما دام الصائم قد ذاق حلاوة القرب في شهر رمضان ، فهو سيتجه بالشكر لله عز وجل، على ما أولاه من نعم المعرفة والقرب وهنا يناسب أن يقول الله عز وجل عقب آيات الصيام:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

( سورة البقرة: 186 )

 أيها الأخوة الكرام:
قال الله تعالى:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾

 ولم يقل وإن سألك لأن إذا تفيد تحقق الوقوع ، بينما إن تفيد احتمال الوقوع أي أن من لوازم معرفة الله عز وجل ، والوصول إليه والتنعم بقربه ، التوجه إليه وحده ، بالسؤال والدعاء ، وهذه هي حقيقة التوحيد.
فقد قال عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا ترد دعوتهم ، الصائم حتى يفطر والإمام العادل، ودعوة المظلوم ، يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء.
ويقول الله عز وجل: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين.
أخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، والإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة.
أيها الأخوة المشاهدون:
 لو تأملتم في آيات القرآن الكريم ، لوجدتم مادة السؤال ، ورد في جوابه قل.

 

 

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾

 

( سورة البقرة: 219 )

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً (105)﴾

( سورة طه: 105 )

 إلا في هذه الآية:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾

 

 

 إلا في هذه الآية وحدها فلم يرد في جوابه قل ، أشعاراً بأنه ليس بين العبد وبين ربه في سؤاله له ودعائه إياه وسيط.

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

( سورة البقرة: 186 )

 سئل عليه الصلاة والسلام أقريب ربك فنناجيه ؟ أم بعيد فنناديه لأن البعيد ينادى ، والقريب يناجى ، فنزل قوله تعالى:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 وكلمة عباد أيها الأخوة ، غير كلمة عبيد ، فكل من في الأرض من البشر عبيد لله عز وجل ، لأنهم مفتقرون في وجودهم ، وفي استمرار وجودهم وخصائصهم وحاجاتهم ، ومقهورون في هذا كله إلى الله عز وجل ، ولكن العباد هم الذين تعرفوا إليه ، والتزموا منهجه وتقربوا منه ، مبادرةً منهم وبمحض اختيارهم ، وبدافع من حبهم له فالعبد الذي جمعه عبيد هو عبد القهر.

 

 

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

 

( سورة فصلت: 46 )

 بينما العبد الذي جمعه عباد ، هو عبد الشكر.

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 

أيها الأخوة المشاهدون:
 ولكن لماذا قال الله عن ذاته [فإني قريب] ؟ قال [فإني قريب] ليشعر المؤمن أن الله معه في كل مكان ، وفي كل زمان ، وفي كل حال ، وأنه ما عليه إلا أن يدعوه مؤمناً ومخلصاً ، والله يجيب دعوته لكن الإنسان لضعف إيمانه ، أو لضعف توحيده ، يدعو غير الله لذلك قال تعالى:

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾

( سورة فاطر: 14 )

ولكن لماذا لا يستجاب الله أحياناً لمن يدعوه ؟ أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال.
 قال عليه الصلاة والسلام: إن الرجل ليطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يده إلى السماء ، يقول يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام وملبسه حرام ، وغذيه بالحرام ، فأنى يستجاب له.
رواه مسلم في صحيحه.
لذلك قال الله تعالى:

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾

 تؤمن به ، فتستجيب لأمره ، فيجيب دعائك ، ثم إن الله سبحانه وتعالى حينما ختم هذه الآية بقوله الكريم:

 

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

 أشار المفسرون إلى أنه لعلهم يرشدون إلى الدعاء المستجاب أو إلى سعادة الدنيا والآخرة، وحينما لا يستجاب الدعاء ، يعزى ذلك إما إلى فساد الداعي وانحرافه عن منهج الله، أو أنه ليس من الرحمة والحكمة ، أن يستجاب له ، يدخر هذا له في الآخرة ، فلو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، وعلى كل فحظ المؤمن من الدعاء الإجابة ، أو العبادة فالدعاء هو العبادة ، بل هو مخ العبادة ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الأخوة المشاهدون:
أرجو أن الله سبحانه وتعالى أن تكونوا قد أفتم من هذه الموضوع وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى.