الترغيب والترهيب - الدرس : 057 - كتاب الصدقات - الترغيب في القرض وماجاء في فضله - الترغيب في التيسير على المعسر وإنظاره والوضع عنه

1997-07-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء:

 قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( كل قرض صدقة ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 أيها الأخوة، نحن في دار ابتلاء , لسنا في دار جزاء , ما دمنا في دار ابتلاء شاءت حكمة الله عز وجل أن يتفاوت الناس في الرزق , هذا التفاوت يرقى بهم جميعاً , يرقى الغني حينما ينفق , ويرقى بالفقير حينما يقترض ويرد القرض , ويسقط الغني إذا امتنع، ويسقط الفقير إذا اقترض ولم يرد القرض , فنحن في دار ابتلاء.
 إذاً: أخوك عندما يحتاجك هذا ابتلاء لك وله , ابتلاء لك هل تعطي أم تمنع ؟ وابتلاء له هل يرد القرض أما لا يرده ؟.

 

(( والناس معادن ))

 

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]

 كما قال عليه الصلاة والسلام.

 

كل عمل صالح يفعله الإنسان هو قرض لله جلّ جلاله:

 

 إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل كل عمل صالحٍ إطلاقاً قرضاً له جلّ جلاله، قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

( سورة البقرة الآية: 245 )

 أي إذا عالجت حيواناً مريضاً هذا قرض لله عز وجل، إذا كنت طليق الوجه بأخيك هذا قرض لله عز وجل , إذا عدت مريضاً فكأنما زرت الله عز وجل , إن أطعمت فقيراً فكأنما أطعمت الله عز وجل، شاءت حكمت الله بآية قطعية الدلالة , أن يكون كل عمل صالح على الإطلاق قرضاً لله عز وجل , والله عز وجل هو الذي سيكافئ.
 قبل يومين جرى احتفال بسيط لطلاب معهد تحفيظ القرآن الكريم , قلت للأساتذة: لا يمكن أن يكافئكم أحد إلا الله عز وجل , لأنهم داوموا , وتعبوا , وحضّروا , ودرّسوا لوجه الله دون أن يأخذوا شيئاً , فالله وحده هو الذي يكافئ , والإنسان مهما أعطى، عطاؤه لن يكون مكافأة أبداً , لأن الدنيا بأكملها حتى لو نلتها هي مؤقتة , وزائلة , الدنيا كلها ليست عطاءً، لو الله أعطاك الدنيا كلها , مال الدنيا , عزّ الدنيا , سلامة الدنيا , لو أعطاك الدنيا كلها، مادامت الدنيا تنتهي عند الموت إذاً ليست عطاءً.

 

(( لو كَانت الدُّنيا تَعْدِلُ عند الله جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سقَى كافراً منها شَرْبَة ))

 

[ أَخرجه الترمذي عن سهل بن سعد رضي الله عنه ]

 ليست عطاء إنما هي دار ابتلاء.

 

القرض يفعل في النفس فعلاً أبلغ من فعل الصدقة:

 

 إذاً:

(( لكل قرض صدقة ))


 أنت حينما تقرض , وحينما تسترد القرض , حينما تقرض كُتب عند الله صدقة، لأن ما كل إنسان يأخذ صدقة , أما يمكن أن يقترض الإنسان وهو في أعلى درجات الشعور بالاعتزاز، هذا قرض.
 وفي حديث آخر:

 

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِماً قَرْضاً مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً ))

 

[ أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود ]

 أحياناً القرض يفعل فعلاً أبلغ من فعل الصدقة , فأحياناً تجد أن هذا الإنسان حينما تقرضه تنعشه , وحينما تقرضه تنهضه , وحينما تقرضه تسري عنه , فأحياناً يكون القرض كصدقة مرتين أي مضاعفاً.

 

من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة:

 

(( من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ))

[ أخرجه مسلم وابن حبان عن أبي هريرة]

 هناك أشخاص متشددون متزمتون يقولون: نأخذ حقنا لا ندع منه شيئاً , كفى بك إثماً أن تقول: آخذ حقي لا أدع منه شيئاً.

 

(( من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ))

 

[ أخرجه مسلم وابن حبان عن أبي هريرة]

 من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( رحم الله سهل الشراء سهل القضاء سهل التقاضي ))

 

[ الطبراني عن عثمان بن عفان]

 من كان سهلاً في بيعه وشرائه , وفي قضائه واقتضائه.
 أي إذا استرد ماله بلطف يقول لك: استحق السند , لكن هناك وضع صعب وأنت تعلم أن الوضع صعب.
 فلذلك هناك دائنون شديدون جداً , وهناك دائنون متساهلون هؤلاء يرحمهم الله.

 

(( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع سَمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى سهلاً إذا اقتضى ))

 

[ أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله]

(( من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ))

[ أخرجه مسلم وابن حبان عن أبي هريرة]

من تساهل مع الناس في أمورهم يسر الله حسابه يوم القيامة:

 هناك أشخاص يعيشون على مشكلات الناس , يعيشون على متاعبهم , يقول للآخرين: نحن شعارنا ربي عسر ولا تيسر , هكذا يقول , وحينما يأتيه المرض الخبيث , وحينما يريد الله عز وجل أن يؤدبه لا أحد يستطيع أن يمنع عنه التأديب.
 حاج راكب بالباخرة , حوله حجاج يتحدثون عن أعمالهم , عن تجارتهم , هذا الحاج موظف في المالية سجل الحديث كله , وهو في الباخرة , وهو في طريقه للحج , فلما عاد إلى بلده حاسبهم جميعاً على تصريحاتهم.
 وأنت بعبادة , والناس مطمئنين , وأنت تلبس لباس الإحرام , هناك شخص متشدد وهذا المتشدد يعاني من عقوبات صعبة جداً.

(( من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ))

[ أخرجه مسلم وابن حبان عن أبي هريرة]

(( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لرجل أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول ما لي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي اليسر رضي الله عنه ]

 أنا مرة كنت في بلدة , فرجل بائع أقمشة، محترم جداً، دعانا إلى طعام، ويبدو أن أموره ميسورة , حدثني عن اسم تاجر بالشام وصار يبكي , ما قصة هذا التاجر ؟ كان عليه مبلغ ضخم لهذا التاجر، جاء هذا التاجر ليطالبه لكن لا يوجد معه مال , فدعاه هذا الشخص إلى تناول طعام الغداء، قال له: لكن بالبيت , فلما جاء بيته رآه بيتاً صغيراً , فأدرك هذا التاجر أن هذا الشخص معسر , قال له: هات السندات، و عندما أخذ السندات مزقها كلها , و قال له: انزل وخذ بضاعة أخرى، فرجع هذا مجبور الخاطر، فلما شعر هذا التاجر أن الموضوع ليس موضوع أكل مال , موضوع ضيق مادي، أعطاه بضاعة أخرى , والله عز وجل أكرمه بهذه البضاعة الثانية إكراماً شديداً، باعها وربح وسدد ديونه كلها , وأرانا بيتاً واسعاً جداً , ومحلاً كبيراً , وضعه المادي والاجتماعي جيد جداً , يقول كل هذه الثروة هي بسبب هذا التاجر الذي مزق السندات , وأمهلني سنة، طبعاً بعد ذلك سدد جميع الديون.

حقوق العباد مبنية على المشاححة و حقوق الله مبنية على المسامحة:

 أحياناً الإنسان يعمل عملاً صالحاً , وهنا الحديث يقول:

((ما لي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي اليسر رضي الله عنه ]

 السند أحرقه , وفي الشرح من نفس عن غريمه , أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة.
 أي ترك له شيئاً من المال، أو سامحه فيه , نحن نمتحن دائماً , نمتحن في أخذنا وفي عطائنا , نمتحن في إقراضنا وفي اقتراضنا , وأنت ممتحن دائماً.
 ولا تنسوا أيها الأخوة، أن حقوق العباد مبنية على المشاححة , وأن حقوق الله مبنية على المسامحة.
 والشيء الثاني: رجل جاء النبي عليه الصلاة والسلام , فسأله: هل يغفر للشهيد كل ذنب ؟ قال: نعم , لكن النبي يوحى إليه، ما إن غادر هذا السائل بيت النبي حتى جاء الوحي و ناداه وقال له: يا هذا إلا الدين , الشهيد , أي أثمن شيء تملكه حياتك , الشهيد قدمها , ومع ذلك الدين لا يغفر , فقال إلا الدين: وكان عليه الصلاة والسلام إذا مات أحد أصحابه , وأراد أن يصلي عليه يقول أعليه دين ؟: فإن قالوا: نعم، يقول: صلوا على صاحبكم , كان عليه الصلاة والسلام يرفض أن يصلي على من عليه دين.
 مرة قال أحد الصحابة: يا رسول الله عليّ دينه ـ أي أنا أقضي دينه ـ صلِّ عليه، فصلى عليه , و في هذا الحديث زيادة , في اليوم التالي سأل النبي عبد الله بن مسعود أديت الدين ؟ لأنه هو المتعهد , قال له: لا , في اليوم الثالث سأله مرة ثانية أديت الدين ؟ قال: لا، هو تعهد لكنه لم يؤدّ الدين بعد ,  في اليوم الرابع سأله مرة ثالثة هل أديت الدين ؟ قال: نعم , فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده , ابتراد جلده لا بالتعهد , بل بأداء الدين.
 حقوق العباد مبنية على المشاححة , وحقوق الله مبنية على المسامحة.

 

من الأعمال الصالحة الكبيرة جداً أن تنظر معسراً أو تتجاوز عنه:

 

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]

 أحد أخواننا وقع في أزمة مالية ساحقة , لدرجة أنه كاد يفقد كل شيء , عليه مبلغ مليون ليرة , أنا رأيت بعيني فعل الله عز وجل , أنا لا أشك أبداً أن هذا الأخ لا يريد أن يأكل مالاً حراماً إلا أنه لا يملك شيئاً، عليه مبلغ وأصبح عليه إشكال في العمل التجاري، أي قصة طويلة انتهت به إلى أنه لا يملك قوت يومه , عليه مليون , الذي له المليون لا يملك من الدنيا غيرها، يعيش منها، الاثنان معهم حق , وأنا كنت الحكم بينهما، هذا الأخ أنا لا أشك أنه لا يريد أن يؤدي ما عليه.
 الذي حصل أنه سافر إلى حلب , وفي حلب بعض أصحاب المعامل الأتقياء أعطوه بضاعة جيدةً جداً , وقالوا له: بعها ثم أدِّ ثمنها , والله عز وجل أكرمه، بيعت بشكل عجيب رغم الكساد العام , واستطاع أن يؤدي الدين كله , فكان هذا الأخ قصته تؤكد هذا الحديث:

 

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها ))

 هو والله يريد أداء هذا المبلغ لكن الله يسر له، ألقى بقلب صاحب المعمل أن يعطيه بضاعة من دون مقابل، وبضاعته راجت جداً , واستطاع خلال أقل من عام أن يؤدي هذا المليون لصاحبه بالتمام والكمال.
 فالذي عليه دين لمجرد أن ينوي أداء هذا الدين , الله جلّ جلاله ييسر له عمله.
 آخر حديث:

 

 

((حوسب رجل فلم يوجد له خير و كان ذا مال فكان يداين الناس و كان يقول لغلمانه من وجدتموه غنيا فخذوا منه و من وجدتموه معسرا فتجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عني فقال الله تعالى أنا أحق أن أتجاوز عنه ))

 

[ شعب الإيمان عن أبي مسعود البدري]

 من الأعمال الصالحة الكبيرة جداً أن تنظر معسراً , وإذا كنت في بحبوحة شديدة وهذا المدين بضيق شديد وأردت أن تتصدق عليه بهذا المبلغ لا مانع , بنصفه , بثلثه، بثلثيه، يمكن أن تتنازل له عن بعض هذا المبلغ.