درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 09 - الرقائق

1995-03-04

 أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
 فنحن بالعشر الأخير من رمضان، وفيه ليلة عظيمة القدر هي خير عند الله من ألف شهر، ويطيب الحديث في هذا العشر، عن النفس الإنسانية، وكيف أن الإنسان إذا طهر نفسه، من المعاصي والآثام، وعرفها بربها وحملها على طاعته والتقرب إليه فقد زكاها.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

( سورة الشمس: 9 ـ 10 )

وهذه بعض الرقائق المتعلقة بتزكية النفس
 الإمام الجليل أبي حامد الغزالي، خاطب نفسه التي بين جنبيه مشيراً إلى واعظين بليغين، ناطقاً وصامتاً.
فالناطق هو القرآن الكريم، والصامت هو الموت.
 وفيهما كفاية لكل متعظ، قال الإمام الغزالي: أم أنت يا نفس مصدقة بأن القرآن هو الواعظ الناطق، فإن الله تعالى يقول في كتابه الكريم:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)﴾

( سورة هود: 15 ـ 16 )

 فيا نفس لقد وعدك الله سبحانه وتعالى، بالنار على إرادة الدنيا وحبها، وكل ما لا يصحبك بعد الموت فهو من الدنيا، ولو أن طبيباً وعدك بالمرض على تناول ألذ الأكلات لتحاشيتها واتقيتها، أيكون الطبيب يا نفس أصدق عندك من الله ؟!!.. فإن كان كذلك فما أكفرك وإن كان المرض أشد عندك من النار، فما أجهلك !! ويتابع الإمام الغزالي خطابه لنفسه فيقول: ثم وعظتها بالواعظ الصامت وهو الموت فقلت لها: لقد أخبر الواعظ الناطق عن الواعظ الصامت، حيث قال تعالى:

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

 

( سورة الشعراء: 205 ـ 206 ـ 207 )

 ثم ذكر نفسه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا يارب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يارب مكرمٍ بنفسه وهو لها مهين، ألا يارب مهين لنفسه وهو لها مكرم، ألا يارب متخوضٍ ومتنعمٍ ما له عند الله من خلاق، ألا أن عمل الجنة حزن بربوةٍ، ألا و إن عمل النار سهلٌ بسهوةٍ، ألا يارب شهوة ساعة أورثت حزن طويلاً.
أخوة الأحباب:
 يقول الإمام علي كرم الله وجهه: إنه ليس شيءٌ شرٌ من الشر إلا العقاب، وليس شيءٌ خيرٌ من الخير إلا الثواب، وكل شيء في الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفيكم من العيان السماع، ومن الغيب الخبر، واعلموا إنما ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة، خير مما نقص في الآخرة وزاد في الدنيا، فكم من منقوص رابح، وكم من مزيد خاسر، وأعلموا أن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه وما أحل لكم أوسع مما حرم عليكم، فذروا ما قلى لما كثر، وما ضاق لما أتسع، قد تكفل لكم بالرزق، وأمرتم بالعمل، فلا يكن المضمون لكم أولى بكم من المفروض عليكم، فبادروا بالعمل، وخافوا بغتة الأجل.
 وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقادر والبلى، بئس العبد عبد عتى وطغى، ونسي المبتدى والمنتهى بئس العبد عبد يختله، أي يخلط، يختله الدنيا بالدين، بئس العبد عبد يختله الدين بالشبهات، بئس العبد عبد طمع يقوده، بئس العبد عبد هوىً يضله، بئس العبد عبد رغب يذله.
أيها الأخوة الأحباب:
 يروى عن سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال من حمل ذنبه على ربه فقد فجر، وإن الله تعالى لا يطاع استكراهاً ولا يعصى بغلبة، فإن عمل الناس بالطاعة، لم يحل بينهم وبين ما عملوا، وإن عملوا بالمعصية فليس هو الذي أمرهم، ولو أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أمرهم بالمعصية لأسقط العقاب، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة، فإن عملوا بالطاعة، فله المنة عليهم وإن عملوا بالمعصية، فله الحجة عليهم.
 ورحم الله بن عطاء الله السكندري حيث يقول في حكمه: من ذم انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره، وربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك وقد يكون العطاء من الخلق حرمان، وقد يكون المنع من الله إحسان، ومتى فتح لك باب الفهم، في المنع عاد المنع عين العطاء، ومتى أوحشك من خلقه فليفتح لك باب الأنس به، وربما وجدت من الفاقات مالا تجده في الصوم والصلاة، فلا تستبطئ منه النوال، ولكن استبطئ من نفسك الإقبال، وما لم تفرغ قلبك من الأغيار فلن يملأه بالمعارف والأسرار، فكما أن الله تعالى، لا يحب العمل المشترك، لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك، أي العمل الذي فيه شرك فكما أن الله تعالى لا يحب العمل المشترك، لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه.
أعزائي المشاهدين، أخوتي المؤمنين: هذه بعض الرقائق في تطهير النفس وتزكيتها

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

 

( سورة الشمس: 9 ـ 10 )

فرغم أنف عبد قد أدرك رمضان فلم يغفر له، إلا لم يغفر له متى، فمتى ؟
 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.