درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 12 - التربية النفسية - القلب

1995-03-11

 أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
 العبادات في الإسلام لها غايات كبرى وحكم عظمة، فإن لم نبلغها فلا أقل من أن نتعرفها، حتى نسير نحوها، وإذا خلت العبادات من هذه الحكم والغايات انقلبت إلى طقوس ومبهمات.
وقد بين القرآن الكريم هذه الحكم، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والزكاة تطهر وتزكي، والصيام شرع من أجل التقوى.
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

( سورة البقرة: 183 )

 والتقوى نور يقذفه الله في القلب، فيرى به الحق حقاً فيتبعه والباطل باطلاً فيجتنبه، ولا بد لهذا القلب من أن يكون مهيئاً لتلقي هذا النور، ومن هنا شرع الصيام، لتنمية إخلاصه في العبادة، وتقوية إرادته على الطاعة، وترسيخ معاني عبودية لله عز وجل، فضلاً على أن الصيام يحقق وقاية الجسد، وصيانة أجهزته، من الإجهاد والعطب.
فالعبادات أيها الأخوة:
 في مجموعها، وعلى اختلاف أنواعها وأشكالها، تهدف إلى تطهير القلب من أمراضه، وتحليته بالكمالات التي أرسلها الله لها كي يسمو إلى خالقه ويسعد بقربه، وينعم بجنته.
أيها الأخوة المؤمنون:
 القلب له في جسم الإنسان المكان الأول وعليه في جميع الأمور معوال، ولا عجب فهو القائد، والجوارح جنود له وخدم، وهو الآمر الناهي، والأعضاء أتباع له وحشم وحسبك فيه قول الله تبارك وتعالى:

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾

 

( سورة ق: 37 )

والقلب أيها الأخوة:
حقيقة الإنسان، ومن عجيب أمر الله تعالى فيه، أنه جعل ببقائه قلب الجسد وصحته وانتظام عمله، حياة الجسد ونشاطه، وجعل بطهارة قلب النفس وسلامته حياة الروح وازدهارها.
والقلب هو الجانب المدرك من الإنسان، وهو المخاطب والمطالب، والمعاتب، وهو محل العلم، والتقوى، والإخلاص والذكرى، والحب، والبغض، والوساوس، والخطرات، وهو موضع الإيمان، والكفر، والإنابة، والإصرار، والطمأنينة والاضطراب.
 والقلب هو العالم بالله، والمتقرب إلى الله، وهو المقبول عند الله، إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله، إذا استغرق لغير الله، وهو الذي يسعد بالقرب من الله، ويشقى بالبعد عنه، قال تعالى في الحديث القدسي: عبدي طهرت منظر الخلق سنين، أفلا طهرت منظري ساعة، والقلب هو منظر الرب، ولا يفلح الإنسان ولا يطيب إلا إذا زكاه، ويخيب ويشقى إذا دنسه ودساه.
مشاهدي العزيز:
 لعلك إن فتشت عن أعجب ما خلق الله في السماء والأرض لم تجد لا أعجب، ولا أروع، ولا أدق، ولا أجمل من قلب الإنسان.
تصلح أوتاره فيفض رحمةً، وشفقةً، وحباً، وحناناً، ومعانياً لطافاً، وشعوراً رقيقاً، حتى يتجاوز في سموه الملائكة المقربين.
 وتفسد أوتاره، فينضح قسوة ولؤماً، وسوءاً حتى يهوى إلى أسفل سافلين، حوى على دقته كره العالم، فما أدقه وأجله، وما أصغره وأعظمه.
يكبر ولا نرى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير.
ويصغر ولا نرى صغره، فيتعاظم عليه كل صغير.
 اتحد شكل القلب، واختلفت معانيه، فقلب كالجوهرة، الكريم صفى لونه، وراق مائه، وقلب كالصخر قوي متين، ينفع ولا يلمع وقلب هواء خف وزنه وحال لونه، يموت القلب ثم يحيى، ويحيى ثم يموت، ويرتفع إلى الأوج، ويهبط إلى الحضيض، وبينما هو يسامي النجوم رفعة إذا هو يلامس الطاعة طاعة، أليس أعظم بناة العالم قد امتازوا بكبر القلب، وصدق الشعور، وقوة الإرادة، إنما إن وجد كل شيءٍ وفقد قلبه لم يجد شيئاً.
أيها الأخوة الأحباب:
أما قلب الجسد، فهو من أعجب ما خلق الله، إنه مضخة مزدوجة، تضخ الدم الذي يحمل الغذاء والوقود إلى كل خليةٍ، ونسيج وعضوٍ، وجهاز، عن طريق شبكة من الأوعية يزيد طولها عن مائة وخمسين كيلومتر.
إنه يعمل منذ الشهور الأولى من حياة الجنين، وحتى يحين الحين، لا يغفل ولا يغفو، ولا ينسى ولا يسهو، ولا يقعد ولا يكبو ولا يمل ولا يشكو، يعمل من دون راحة، ولا مراجعة، ولا صيانة ولا توجيه.
الإنسان بجبروته يؤذيه، وبنار حقده يكويه، وبالأحزان يبليه وهو أساس حياة الإنسان، وشمس عالمه، عليه يعتمد في كل أعماله وأحواله، ومنه تنبع كل قواه، وحركاته.. وهو آلة خارقة!.. لا يعرف التعب إليها سبيلا، تزداد قدرتها أضعاف كثيرة، لتواجه الجهد الطارئ، إنه عضلة من أعقد  العضلات، بناءً وعملاً وأداءاً، ومن أمتنها وأقواها، تنقبض وتنبسط، ثمانين مرةً في الدقيقة، ويصل النبض في الجهد الطارئ إلى مائة وثمانين، ويضخ القلب ثمانية آلاف لتر في اليوم الواحد، أي ما يعادل ثمانية أمتار مكعبة من الدم ويضخ القلب من الدم في طول عمر الإنسان ما يكفي لملئ مستودع بحجم إحدى أكبر ناطحات سحاب في العالم.
وينفرد القلب باستقلاله عن الجهاز العصبي، فتأتمر ضرباته وتنتظم بإشارة كهربائية من مركز توليد ذاتي هي أساس تخطيطه وتتغذى عضلة القلب بطريقة فريدة فذى !! ومن أعجب ما فيه دساماته المحكمة التي تسمح للدم بالمرور باتجاه واحد، وهو مبدأ ثابت بالمضخات.
حتى إذا سكن القلب في قفصه، واستراح من غصصه، خلف وراءه جثةً هامدة كأنها أعجاز نخلة هاوية، لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.
ورحم الله الشاعر إذ يقول:

دقـــاتُ قلبِ المرء قائـــلةٌ لــه  إن الحياةَ دقائــقٌ وثوانــي
فارفع لنفسِكَ قبل موتكَ ذكرهـــــا  فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثاـــني

 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، وشكراً لإصغائكم، والسلام عليم ورحمة الله وبركاته.