الترغيب والترهيب - الدرس : 051 - كتاب الصدقات - ترغيب من جاءه شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس في قبوله سيما إن كان محتاجا والنهي عن رده وإن كان غنيا عنه

1997-07-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

تعلق الحديث التالي بحكم فقهي:

 أيها الأخوة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن عمراً قال:

 

(( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعطني العَطَاءَ، فأقول: أعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَر إليه مِني قال: فقال عليه الصلاة والسلام: خذه، وإذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مُشْرِف ولا سائل، فَخُذه فَتَمَوَّله فإن شئتَ كُلْه، وإن شئتَ تصَدَّقْ به وما لا وما لم يكن كذلك فلا تُتْبِعّهُ نَفْسَك، قال سالم بن عبد الله فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسألُ أحداً شيئاً ولا يرُدّ شيئاً أعْطِيَهُ ))

 

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 هذا الحديث أيها الأخوة متعلق بحكم فقهي، إنسان قدم لك شيئاً عن طيب نفس، أراد أن يقدم لك شيئاً تقرباً إلى الله، وأنت لم تسأل ذلك، ولم تستشرف ذلك، كان سيدنا عمر يقول للنبي الكريم:

 

(( أعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَر إليه مِني ))

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول له:

 

 

(( خذه وإذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مُشْرِف ولا سائل ))

 أنت ما سألت، ولا طلبت، ولا تمنيت، ولا استشرفت، إلا أن إنساناً أحب أن يكرم إنساناً بحاجة لمال، قال له:

 

 

(( فَخُذه فَتَمَوَّله اجعله عندك فإن شئتَ كُلْه وإن شئتَ تصَدَّقْ به وما لا وما لم يكن كذلك فلا تتبعه نَفْسَك))

 أي هذا المال ليس حلالاً ينبغي ألا تأخذه ـ حرام ينبغي ألا تأخذه، حلال لك أن تأخذه ـ يوجد تداخل، إذا وجد التداخل، لك أن تأخذه على أصل أن الأصل في الأشياء الإباحة ولك ألا تأخذه ورعاً.
 أحياناً يكون الإنسان ماله حلال، فلو أعطى إنساناً شيئاً من المال، هدية، هبة، معاونة، وهذا الذي أُعطي بحاجة لهذا المال، لكن ما سأل، ولا تمنى، ولا استشرى، ولا شارط، هذا المال يأكله حلالاً بشرط أن يكون مال المعطي حلالاً، أما إذا كان مال المعطي حراماً ينبغي ألا يأخذه، إذا كان بعضه حلال وبعضه حرام، الورع ألا يأكل منه، والأصل الشرعي أنه مسموح أن يأخذ منه إذا فيه تداخل.

 

الحكم الفقهي لإنسان في ماله تداخل بين الحلال و الحرام:

 هذا الشيء يسأل الناس عنه كثيراً، إنسان له دخل حلال، وله دخل حرام ، وأنت زرته، قدّم لك فنجان قهوة، دعاك إلى طعام، الأولى أن تأكل، لأنك إن أكلت العلماء قالوا: إنك تأكل من ماله الحلال لا من ماله الحرام، وإذا ما أكلت سيسبب عدم أكلك للطعام مشكلة، وفتنة، وعداوة، وبغضاء، الأولى أن تأكل، أما إذا أمكنك ألا تأكل وماله متداخل، أنت أخذت جانب الورع، أما إذا أكلت لا شيء عليك، إذا فيه تداخل، أما إذا كان المال حراماً مئة بالمئة، مثلاً شخص سرق أمامك طعاماً، وقال لك: تعال كُلْ، طبعاً لا يجوز أن تأكل إطلاقاً، فصار الحكم الشرعي إذا كان المصدر حلال، وأنت ما سألت، ولا طلبت، ولا استشرفت، ولا شارطت، وإنسان أعطاك مالاً، إن أكلته تأكله حلالاً طيباً ولا شيء عليك، إذا المال حرام، حرام أن تأكله، إذا في تداخل الحكم الشرعي لك أن تأكل، والورع يؤثر ألا تأكل، أما إنسان أعطاك شيئاً أنت ما سألت، ولا شارطت، ولا تمنيت، ولا طمعت، والمال حلال خذه، أنت لست بحاجة إليه خذه وتصدق به، لا يوجد مانع هذا ملكته أنت، ملكت المال لك أن تتصدق به .
 نعيد الحديث مرة ثانية:

 

(( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعطني العَطَاءَ فأقول أعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَر إليه مِني قال فقال عليه الصلاة والسلام خذه وإذا جاءك من هذا المال شيء من هذا المال الحلال وأنت غير مُشْرِف ولا سائل أنت ما سألت ولا تمنيت ولا استشرفت ولا شارطت فَخُذه فَتَمَوَّله فإن شئتَ كُلْه تموله اجعله عندك أو كله وإن شئتَ تصَدَّقْ به وما لاـ وما لم يكون كذلك من مال حرام فلا تُتْبِعّةُ نَفْسَك قال سالم بن عبد الله فلأجل ذلك كان عمر لا يسألُ أحداً شيئاً ولا يرُدّ شيئاً أعْطِيَهُ ))

 

[ متفق عليه عن ابن عمر]

عدم الإلحاح في المسألة:

 و قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا تُلْحِفُوا في المسألة فو الله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرِجُ له مسألتُه منّي شيئاً وأنا له كاره فيبارَكَ له فيما أعطيُتهُ ))

 

[ رواه مسلم عن معاوية ]

 إذا الإنسان ألحف في المسألة ـ كان ملحافاً ـ سأل أول مرة، والثانية، والثالثة برجاء، باستعطاف، بلغط، هذا الإلحاف في المسألة، قال: إذا أخذت من هذه المسألة شيئاً لا يبارك الله لك فيه، معنى يبارك أي هذا المال تنتفع به، تهنأ به، مال قليل يعطي خيراً كثيراً هذا معنى البركة، فإن لم يكن كذلك صار هناك عدم توفيق في إنفاق هذا المال.

 

على الإنسان ألا يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم:

 كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقاً على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال ))

 

[ رواه الطبراني عن أبي هريرة ]

 الإنسان أحياناً يصاب بمصيبة، أو بمشكلة، أو بفاقة، إما أن ينشر هذا أمام الناس أي أن يشكو، أن يعلن الشكوى، أن يتبرم، وإما أن يصبر، ويكتم هذا على الناس، إذا كتمت عن الناس هذه المشكلة كان حقاً على الله أن يحل مشكلتك، وأن يرزقك رزقاً حلالاً, ويعاب أن يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.

 

﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾

 

( سورة يوسف الآية 86 )

 هذا كلام سيدنا يعقوب

﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾

﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 الإنسان عندما يناجي ربه يريح نفسه، لا بدّ من أن تشكو، اشكُ إلى الله لأنه يعلم، ولأنه قريب، ولأنه قدير، بيده كل شيء، يسمعك وأنت تناجيه بخاطرك، لو أطبقت شفتيك وناجيته بسرك يسمعك، الله قال:

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 

( سورة الحديد الآية 4 )

﴿ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾

( سورة الأنفال الآية 24 )

 مهما كان شعورك داخلياً وعميقاً، هذا الشعور مع المناجاة تصل إليه، فالأولى هنا أن تشتكي إلى الله.

 

الشكوى نوعان ؛ شكوى إلى الله و شكوى على الله:

 لكن العلماء قالوا: " من اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى كافر كأنما اشتكى على الله ".
 إذاً هناك شكوى إلى الله، و شكوى على الله، لأن الكافر يشمت، والكافر يعنفك على سلوكك المستقيم حتى تنضم له، حتى يثبت نظريته أن الكفر أولى، كلما وجد مؤمناً يشكو من قضية يعزو هذه القضية إلى استقامته، لو كنت مثلي ما صار معك هكذا.

 

 

﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 156 )

 عندما يموت صحابي بمعركة مع رسول الله، كان الكفار يقولون: لو لم يجاهد مع النبي لما مات، فهو السبب.
 الحقيقة أنه:

 

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

 

( سورة الكهف )

 إنسان غافل، إياك أن تستشيره، إياك أن تشكو إليه، إياك أن ترجو الخير عنده، لأنه غافل

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

 لكن:

 

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

 

( سورة لقمان الآية: 15 )

 المنيب إلى الله هذا اتبع سبيله، هذا استشيره، هذا لك أن تبثه شكواك، لأنك إن اشتكيت له كأنما تشتكي إلى الله.

 

الاعتماد و التوكل على غير الله مذلة:

 وهناك حديث آخر:

 

 

(( مَنْ نَزَلَتْ به فَاقَة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقَتُه ومَنْ نزلتْ به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له بِرِزْقِ عاجِل أو آجل ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

 أحياناً الإنسان تأتيه مشكلة، ينسى الله، فلان يعطيني، يطرق بابه يخيب ظنه، فلان يعاونني، يبذل ماء وجهه، يترجاه، يقول له: والله لا أقدر، فلان يقدر على كل شيء، يسأله فيعتذر.

 

(( مَنْ نَزَلَتْ به فَاقَة أي وضع كل ثقته أن الناس يحلون هذه الفاقة لم تُسَدَّ فاقَتُه ومَنْ نزلتْ به فاقة فأنزلها بالله أي شكا إلى الله ما به رجا الله سأل الله طلب من الله قال ومَنْ نزلتْ به فاقة فأنزلها بالله عز وجل فيوشك الله له بِرِزْقِ عاجِل أو آجل ))

 آجل بمعنى أنه قد يكون من الحكمة أن يبقى هكذا إلى حين، لكن الله عز وجل يدخر له الثواب والعطاء.

 

 

أحلّ رزق على الإطلاق الرزق الذي يأتي من عمل اليد:

 آخر حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

 

(( ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكلَ من عمل يده ))

 

[ رواه البخاري عن المقدام بن معد يكرب ]

 أي أحل رزق على الإطلاق هو الرزق الذي يأتي من عمل اليد، وفي رواية أخرى:

 

(( وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ))

 

[ رواه البخاري عن المقدام بن معد يكرب ]

 فالأعمال المهنية هذه لها ميزة أن فيها جهداً، فيها عطاء، والأعمال هذه لا تحتمل المراوغة، والاحتيال، والكذب، والدجل، أحياناً قضية معلقة بكلمتين، بمذكرة، تنجح أو لا تنجح، تكون متقنة، يمكن أن يكون القاضي مقتنعاً بالقضية، والمحامي لم يقدم جهداً إطلاقاً، فالقضايا التي ليس فيها جهد عضلي يجوز أن يكون بداخلها شيء من الحرام، إن لم يكن فيها استقامة، أما إنسان قلت له: عمر لي جداراً، فأقامه لك بشكل متقن، وعرق، وتعب، وأخذ أجرته بعد أن انتهى، فالأجر هذا مقابل عمل عضلي، و جهد حقيقي، و إتقان، و إخلاص، هذا أحل رزق يرزقه الإنسان على الإطلاق.

 

((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ))

 

[ رواه البخاري عن المقدام بن معد يكرب ]