الترغيب والترهيب - الدرس : 050 - كتاب الصدقات - الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمع والترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده -1

1997-07-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من أخذ شيئاً من دون حاجة وقع في إثم كبير :

 عن أبي بشر قبيصة بن مخارق، قال :

 

(( تحمَّلت حَمَالة فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال عليه الصلاة والسلام أقِمْ حتى تأتيَنا الصدقةُ فنأمُرَ لك بها ثم قال يا قبيصة إنَّ المسألةَ لا تحلّ إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمال فَحلَّتْ له المسألة حتى يُصيبَها ثم يُمْسِكُ ورجُل أصابتهُ جائحة اجتاحت ماله فحلّتْ له المسألة حتى يُصيب قوَاما مِنْ عَيْش أو قال سِدادا مِنْ عَيْش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه : لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلّت له المسألة، حتى يصيبَ قَوَاما من عَيْش أو قال سِدَادا من عيش فما سِوَاُهنَّ من المسألة يا قبيصة سُحْت يأكلها صاحبها سُحْتا ))

 

 

[ رواه مسلم عن أبي بشر قبيصة بن مخارق ]


 يبدو من خلال هذا الحديث أن الإنسان يقع في إثم من أشد أنواع الآثام حينما يأخذ من دون حاجة، فمن هم هؤلاء الثلاثة الذين سمح الله لهم أن يسألوا الناس ؟ أو أن يمدوا يدهم إلى السؤال ؟ الأول هو الذي تحمّل حمالة، أي تحمل ديناً ليحل مشكلة بين فريقين، ليحقن الدماء بين متقاتلين، ليدفع ثمن دية لأحد الفريقين، استدان ليحل مشكلة في المجتمع، هذا الإنسان تحمّل حمالة، أي تحمل ديناً لا لحاجاته الشخصية، لكن لإصلاح ذات البين، لا لحاجاته الشخصية، ولكن لحقن الدماء.

 

 

الثلاثة الذين سمح الله لهم أن يسألوا الناس :

1 ـ رجل تحمل حمالة :

 عن أبي بشر قبيصة ابن المخارق، قال :

 

(( تحمَّلت حَمَالة فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال أقِمْ حتى تأتيَنا الصدقةُ فنأمُرَ لك بها ))

  أي كما قال عليه الصلاة والسلام :

 

 

(( الدَّال على الخير كفاعله )

 

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

 أحياناً الإنسان يدفع من ماله، وأحياناً يكون وسيطاً بينه وبين المحتاج، هناك غني يريد أن يدفع، وهناك فقير يريد أن يأخذ، فالذي يقف بينهما وسيطاً له أجر كأجر فاعل الخير.

 

(( أقِمْ حتى تأتيَنا الصدقةُ فنأمُرَ لك بها ثم قال يا قبيصة الآن الحكم الشرعي إنَّ المسألةَ لا تحلّ إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة، فَحلَّتْ له المسألة حتى يُصيبَها ثم يُمْسِكُ ))

 أي يسأل ليأخذ هذا المبلغ الذي دفعه ليحقن دماء المسلمين، أو ليؤدي الدية عن بعضهم، أو ليكون وسيطاً بين متنازعين، فإذا أصاب هذا المبلغ يكف عن هذا السؤال وانتهى الأمر.

 

 

2 ـ رجُل أصابتهُ جائحة :

 

(( ورجُل أصابتهُ جائحة اجتاحت ))

 أحياناً مزارع تأتيه آفة سماوية فتحرق له حرثه ونسله، تاجر يحترق مستودعه، يفقد رأسماله كله.

 

(( ورجُل أصابتهُ جائحة اجتاحت ماله فَحلَّتْ له المسألة حتى يُصيبَ قواماً من عيش ))

 يسأل ليسترد هذا المال الذي تلف، ويعود إلى ما كان عليه، أو سداداً من عيش.
 أما الثالث :

 

 

(( ورجُل أصابتهُ فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه تحقيق ـحتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه ))

 أي إنسان ادعى أنه فقير، إنسان سأل، إنسان طلب، إنسان عرض المساعدة، فليس من الحكمة أن يعطى هذه المساعدة فوراً من دون تحقيق، معنى ذلك أنه يأتي الكاذبون، يأتي المنافقون، ويأخذون ما يحتاجون، فلابد من التحقيق.

 

 

(( حتى يقول هو أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلّت له المسألة حتى يصيبَ قَوَاما من عَيْش أو قال سِدَادا من عيش فما سِوَاُهنَّ من المسألة حرام يا قبيصة سُحْت يأكلها صاحبها سُحْتا ))

 

عدم الحياء و الإلحاح وبذل ماء الوجه لأي إنسان يضعف إيمان المؤمن :

 إذا الإنسان تحمل حمالة ليحل مشكلة اجتماعية حلت له المسألة، إنسان اجتاحت ماله جائحة، تلف ماله فحلت له المسألة، وإنسان أصابه فقر وادعى ذلك حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه أصابت فلاناً جائحة، أو فاقة، فحلت لهؤلاء الثلاثة المسألة، ولا تحل الصدقة لغني كما قال عليه الصلاة والسلام :

 

(( لا تحل الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَويٍّ' ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 كما قال عليه الصلاة والسلام :

 

(( إن الله تبارك وتعالى يحب الغني الحليم المتعفف ويبغض البذيء الفاجر السائل الملح ))

 

[ أخرجه البزار عن أبي هريرة ]

 ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير.

 

(( لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسَهُ ))

 

[أخرجه الترمذي عن حذيفة بن اليمان ]

 ومن جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، فالإلحاح، وعدم الحياء وبذل ماء الوجه لأي إنسان هذا يضعف إيمان المؤمن.

 

أجمل عطاء أن يكون من الله مباشرة ليس لأحد منة عليك :

 كما قال عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر : وَذَكَر الصدقةَ والتعفُّفَ عن المسألة، قال :

 

 

(( اليدُ العليا خير من اليدِ السُّفْلى والعليا هي المنفِقةُ والسفلى هي السائِلةُ))

 

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

 وحكى أبو داود رواية أخرى.
 وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال، قال عليه الصلاة والسلام :

 

(( اليدُ العليا خير من اليد السُّفْلى وابدأْ بمن تَعُولُ وخيرُ الصدقةِ عن ظهرِ غِنى ومن يستعفَّ يُعِفَّهُ الله ومن يستغنِ يُغْنِهِ اللهُ ))

 

[ متفق عليه عن حكيم بن حزام]

ما معنى من يستعف ؟ يستعف مضارع، ماضيه استعفّ، واستعفّ على وزن استفعل، وكل وزن على هذا الوزن، أو كل صيغة، أو كل فعل، على هذا الوزن فيه معنى الطلب، أي هو طلب العفة من الله، ما دام قد طلب العفة من الله، فالله جلّ جلاله لن يخيب ظنه، وأجمل عطاء أن يكون من الله مباشرة، ليس لأحد منة عليك.

(( ومن يستعفَّ يُعِفَّهُ الله ومن يستغنِ يُغْنِهِ اللهُ ))

أي اطلب الغنى من الله، واطلب العفة من الله.

(( اليدُ العليا خير من اليد السُّفْلى ))

من أراد أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه :

 وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 

(( يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى قلت نعم يا رسول الله قال فترى قلة المال هو الفقر قلت نعم يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ))


 والله هذا حديث دقيق، أحياناً إنسان لا يملك إلا قوت يومه، وهو غني، غني بنفسه، يشعر أن الله سبحانه وتعالى كفاه وأغناه، يشعر أن ثقته بالله لا حدود لها، كما قال عليه الصلاة و السلام و أن:

 

 

(( تكون بما في يَدِ الله تعالى أَوثَقَ منك بما في يَدَيْكَ ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 فإن كان الإنسان يملك مئات الملايين، لكنه يخشى الفقر، فهو من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، فالذي يخاف الفقر هو الفقير، والذي يطمئن إلى رحمة الله هو الغني.

 

(( فإذا أصبح أحدكم آمناً في سربه معافاً في جسمه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ))

 

[ من الجامع الصغير عن عبد الله بن محصن ]

 وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن

(( بما في يَدِ الله تعالى أَوثَقَ منك بما في يَدَيْكَ ))

الغني هو الذي يطمئن إلى رحمة الله و الفقير هو الذي يخاف الفقر :

 الإنسان أحياناً المال يعمل له طمأنينة فارغة، أنه أنا معي، لا يوجد عندي مشكلة، أحياناً يأتي مرض عضال لا يجدي فيه المال إطلاقاً.
 مرة كنت عند طبيب جاءته مكالمة هاتفية، من شدة وضوح المكالمة سمعت كلام الطرف الآخر، وأنا بعيد عن الطبيب عدة أمتار، قال له : أي مكان بالعالم، ومهما يكن المبلغ ندفعه، قال له : والله لا يوجد أمل، المرض من الدرجة الخامسة، قال له : أي مكان بالعالم ـ يبدو أن أهل هذا المريض أغنياء من ذوي الدخل العالي ـ ومهما كان المبلغ كبيراً، قال له : لا يوجد أمل.
 فهذا الحديث :

 

(( يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى قلت نعم يا رسول الله قال فترى قلة المال هو الفقر قلت نعم يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ))

 وحينما تكون واثقاً بما عند الله أنت الغني، وحينما يكون معك مئات من الملايين وتخشى الفقر فأنت الفقير.

 

 

اتصالك بالله عز وجل يعطيك الشرف والمكانة و يرفع من شأنك :

 آخر حديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال :

 

 

(( جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به ثم قال يا محمد شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس ))

 

[أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد ]

 اتصالك بالله عز وجل هو الذي يعطيك الشرف والمكانة لا كثرة مالك، أما العزة التي تصبو إليها باستغنائك عن الناس، وقد قيل : احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره، أي إنسان أحسن إليه تكن أميره، استغنِ عنه تكن نظيره، احتج إليه تكن أسيره.