الترغيب والترهيب - الدرس : 047 - كتاب الصدقات - الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها

1997-07-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من أدى زكاة ماله أذهب عنه شره:

 أيها الأخوة الكرام:

 

(( قال رجل من القوم يا رسول الله أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره ))

 

[ الطبراني عن جابر].

 والهاء تعود إلى المال، أي ذهب عنه شرّ المال , شرّ المال السرقة , شر المال أن تنفق في وجوهٍ لا ترضي , شر المال أن يكون سبب قتل صاحبه، تصور أي شر يأتيك من المال، إن سُرق المال فهذا من شر المال، إن كان سبب قتل صاحبه فهذا من شر المال، إن أنفق المال على الأدوية والأطباء وما إلى ذلك هذا من شر المال.

 

(( من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره ))

 أي كل الشرور التي تتأتى من طريق المال أنت تتجنبها حينما تؤدي زكاة مالك.
 وفي رواية أخرى:

 

 

(( إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره ))

 

[أخرجه الحاكم عن جابر بن عبد الله ].

 كل شيء له شر وله خير، الولد أحياناً يكون سبب شرٍ كبير لوالديه، وأحياناً يكون سبب نفعٍ كبير.
 فأنت فيما يتعلق بالمال حينما تؤدي زكاة مالك أذهبت عنك شر المال، حفظه الله لك، وبارك لك فيه، وأنفقته في وجوه الخير، وارتقيت به إلى أعلى عليين في الجنة، وكان المال خيراً كله.

 

الزكاة فرض والصدقة تطوع:

 لذلك البركة كما فسرها العلماء: أن يأتيك شيءٌ قليل فتنتفع به النفع الكثير، وكم من مؤمن عنده مال قليل لكن الله سبحانه وتعالى بارك له فيه، فانتفع بماله، وأنفق من ماله، وتصدق من ماله، وارتقى بماله، وسعد بماله، ودخل جنة ربه بماله، إذا أديت زكاة مالك.
وفي رواية ثالثة:

 

 

(( إذا أدية الزكاة فقد قضيت ما عليك ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 أي الزكاة فرض، والصدقة تطوع، قال تعالى:

 

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

 

( سورة البقرة الآية 177 )

 يتضح في هذه الآية أن إيتاء الزكاة شيء، وأن إيتاء المال على حب الله شيء آخر، إيتاء الزكاة فرض على كل مالك للنصاب، أما إيتاء المال على حب الله عز وجل هذا يسع المسلمين جميعاً.

 

الله تعالى لا يقبل إلا المال الحلال الذي جمعته من وجوه الخير:

 

 لذالك قالوا: هناك زكاة وهناك صدقة، الصدقة لا قاعدة لها، هي أساساً تطوع أما الزكاة فرض، ولو قرب هذا إلى الأذهان:
 عليك ضريبة تؤدي هذه الضريبة تنجو من المصادرة، من مضاعفة الضريبة، من بيع أملاكك، أما حينما تودي هديةً للمجتمع، تقدم مستوصفاً، تقدم مدرسة، تقدم مستشفى، هذه تشكر عليها، هذه فوق الضريبة، الضريبة شيء، وأن تقدم لبلدك مستشفى شيء آخر.
 أي هناك شيء إن لو تفعله هلكت، أما الشيء الثاني إن فعلته ارتقيت، فأنت ترقى بالصدقة، أما الزكاة حق الفقير.

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

( سورة الذاريات )

 وقد قالوا: الحجر المغصوبة في دار رهن خرابها، أي إن وجد في المال مال هو من حق الفقير، لم تؤده، هذا المال الذي هو حق الفقير إن لم يؤدَ لعله سبب هلاك المال كله، لذلك:

 

(( إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك ومن جمع مالاً حراماً ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان أجره عليه ))

 

[أخرجه الترمذي وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

 أي إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً، لا يقبل الله إلا المال الحلال الذي جمعته من وجوه الخير.

 

من الدين أن تتصدق بما أنعم الله به عليك:

 كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع ))

 

[ أبو داود عن الحسن]

 هذا توجيه النبي:

 

(( حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة ))

 قال لي إنسان من يومين: نصحني أحدهم أن أكتب آية الكرسي على ورقة وأنقعها بالماء وأشرب هذا الماء، قلت له: هذا الحبر من صناعة اليابان، أنت ماذا فعلت ؟ قال: شربت منقوع الحبر، أما النبي قال لك:

 

(( وداووا مرضاكم بالصدقة ))

 هذا التوجيه النبوي لا أن تكتب شيئاً على ورق، وأن تنقع هذا الورق في الماء، وأن تشربه، هذا ليس من الدين، أما من الدين أن تتصدق، فلعل الله سبحانه وتعالى يلهم الطبيب صحة التشخيص، ويسمح للدواء أن يفعل فعله فيكون الشفاء , والذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله ))

 

[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]

 وهذا الحديث يلقي في قلب المريض تفاؤلاً كبيراً

(( لكل داء دواء ))

 فإذا وفق الطبيب إلى معرفة الداء، ثم وفق إلى وصف الدواء، بقي مشكلة، أن يسمح الله للدواء أن يفعل فعله، قال

(( برئ بإذن الله ))

(( حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع ))

[ أبو داود عن الحسن]

تعامل الله عز وجل مع عباده وفق عدة مراحل:

 قلت البارحة: هناك دعوة بيانية، وهناك تأديب تربوي، وهناك استدراج، وهناك إكرامٌ استدراجي، ثم هناك قصم.
 فالإنسان أرقى شيء وأنت في طور الدعوة البيانية أن تستجيب لله عز وجل و أنت صحيح، معافى، في حالة جيدة، صحتك سليمة، أعضاؤك جيدة، أهلك بخير، أولادك بخير، تسكن في بيت، عندك قوت يومك، أنت الآن في غنى، أي في كفاية، فإذا استجبت لله عز وجل فعلت أكمل شيء، إن لم تستجب يسوق الله لك بعض المشكلات، هذا أسمه تأديب تربوي، فإن لم تستجب أكرمك الله إكراماً إستدراجياً، فإن لم تفعل هذا ولا ذاك كان القصم هذه المرحلة الثانية:

(( واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع ))

 البلاء لا يأتي إلا ليعيد الناس إلى الله عز وجل، البلاء لا يأتي إلا ليسوق الناس بالسلاسل إلى أبواب الله عز وجل، فمن انقاد إلى الله طواعيةً، وفر على نفسه أمواج البلاء، فإن لم تستجب فأمواج البلاء آتية، إذاً:

 

(( واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع ))

 والدعاء سلاح المؤمن، والدعاء شيء خطير جداً، أنت بالدعاء أقوى إنسان، أنت بالدعاء تنتصر على خصمك، لأن الله معك، ومن كان الله معه فقد كفاه.

 

 

من لم يؤدِ زكاة ماله فله عند الله حساب كبير :

 

 


 آخر حديث:

 

(( مَا مِنْ أَحَدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ حَتَّى يُطَوِّقَ عُنُقَهُ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ))

 

(( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ ابن ماجه عن ابن مسعود]

 طبعاً هناك حديث أخر

 

((من ترك بعده كنزاً مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يتبعه فيقول ويلك ما أنت فيقول أنا كنزك ))

 

[أخرجه الطبراني عن ثوبان ]

 أخواننا الكرام: هذا الشجاع الأقرع ذكر الحية، ذكر الحية المعمر، الحية سميت حية لأن حياتها طويلة جداً، قد تعمر مئات السنين، فيبدو أنه بعد أن تبلغ المئة ينبت لها شعر، وبعد المئة الثانية يسقط شعرها، وله زبيبتان، هذا الحنش الأقرع يأتي إلى قبر الغني، ويتمثل له.

 

(( فيقول أنا كنزك الذي تركته بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقصقصها ثم يتبعه سائر جسده ))

 

[أخرجه الطبراني عن ثوبان ]

 أيها الأخوة الكرام، هذا القبر شيء مخيف، فالإنسان إذا كان عليه حقوق، أو عليه تقصيرات، أو عليه مخالفات، أو تجاوزات، أو عدوان، الموت حق، والموت مصير كل حي، وهذا مصير كل إنسان، أما القبر صندوق العمل، نحن الآن في بحبوحة، نحن الآن في بحبوحة الحياة.

 

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

 

( سورة فصلت الآية: 40 )

 الله عز وجل قال، لكن كل عمل له حساب، وعذاب القبر حق وثابت في النفوس، وعذاب البرزخ قبل أن يأتي يوم القيامة:

 

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾

 

( سورة غافر الآية: 46 )

 فالإنسان إذا لم يؤدِ زكاة ماله فله عند الله حساب كبير.