الدرس : 3 - سورة البلد - تفسير الآيات 8 -20 خلق الإنسان ولوازم الإيمان.

1985-03-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

الله تعالى رقيبٌ على كُلِّ إنسانٍ وهو لِكُلِّ إنْسانٍ بِالمِرْصاد :

 أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في الدرس الماضي في تفْسير سورة البلد إلى قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ* فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ* ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾

 الله سبحانه وتعالى بعدما حَدَّثنا عن هذا الإنسان الغافل الذي يحْسَبُ أنْ لن يقْدر عليه أحد يظُنُّ أنَّهُ لا حِساب ولا مسْؤولِيَّة ولا جزاءَ، وأنَّ القَوِيَّ يأكل حقَّ الضعيف وقُضِيَ الأمر، وأنَّ الضعيف يُؤْكَلُ حقُّه! هذا الذي يحْسَبُ أنَّهُ لن يقْدِرَ عليه أحدُ، يُنْكرُ الله سبحانه وتعالى:

﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً*أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾

[ سورة البلد: 6-7 ]

 أيْ أنَّ الله تعالى رقيبٌ على كُلِّ إنسانٍ وهو لِكُلِّ إنْسانٍ بِالمِرْصاد، فَيَرى كيف كَسَبَ المال؟ وكيف أنْفَقَهُ؟ ومن أين جمعهُ؟ وكيف تاهَ على عِباد الله؟!!

العين من آيات الله الدالة على عظمته :

 ثمَّ يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 فَهَل فَكَّرْتَ أيُّها الإنسان في هاتَيْن العَيْنَيْن؟ أوَّلاً هذه العَيْن وضَعَها الله عز وجل في مغارة سَماها العلماء الوَقْد، على طرفِها عظْمُ الأنف وفي أعْلاها نُتوء الجبْهَة، ونُتوء الجبْهَة يحْميها من الصَّدمات، ومن أشِعَّة الشمْس الحادَّة ومن التعرُّض لها، وهذه العَيْن موْضوعةٌ على وسائِد شَحْمِيَّة ودِهْنِيَّة وهذه الوسائد تقيها الارْتِزاز، وهذه العَيْن خلقها الله عز وجل في رَحِم الأمّ، فهناك الضَّوْءُ مُنعدِمٌ، والعَيْنُ لا ترى إلا بالضَّوْء وكأنَّ الله سبحانه وتعالى أعدَّ الإنسان وجَهَّزَهُ بما يحْتاجه بعد خُروجِهِ من بطْن أُمِّهِ فأيَّ طبيعَةٍ عَمْياء شَكَّلَتْ هذا الجنين؟! هذا كلامٌ لا يقْبَلُهُ عَقْلٌ! فالضَّوْءُ ترى به العَيْن، وكذا الأُذُن تسْمعُ عن طريق الصوت، فلا سمْعَ بلا صَوْت ولا نظر بلا ضوء، قال بعض العلماء: هذه العَيْن التي أوْدَعَها الله في الإنسان مُؤَلَّفَةٌ من طبقاتٍ ثلاث: الطبقةُ الأولى: هي الطبقة القرْنِيَّة المتينة، والطبقةُ الثانِيَة: هي الطبقة المشيمِيَّة التي تُؤَمِّنُ تغْذِيَة العَيْن بِمئات أُلوف الشرايين والأوعِيَة والشَّعْرِيات، والطبقة الثالثة: هي الشَّبَكِيَّة التي تتلَقى الإشْعاعات الضَّوْئِيَّة، فصار لدينا طبقة قرنِيَّة ومشيمِيَّة وشبَكِيَّة، وهذه الطبقات على مُسْتوى العَيْن كَكُرَة، أما في مُقَدِّمة العَيْن فَشَيْءٌ لا يُصَدَّق، أوَّلاً الطبقة القَرْنِيَّة والتي هي في مُقَدِّمَة العَيْن شَفافَةٌ تماماً، وليس في جِسْم الإنسانٍ نسيجٌ مهما كان نوْعُهُ إلا وَيَتَغَذى عن طريق الشَّعْرِيات إلا قَرْنِيَّةُ العَيْن فَمِن أجل أنْ تكون شَفافةً مئة بالمئة فَهِيَ تتغَذى بِطَريقَةٍ فريدة، وهي طريقة الحُلول، فالقَرْنِيَّة الأولى تأخذ الغِذاء وتُعْطيهِ جارَتِها عن طريق الحُلول لا عن طريق الشَّعْرِيات من أجل أنْ تكون قَرْنِيَّة العَيْن شَفافَةً مئة بالمئة، وقد َشَبَّهها بعضُهم ببلورة الساعة، وقد يظن أحدُنا أن قرنية العين طبقة شفَّافة، إنها خمس طبقات شفافة الطبقة، فالوسطى تتألّف من خمسين صفيحة شفَّافة متراكبة بعضها فوق بعض لتُؤَمِّن الرؤية الصحيحة، ولا يعلم سرَّ تكوُّنها من خمس طبقات إلا الله تعالى، وهذه قرنية العين، فماذا بعد القرنية؟ بعدها سائل اسمه الخلط المائي، حجمه لا يزيد عن سنتيمتر واحد مكعب، وهذا السائل يؤَمِّن توازن كرة العين، ولولا هذا السائل لفقد الإنسان رؤيته، فمن منَّا يُصدِّق أن هناك آلاف الشرايين المائية التي تبدِّل هذا السائل الذي يقع خلْف القرنية باستمرار، وهو الذي يقوله العوام: المَياَّه الزرقاء! له كثافةٌ مُعَيَّنة يحْفظ بها توازن قَرْنِيَّة العَيْن، فلو ازْداد ضغْطه أو قلّ لانْعَدَمت الرؤية.

المُطابقة في العين يعْجَزُ عنها أكبر علماء الأرض :

 ماذا يأتي بعد هذا السائِل، أو الخلطْ المائي؟ تأتي القُزَحِيَّة وفلان عَيناه زرْقاوان، وفلان عينان عَسَلِيَّتان، وهذا سَوْداوان، القُزَحِيَّة فَتْحَةٌ بعد القَرْنِيَّة تضيقُ وتتَّسِع، فَمِن أجل أن تضيق هذه الفَتْحة أو تتَّسِع، من منا يُصَدِّق أنَّ هناك عضلات دائِرِيَّة، وهناك عضلاتٌ شُعاعِيَّة، فالعَضلات الشُّعاعِيَّة تتَّصِل بِعَصَبٍ، والعضلات الدائِرِيَّة تتَّصلُ بِعَصَبٍ آخر، عَصَبٌ وُدِّي وعصَبٌ نظيرُ الوُدِّي، فمِن تأثير هذين العَصَبَيْن تُفْتَحُ هذه الفتْحَة، فالإنسان إذا دخل إلى غُرْفَةٍ مُظْلِمَة، وكان بِيَدِهِ مرآة، لو نظر إلى عَيْنَيه قبل أنْ يدخل إلى هذه الغرفة لرأى حَدَقَتَهُ صغيرةً صغيرةً، فإذا دخل إلى الغُرْفَة رآها تتَّسِعُ من دونِ حَوْلٍ منه ولا قوَّة ومن دون إرادةٍ، فاتِّساعُ الحَدَقَة وضيقُها يتِمُّ بِشَكْلٍ لا إرادي، وبِتَوازُنٍ عجيبٍ بين عَصَبَيْن يعْملان عملاً مُتكامِلاً، الواحد مُرْتَبِطٌ بالنوم فإذا اشْتَدَّ تأثير هذا العَصَب تَضيقُ الحَدَقَةُ شيئاً فشيئاً ويضْعُفُ النور، والآخر يتَّصِف بالنَّشاط والحَيَوِيَّة، وعلى كُلٍّ فالعَيْنُ تزيدُ وتنْقُصُ بِحَسَبِ شِدَّة الضوء، فهذا الذي نعْرِفُهُ من قبل، ولكنَّ العلماء اِكْتَشَفوا أنَّ فتْحَةَ القُزَحِيَّة تكْبر وتصْغُر بِعامِلٍ آخر وهو بُعْد الإنسان وقُربه عن الشيء المرئي، فلو ابْتَعَد الشيء كثيراً تزْداد الفَتْحة كي تأخذ الكَمِيَّة الكبيرة من الضوْء وإذا اِقْتَرب تضيقُ الحَدَقَة، تطابُقٌ يعْجز عنه الإنسان يجْري في العَيْن من حيثُ فَتْحَةُ القُزَحِيَّة ضيقاً واتِّساعاً بِحَسَبِ شِدَّة الضوء، فالإنسان إذا أمسك آلة تصْوير وأخْبروه أنَّ هذه الآلة بِحَسَب الضوء تضيقٌ فتْحَتُها أو تزْداد بِشَكْلٍ أوتوماتيكي تراهُ يعْجَبُ عجَباً شديداً ما هذا الاخْتراع العجيب؟! وهذه آلاتٌ نادرة، لكن مُعْظمُ الآلات أنت الذي تُقَرِّر كم تكون الفَتْحَة بِحَسَب شِدَّة الضوء، لكنَّك إذا اطَّلَعْتَ على آلة تصْويرٍ تعْمل ذاتِياً لَدُهِشْتَ! فَكَيْفَ يفوتُك أنَّ هذه العَين التي تحْمِلُها تتَّسِعُ حَدَقَتُها وتضيقُ بِحَسَب شِدَّة الضَّوْء أو بِحَسَب قُرْبِك من الشيء المرْئي وأنت لا تشْعر، وكيف تَتِمُّ هذه الآلِيَّة؟! بِشَكْلٍ مُعَقَّدٍ جداً! مجْموعة عضلاتٍ دائِرِيَّة بعْضُها أكبر من بعض، ومجموعة عضَلاتٍ شُعاعِيَّة كُلُّها مُتشارِكة، يأتمر بعضُها بِعَصَب، فإذا تقَلَّصَت العضلات الدائِرِيَّة ضاقتْ فتْحَةُ العَين وإذا انْطَفَأتْ اِتَّسَعَتْ، فسبْحان الخلاق العليم، ماذا بعد القُزَحِيَّة؟ يأتي جِسْمٌ بِلَّوْري هو العَدَسَةُ في العَيْن، وليْس في الكون كُلِّهِ عَدَسَةٌ تُشْبِهُ هذه العَدَسَة إطْلاقاً، إنَّها عَدَسَةٌ مَرِنَة يُحيطُ بها جِسْمٌ هُدْبي له مئة وعشرون عضَلَة مربوطة بِأطْراف العَدَسَة، وهذه العضلات إذا تقَلَّصَتْ شَدَّتْ الجِسْم البِلَّوْري فَقلَّ احْتدابُه، وإذا اسْتَرْخى ازْداد اِحْتدابُه، الجِسْم البِلَّوْري، لماذا كان هذا الجِسْمُ البِلَّوْري مَرِناً؟ ولماذا يزْداد اِحْتدابُه ويَقِلُّ أو يتقَطَّع؟ لأنَّ الإنسان إذا كان الشيء الذي يراهُ بعيداً عنه فقد يقعُ الخيال قبل الشَّبَكِيَّة أو بعْدَها، فَمِنْ أجْل أنْ يقع خيالُ كُلِّ شيءٍ أمام عَيْنَيْك على الشِّبَكِيَّةِ تماماً لا بدّ من مُطابَقَة، وهذه المُطابقة يعْجَزُ عنها أكبر علماء الأرض، إذاً نحن نعْجَزُ عن فَهْمِها فَكَيْفَ بِصُنْعِها؟!!

إعجاز الله في خلقه :

 المُطابَقَةُ شيءٌ لا يُصَدَّق فَحينما تبْتَعِدُ الكُرة، وحينما يقْذِفُ اللاعِبُ الكُرَةَ بعيداً، فالمسافة ازْدادَتْ، فَلَو أنَّ الجِسم البِلَّوْري صلْبٌ فلا يرى الكرةَ إلا في حالةٍ واحدة وعلى مسافَةٍ واحدة، أما إذا ازْدادَتْ أو قَلَّتْ فتنْعَدِمُ الرؤية وتُصْبِحُ ضبابِيَّة غير دقيقة، لكنَّ الجِسْم البِلَّوْري حينما تبْتَعِدُ فكأنَّ هناك عقْلاً عظيماً قاسَ المسافة بينك وبين الكُرة ثمَّ ضغط على العضلات الهُدْبِيَّة التي تقلَّصَتْ وضَغَطَتْ على الجِسْم البِلَّوْري فازداد اِحْتدابُهُ فَوَقَعَ الخيال على الشَّبَكِيَّة، فيا تُرى هل رأيْتَ الشيء قبل أنْ تحْسَبَ المسافة؟ أم حسِبْتَ المسافة قبل أنْ ترى الشيء؟ هذا شيءٌ لا يسْتطيعُ العقْل تصْديقهُ إلا أنَّهُ واقِعٌ، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 هذا العمل المُعَقَّد - أنا أقول لكم - لو أعْطَيْنا عَدَسَة مرِنَة لِدُكْتور في الضوء وأمْسَكْنا شمْعَةً وَحَرَّكْناها حركةً عَشْوائِيَّة وقلنا لهذا الدكتور: أنت بِكُلِّ ما أوتيتَ من عِلْمٍ وفَهْمٍ اِضْغَط على هذا الجسم من أجل أنْ يكون خيال هذه الشمْعة باسْتِمْرار يقول لك: لا أعرف، وإذا عَرَفْتُ فلن أسْتطيعَ مُتابَعَة الحركة، َكَيْفَ يتِمُّ التطابقُ في العَيْن؟ هذا الجِسْم البِلَّوْري بعد الأرْبعين يفْقِدُ بعض نشاطه وتقِلُّ مُرونته فَنَحْتاجُ إلى هذه النَّظارات! وقبل الأربعين ترى الشيء قريباً وبعيداً ولكن بعد هذه السِنّ يُصبح أقلّ مرونة ويتصَلَّب، فلا تسْتطيع أنْ ترى الأشياء القريبة والكلمات الصغيرة، هذا الجِسم البِلَّوْري قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

المخاريط والعصيات والحكمة من وجودها في العين :

 هذه القَرْنِيَّة المتينة من أمْتَن الأنْسِجَة، فأحْياناً اللَّحام بِسِكِّينِه الحادَّة لا يسْتطيعُ قطْعَ القَّرْنِيَّة التي هي شفافةٌ ومُؤلَّفة من خمْسِ طبقاتٍ مُتراكِبَة وبينها خمْسون صفيحة، وبعدها خلْطٌ مائي بِكَثافَةٍ مُعَيَّنة وبِنِسَبٍ مُعَيَّنة يتِمُّ تجْديدهُ باسْتِمْرار عن طريق آلاف الشرايين المائِيَّة، وبعد هذا الخلْط المائي قُزَحِيَّةٌ تكْبر وتصْغُر بِعَمَلِيَّة لا إرادِيَّةٍ فوق طاقة البشر، وتتأثَّرُ بالضَّوْء والمسافة، وبعْدها تأتي العَدَسَة المَرِنَة المُحاطة بِمئة وعشرين عَضَلَة تضْغط وتسْتَرْخي بحيث يقعُ الخيال على الشِّبَكِيَّة دائِماً، وبعد هذا الجِسْمُ البِلَّوْري يأتي الخلْطُ الزُّجاجي، وكُلُّها أوْصافُ شفافة يخْتَرِقُها الضوء إلى أنْ يصل إلى مكانٍ اسمُهُ الشِّبَكِيَّة، وإلى بؤرةٍ ضَيِّقَةٍ جداً اسمُها البؤرة الصَّفْراء، يجْتمع هناك مئة وثلاثون مليون مخْروط وسبْعَة ملايين عُصَيَّة! لمَ المخاريط ولمَ العُصَيات؟ المخاريط من أجل اسْتِقبال الألوان والإضاءة الشديدة، والعُصَيَّات من أجل اسْتِقْبال اللَّوْن الضعيف والألوان البيْض والسَّوْد، فهي لا ترى إلا الأبيض والأسود والرَّمادي مع الضوء الباهت، وفي المخاريط ترى الإضاءة الشديدة مع الألوان، مئة وثلاثون مخْروطاً وسبْعَةُ ملايين عُصَيَّة.
 القُدْرة على الإبْصار ترْتفعُ من واحد إلى خمسمئة إلى خمْسة آلاف إلى عشْرين مليون ضِعْف، والعلماء اكْتَشفوا أنَّ هناك حيوانات كثيرة كالقِطط والكلاب ليس في شَبكاتها إلا العُصَيَّات! فهي لا ترى إلا الأبْيض والأسْود قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

 فلو أنَّك ترى الأبيض والأسْود والرمادِيّ فقط فما قيمة هذه الأزهار؟ وزُرْقَة السماء والبحْر؟ وما قيمة هذه الألْوان الزاهِيَة؟ كُلُّ هذه الألْوان التي خلقها الله في الأرض المُمْتِعَة الجميلة لا قيمة لها لو حُذِفَتْ من شَبَكِيَّة العَيْن المخاريط وبَقِيَتْ العُصَيَّات، سَترى ولكِنَّك ترى الأبيض والأسْود فقط! قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في ثمانِيَ عشرة آية ذكر السَمْع والبصر :

 والله الذي لا إله إلا هو لو فَكَّرْنا في العَيْنَيْن وحدهما لذابت نُفوسُنا خَوْفاً وخُشوعاً وتعْظيماً، يا رب لمَ خَلَقْتَ لنا عَيْنَيْن؟ فماذا لو خلَقْتَ لنا عيْناً واحدة كما خَلَقْتَ لنا قلْباً واحِداً؟! بالعَيْن الواحِدة لا ترى إلا المُسَطَّحات، أما بالعَيْنيْن فترى الحُجوم، وبالعَيْن الواحدة ترى الطول والعرْض، وبالعَيْنَيْن نرى الطول والعرض والبُعْد، والتَّجْربة سهْلة في هذا، فلو حاوَلْتَ أن تضع الخيط في الإبرة بِعَيْنٍ واحدة لأدْخَلْتَ الخيط عن بُعْد عشرة سنتمتر ظناً منك أنَّك تُدْخِلُهُ في الثُّقب!! لكن بالعَيْنَيْن تكْشِفُ المسافة التي هي العُمْق، ولولا العيْنان لما قدَّرْتَ المسافات فأربع أخْماس حركاتنا مشْياً أو ركضاً أو قِيادَةً، ألم نجْعل له عيْنين؟ وبالمُناسبة فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في ثمانِيَ عشرة آية ذكر السَمْع والبصر، وفي سبْعَةَ عشرة آية حصْراً ذكر السَّمْعَ قبل البصر! والشيء الثابت عِلْمِياً أنَّ حاسَّة السَّمْع تتشَكَّلُ قبل حاسَّة البصر، وأنَّ الجنيــن يسْمعُ بعض الأصوات وهو في بطْن أُمِّه، وأنَّهُ يسْتجيبُ للأصْوات بِحَركاتٍ وهو في بطْن أُمِّه ولكنَّهُ لا يسْتجيبُ للضَّوْء إلا بعد الوِلادة، ولذلك في سبعة عشرة آية قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 78 ]

 وفي آيةٍ واحدة قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾

[سورة السجدة: 12 ]

 لأنَّ الضَّوء سُرْعَتُهُ ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانيَة أما الصوت فَسُرْعَتُهُ ثلاثمئة وثلاثون في الثانِية، أنت ترى البَرْق قبل أنْ تسْمع الرَّعد مع أنَّهما يخْرُجان في وقْتٍ واحد، ترى البرْقَ أوَّلاً وتسْتَمِعُ إلى البرْق ثانِياً، ربنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا.
 هناك أمْرٌ آخر، وهو أنَّ ربنا ركَّز على السمْع والبصر في القرآن بشكل واضح بخلاف الشمِّ والإحساس والحرارة والضغط والبرودة والألم والذوق، لقد ذُكِرت ولكن بشكل قليل.

مَنْفَذَ القلب هو السمع و البصر مُغلَق بحبِّ الدنيا :

 قال بعضهم: إن السمع والبصر هما نافذتان تطلُّ بهما على العالم الخارجي وعن طريقهما تتلقَّى الحالة الراهنة المرئية والمسموعة، ومن خلال السمع والبصر ومن خلال هذا التقرير تستطيع التكيُّف في الحياة، ومن خلال السمع والبصر تُكتَسب المعارف، فلا نطق بلا سمع ولا كتابة بلا بصر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ*خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة: 6-7 ]

 منفَذَُ القلب ختمه حكماً، لأن مَنْفَذَ القلب هو السمع و البصر مُغلَق بحبِّ الدنيا، هذا عن قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 وهناك أشياء كثيرة في العين، فهذه الأجفان التي تعمل بشكل دقيق، ست عشرة حركة في الدقيقة، مع عشرين إلى ثلاثين فوهة من فوهات الغدد الدَّمعية مُركَّزة في أعلى الأجفان من أجل تطهير العين وتسهيل حركة الأجفان وتعقيمها وجعلها برَّاقة جميلة، وهناك قناة دقيقة جدّاً هي القناة الدَّمعية التي تصرِّف الدمع الذي ينهمر من الغدد، فإن كان الدمع المنهمر أكثر من طاقة التصريف فاض الدمع، وهذا الذي قاله الله تعالى:

﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾

[سورة المائدة: 83 ]

بالسمع والبصر والأفئدة تُكتَسب المعارف :

 البكاء ليس هطول الدمع ولكن البكاء فيضان الدموع، وهذه القناة الدمعية لو أنها سُدَّتْ لأصبحت حياتُنا لا تُطاق فلا بدَّ من مسح هذا الدمع كل دقيقة لئلا يحفر الدمع طريقاً في الجلد فيلتهب الجلد لأن الدمع مادة قلويَّةٌ مُذيبة فلو أن إنساناً دخلت في عينه حبة رمل لذابت بعد ساعات، من خلق هذه المادة التي تذيب هذه الحبَّات وتذيب كل شيء، حتَّى أن هناك بعض المواد أكثر صلابة من الرمل وتذيبها هذه المادة وتسهّل حركة الأجفان، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 من منا يشكر اللهَ على عينيه؟! هذه الحواجب التي تحجُب الشمس وأشعَّتها الحادَّة وتعيق العرق عن العين وتجعل الإنسان في منظر حسن قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 هذا المكان المحمي وهذه الوسائد التي تستريح عليها العين وهذه العضلات الجانبية والعُلوية والسُّفلية والإنسية والوحشية والمائلة لتحريك العين، وهذا العصب البصري من ثقب له في قعر العين حفرة، لابدَّ من مهندس، فحينما ترى ثقباً كبيراً في جسم السيارة يمرّ فيه خيط كهربائي، فلا بدَّ من مهندس، قبل تركيب الكهرباء في السيارة قد صمَّم هذا الثقب ليمرَّ فيه هذا الخيط، كذلك في قعر العين ثقب يمرُّ فيه العصب البصري فيه خمسمئة ألف عصب بصري، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة النحل: 78 ]

 معنى ذلك فبالسمع والبصر والأفئدة تُكتَسب المعارف.

لا بد للعين من أربعة أشياء حتَّى تبصر :

 ربنا عز وجل قال عن هذا الإنسان الذي يقول: لن يقدر عليَّ أحدٌ، هذا الذي يرى نفسه فوق البشر، هذا ألم نجعل له عينين؟ هو الذي صمَّمهما، فالإنسان إذا اغتنى أو أصبح ذا شأن بفضل ماله، يرى نفسه فوق الناس ويقول كما قال تعالى:

﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ﴾

 يقول أحدهم: كلَّفني زواج ابنتي في الفندق ثمانين ألفاً في حفلة واحدة، قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾

 لماذا حسب ذلك، لأنه لم يفكِّر في عينيه، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 السياق في الآيات، لماذا قال الله تعالى:

﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ﴾

 ولماذا يظن أنه لن يقدر عليه أحد؟ لأنه لم يفكِّر في عينيه:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 هناك شيء آخر، وهو أن العين لا بدَّ لها من أربعة أشياء حتَّى تبصر وإلا لا ترى، لا بدَّ من شدَّة ضوء، فبدون الضوء لا ترى العين، ولا بدّ من طول الجسم الكافي فهناك حجم إذا قلَّ لم تبصره العين، ولا بدَّ من وقتٍ كافٍ يبقى فيه الخيال في الشبكية، ولا بدّ من طول موجةٍ بحدٍّ أدنى حتَّى ترى العين، ولذلك نحن لا نرى الأشعَّة فوق الحمراء ولا تحت الحمراء ولا فوق البنفسجية، فإذا وضعتَ مرآة داخل وعاء فيه ماء صاف ووضعت الوعاءَ في الشمس فإنه يرى سبعة ألوان في الحائط، فموضوع الألوان موضوع حيَّر العلماء، فما اللون الأبيض؟ هو ضوء سُلِّط على شيء فعكسَه كله، فما دام أن هذا الشيء عكس الضوء كلّه فهو أبيض، وما هو اللون الأسود؟ شيء امتصَّ الضوء كلَّه، ومادام أنه امتصَّ الضوء كلَّه فهو أسود، وإذا امتص بعضه وردَّ بعضه فهو رمادي، وإذا امتصه كلَّه عدا الأزرق فهو الشيء الأزرق والشيء الغريب أنك تقول إن هذا الشيء أخضر، وليس هو الأخضر، إنه امتصَّ الألوان كلَّها إلا الأخضر فلا لون بلا ضوء، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 فلولا ضوء الشمس فما قيمة هذه العين؟! ولولا العين فما قيمة ضوء الشمس.

اللسان أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته :

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 طبعاً، القرآن حمَّالُ أوجه، أي ألم تر هذه السموات والأرض بعينيك، وألم تر بعينيك الشمس والقمر، ألم تر الجبال والصحارى والسهول والبحار والأنهار، ألم تر الأزهار والأشجار، ألم تر الطيور والأسماك؟ وألم تر نفسك في المرآة؟ ألم تر ابنك؟

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

 هناك آيات كثيرة في الأرض، قال تعالى:

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات: 20 ]

 تملك العينين وإن كنتَ لم تر هذه الأشياء، أي لم تر حقيقتها قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 لِمَ لمْ تسأل باللسان؟ فالسؤال نصف العلم، ومفتاح العلم السؤال، وهذا اللسان يلفظ ثمانية وعشرين حرفاً، وفي كل حرف تسهم في صنعه سبع عشرة عضلة، اللسان مؤَلَّف من سبع عشرة عضلة، تأخذ أوضاعاً معيّنة فيظهر حرف الدال، وهذا يعرفه علماء التجويد فمخارج الحروف وصفاتها وقوَّتها وهمسها وصفيرها وشدَّتها ورخاوتها وعلوّها، وما شاكل ذلك؛ فهذا اللسان الذي ينطق، إذا كان كل حرف سبع عشرة عضلة، والكلمة فيها خمسة حروف فينتج حوالي ثمانين حركة عضلة، فكم حركة عضلة ساهمت في صنع هذا الدرس؟!

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

بالبيان يتصِّل الإنسان

 قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4 ]

 أحياناً الطفل يبكي، فتظن أنه جائع فلا يأكل، أو تظن أنه يحتاج إلى تغيير الملابس فتجده نظيفاً، وتحتار لبكائه، وبعدها تجد دبوساً في رجله، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4 ]

 بالبيان يتصِّل الإنسان، فالآن هناك اتصال بيننا، اتصال لغوي، حتى أن تعريف اللغة: هي أداة اتصال بين أفراد النوع، وهذا تعريف اجتماعي، وهناك تعريف نفسي: فاللغة أداة يعبِّر بها الإنسان عن أفكاره ومشاعره، وهناك تعريف بيولوجي أن اللغة مقاطع صوتية يعبَّر بها عن الفكر والعاطفة، فاللسان شيء ثمين، وفوق أنه أداة للتكلم فهو أداة للذوق، الحلو في المقدِّمة والمرُّ في المؤخِّرة والحامض والمالح على الأطراف، وهناك تسعة آلاف حُلَيْمة، وكل حُلَيْمة فيها مئة وتسعون بؤرة تتلقَّى المواد الكيماوية، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أبردوا بالطعام فإن الحار لا بركة فيه))

[ رواه الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر]

 لأن الطعام الحار يضعِف خلايا الذوق، فهذا هو اللسان فيه حُلَيْمات والحليمات فيها كؤوس والكؤوس نهايات عصبية تتأثَّر كيميائياً بالطعام، وهناك أربعة أطعمة: حلوٌ و مُرٌّ وحامض ومالح، فمن امتزاج الأطعمة نحصل على آلاف الطعوم ومن تداخل الروائح تنشأ النكهات ولو لم يكن ثمة لسان لأكل الإنسان تبناً وشبع، ولكن باللسان يعرف الطعام ويفرق بين السمن الطبيعي والسمن الحيواني، ويقول: هذا التفاح ليس له نكهة، فربنا عز وجل قال:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

كل ما أمرنا به الله تعالى متفق مع الفطرة وكل ما نهانا عنه متفق مع الفطرة :

 الطفل عندما يُولَد لا يعلم شيئاً، وكل المعارف والخبرات والمنارات والحقائق والمفاهيم تنشأ مع الطفل إلا منعكَساً واحداً يُولَد معه وهو منعكس المصِّ، فبمجرد ما يُولَد الطفل يضع فمه على ثدي أمِّه ويحكم إغلاقهما ويسحب الهواء فيأتي مع الهواء الحليب، من علَّمه ذلك؟ قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 فبعضهم قال: النجدان طريق الخير والشر، أي الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ من دون تعقيدات ومن دون كتب تفسير، فالسرقة حرام بالبديهة، والكسب والعمل حلال، والزواج حلال والزنا حرام، وشرب الشاي حلال وشرب الخمر حرام، فالخير واضح والشَّر واضح، الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات فالإنسان له حاسة يدرك بها الحق من الباطل والخير من الشر من دون أن يتعلَّم شيئا إطلاقاً، فهذا بالفطرة، ولذلك الإسلام دين الفطرة، فكل ما أمرنا به الله تعالى متفق مع الفطرة، وكل ما نهانا عنه متفق مع الفطرة، فالأجانب الذين لا يعلمون عن الدين شيئاً يقولون: بعد الانحرافات هناك شعور بالكآبة، هذا عذاب النفس وعذاب الضمير، هذا شعور بالبعد وإحساس بالمعصية فربنا عز وجل قال:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 وبعض المفسِّرين قالوا: النجدان الثديان، هدية ثمينة، أوَّلاً بمجرَّد ما يبكي الطفل جوعاً فالحليب جاهز، لا يلزمه غليٌ ولا تعقيم، أو نسينا شراء الحليب، أو ليس هناك غاز لتسخين الحليب، فكل هذه المتاعب ملغاة:

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 حليب يتوافق مع أجهزة الطفل ومع قدرته على الهضم ونموِّ عظامه وأنسجته يوماً بيوم وساعةً بساعة.

كلمة (النجدين) لها تفسيران إما طريق الخير والشر أو الثديين :

 لو أخذنا حليب الأم يوميّاً وحلَّلناه، فكل يوم له تركيب، أما علب الحليب فيقولون: من الشَّهر الأول إلى الشهر الثالث ملعقتان، ومن الثلاث إلى الست ثلاث ملاعق، أمَّا على مستوى الأم فكل يوم هناك تركيب جديد، ثمَّ هناك اتِّصال لاسلكي بين الطفل وأمِّه، ثم إن الحليب ساخن في الشتاء بارد في الصيف، ومُعَقَّمٌ وفيه مناعة تامة، فإذا تلقَّى الطفل ثدي أمه فإن احتمال التهاب الأمعاء قليل جدّاً لأن مع الحليب مناعة الأم، والأم أخذت اللِقاحات ضدَّ كلِّ الأمراض فهذه المناعة كلها في الحليب، وحليب الأم يُهضَم في ساعة ونصف، بينما حليب البقر يحتاج إلى ثلاث ساعات بالضبط، نصف الوقت تماماً.

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 الآن حالات سرطان الثدي تزداد أربع مرات عند النساء اللواتي لا يُرضعن أولادهنَّ، فإذا أخذنا مئة امرأة ترضع أولادها ومئة أخرى فاحتمال مرض سرطان الثدي في اللواتي لا يرضعن أولادهن أربع مرات، هذه قرينة:

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 أي الثديين، هذا التفسير قاله مجموعة من التابعين منهم سعيد بن المسيِّب، النجدان هما الثديان، وإذا قلنا: هما الخير والشرُّ فهناك تناسب، ألم نجعل له عينين يرى بهما الآيات ولساناً يسأل به عن ربِّه وشَّفتين ليسكتَ عن الباطل، وخير وشرٌّ واضحٌ للعَيان، فعليه أن يسلك طريق الخير ويبتعد عن طريق الشر، وإذا فهمنا العينين كنعمة كبرى أنعمها الله علينا واللسان للنطق والذَّوق والشَّفتين لالتقاط الثديين، فالنجدان هما الثديان، طبعاً هذه الآيات لا على سبيل الحصر بل على سبيل المثال.

من أوجَه التفاسير لهذه الآيات أن تعتق رقبتك من الشهوات :

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ*فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾

 ماذا ينتظر وماذا يفعل؟ وما الذي يحجزه عن اقتحام العقبة؟! وما الذي يؤخِّره، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ*فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

 من أوجَه التفاسير لهذه الآية، أن تعتق رقبتك من الشهوات، تعس عبد الدرهم والدينار، تعس عبد البطن، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الفرج إذا استطعتَ أن تعتق نفسك من الشهوات فقد اقتحمتَ العقبة، بينك وبين أن تكون مؤمناً عقبةٌ واحدة، بَيْنَ أن تكون شقيّاً أو سعيداً عقبة واحدة، بينَ أن تكون في الجنَّة أو تكون في النار عقبة واحدة، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ*فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

 وقال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 فاقتحام العقبة أن تكون حُرّاً من الشهوات، وأن تنضبط وأن تستقيم على أمر الله وأن تلزم شرع الله.

هناك معنى آخر إن لم تستقِمْ على أمر الله فلا زال بينك وبين أن تكون مؤمناً عقبةٌ كبيرة:

 فكُّ رقبة لها معنى آخر، إذا اشتريتَ عبداً وأعتقتَه لوجه الله فهذا عملٌ يرقى بك وقد يقودك إلى طريق الخير، ومعنى أعتقتَه أي جعلتَه مؤمنَاً فاستحقَّ العتق، وهذه الآية مستمرَّة، أي إذا كان هناك إنسان عبد لشهواته وأنتَ أقنعتَه وأفهمتَه وفسَّرتَ له بعض الآيات وأكرمتَه وأعنتَه حتَّى جاء معك إلى المسجد واستقام على أمر الله وصار حُرّاً من الشهوات، أنتَ بهذا قد فكَكْتَ هذه الرقبة، أعتقتَها من النار، وقال بعضهم: عتقُ الرقبة أن تشترِيَها بمالك وتعتقَها، أمَّا فكُّها فأن تُسهم في عتقها، فإذا أخذْتَ حُلِياً من أمك وأعطيتَه لزوجتك، فزوجتُك عبدٌ للمظاهر، فإذا عرفَتْ ربَّها فقد تحرَّرتْ، فهذا المعنى الواسع للآية، وهذا المعنى مستمِرٌّ ولا علاقة له بوجود العبيد، ثم إذا كان هناك عبيد فاشترِهِمْ بمالك وأعتِقْهم، عجبتُ لِمَنْ يشتري العبيد بماله ليعتقهم لِمَ لا يشتري الأحرار بمعروفه، فباب الآية مفتوح وواسعٌ جدّاً كأن هذه الآية تقول: إن لم تستقِمْ على أمر الله فلا زال بينك وبين أن تكون مؤمناً عقبةٌ كبيرة، تقول: أنا الحمد لله مؤمن، ولا يكفي هذا، هل اقتحمتَ العقبة؟ فضبطتَ أمورَك، واستقمتَ على أمر الله، وأَزَلْتَ المعاصي والمخالفات، إن لم تكن مستقيماً فالعقبة قائمة، والإقبال ممنوع والطريق مسدود والمعصية حجاب كثيف، قال الله تعالى:

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

 بعد الاستقامة صار الطريق أمامك مُعَبَّداً، والآن نريد أن نمشيَ في هذا الطريق، قال تعالى:

﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ*يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ*أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾

الاستقامة والعمل الصالح :

 صارت الاستقامةُ تعبيداً للطريق، والعمل الصالح سيرٌ في هذا الطريق قال تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 110]

 فالاستقامة سلبية أما العمل الصالح فإيجابي، فالاستقامة امتناع، أما العمل الصالح فتضحيةٌ وبذلٌ، فربنا عز وجل قال:

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ*أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾

 فإّذا أطعمتَ إنسانا أكرمَكَ الله، ولكن إذا أطعمتَ هذا الإنسان وهو جائع فلك أجرٌ مضاعف قال تعالى:

﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ*أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾

 إذاً العقبة هي الاستقامة قال تعالى:

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ*لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾

[ سورة التكوير: 27-28 ]

 إذا لم تحصل الاستقامة فالعقبة قائمة.

لا بدَّ مع الاستقامة من عمل صالح لأن العمل الصالح يرفع الإنسان :

 قال تعالى:

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ*أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾

 ولا بدَّ مع الاستقامة من عمل صالح، لأن العمل الصالح يرفع الإنسان، و به تلقى الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[سورة الأحقاف: 19 ]

 وقال تعالى:

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل: 32 ]

 قال تعالى:

﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾

 أي مجاعة.

يجب أن تكون الاستقامة والعمل الصالح على أرض الإيمان :

 قال تعالى:

﴿ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾

 إطعام الجائع عمل عظيم، أما اليتيم فعمل أعظم لأنه لا كافلَ له، ومقربة أي قرابة، وبعضهم فسَّرها بالأقرب نسباً أو إيماناً أو فقراً، ففي توزيع الصدقات يجب أن تُرَاعى هذه العوامل الثلاثة، الأقرب نسباً له حقٌّ عليك، والأقرب إلى الإيمان أولى من الأبعد عن الإيمان، والأقرب فقراً الذي يحتاج إلى الطعام والشراب أولى مِنَ الذي يحتاج إلى غرفة إضافيَّة يتوسـَّع بها:

﴿ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ* ﴾

 المسكين الذي لا شيء له أما الصدقات للفقراء والمساكين، فما الفرق بين المسكين والفقير؟ ليس الفقير من تَرُدُّه اللقمة واللقمتان إنما الفقير الذي لا يجد حاجته، هو الإنسان الذي دَخْلُه أقلُّ من مصروفه بكثير، فهذا هو الفقير، أما المسكين فلا شيء له إطلاقاً، صار كالتراب أو لصق بالتراب، فالشرط الأول الاستقامة والشرط الثاني العمل الصالح والشرط الثالث الإيمان، أن تكون هذه الاستقامة والعمل الصالح على أرض الإيمان، فهناك أشخاص كثيرون بدافع الوجاهة والمكانة أو أنه كبير الأسرة يعمل الصالحات ولا يبتغي بها وجه الله، لكنَّ المؤمن هو الذي يبتغي بعمله وجه الله، ثم يُضاف إلى هذين الشرطين، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾

 الإيمان شرط والاستقامة شرط و العمل الصالح شرط، وإذا أردتَ أن تُلَخِّصَ الدين كلَّه، فهو إيمان وعمل صالح واستقامة.

الصبر عمل سلبي والمرحمة عمل إيجابي فيجب أن نتواصى بالصبر والمرحمة :

 ربُّنا سبحانه وتعالى لخَّص القرآن الكريم كلَّه في آية، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

 العمل الصالح مبنيٌّ على الاستقامة، أماَّ عمل صالح من دون استقامة فيكون كَمنْ فتح صنبوراً على وعاء لا قعر له، فمتى يمتلئ هذا الوعاء؟! لا يمتلئ، المخالفة الصغيرة ثقبٌ صغير والمخالفة الكبيرة ثقبٌ كبير، وكلما كبرت المخالفة كبر الثقب، فإن ضُرِب الإناء وراء ظهره كان الإناء لا قعر له، فربنا عز وجل قال:

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

 الصبر معالجة إلهية، نصف الإيمان صبر، قال تعالى:

 

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾

 الصبر عمل سلبي والمرحمة عمل إيجابي، فيجب أن نتواصى بالصبر والمرحمة، وأن يُصَبِّر بعضُنا بعضاً وأن يرحم بعضنا بعضاً قال تعالى:

 

﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾

 إنهم السعداء، وهذا من لوازم الإيمان، فلوازم المؤمن أنه يوصي أخاه بالصبر ويوصي أخاه بالمرحمة.

الكفار هم الأشقياء في الدنيا والآخرة :

 قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾

 إنهم كما قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 الشمس والقمر والمجرَّات والبحار والسهول والطيور والأزهار وآيات هذا الكتاب، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾

 هم الأشقياء في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُوصَدَةٌ ﴾

 أي عليهم نار بشكل مستمر لا يستطيعون منها فراراً. هذه السورة، سورة البلد متكاملة وفيها ترابط وفيها مقدَِّمات وموضوع وخاتمة، وكلُّ مقطع فيها يشير إلى فقرة أساسية في الحياة.