الدرس : 2 - سورة البلد - تفسير الآيات 2 - 7 افتقار الإنسان إلى الله تعالى.

1985-03-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

ملخص لما ورد في الدرس الماضي :

 أيها الأخوة الكرام، نُتابعُ السورة التي بدأناها في الماضي، وهي سورة البلد، قال تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 وضَّحْنا في الدرس الماضي أنَّ هذا الشيء الذي أقْسَم الله به له معْنيان: إما أن تعْني الأرض كُلَّها وما توافر فيها من حاجات الإنسان، صغيرِها وكبيرها، وجليلها وحقيرِها، أو أنْ تعْنِيَ مكَّة المُكَرَّمة، وقد تمَّ الحديث عن هذا في الأُسبوع الماضي بِفَضْل الله تعالى، قال تعالى:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 إنْ فَسَّرْنا البلد الأرض فأنت أيها الإنسان تسْكن على سطْح الأرض وترى بِعَيْنَيْك السماء وما فيها والأرض وما فيها، وما بين السماء والأرض ترى المشارق والمغارب، وترى أنواع النباتات والحيوانات، وترى رِزْقَكَ الكريم، وأنَّه سبحانه وتعالى خلق لك من نفْسِك زوْجةً تسْكُنُ إليها، وترى أوْلادك بين يدَيْك، ترى الجبال والأنهار والبحار والطيور والأسْماك:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 أيْ وأنت على الأرض وهذه الآيات التي يذكرها لك ليسَتْ بعيدة عن سَمْعِكَ وبصَرِك! إنها بين يدَيْك وتعيشُها كُلَّ يوم.

مِمَّا يزيد حُرْمَةَ الكعْبة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فيها زادَها حُرْمَةً على حُرْمَة :

 إنْ فَسَّرْنا البلد مكَّةَ المُكَرَّمة، والبلد الحرام التي جعلها الله مثابةً للناس وأمْناً، ومنع فيها المُنازعات والحُروب وسَفْك الدِّماء والصَّيْد، وجعلها مثابةً إليه وعَوْدَةً إليه وآمِنَةً:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 ومما يزيدُ حُرْمَتَها أنَّكَ فيها يا محمَّد! ففي آياتٍ أُخْرى يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 بعضهم فَسَّر هذه الآية بأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُعَذِّبُ أُمَّةً تُحِبُّ رسولها، فما دامتْ محبَّةُ النبي عليه الصلاة والسلام فيهم فلن يُعَذِّبَهم الله تعالى، ومِمَّا يزيد حُرْمَةَ الكعْبة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فيها زادَها حُرْمَةً على حُرْمَة، والله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

[سورة الواقعة: 75]

 ومواقِعُ النجوم مسافات قد لا يسْتطيعُ العقْلُ إدْراكَها، عَشْرَةُ آلاف مليون سنة ضَوْئِيَّة! حينما لم يُقْسِم الله تعالى بِهذه الآية الكبيرة، قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ* وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الحاقة: 38-39 ]

 أَقسْم بِعُمُرهِ الثمين فقال:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر 72]

 ما هذا العُمُر؟ ثلاثٌ وسِتون عاماً أفاضَتْ على البَشَرِيَّة هُدىً وسعادَةً للأرض بِأَكْمَلِها سادَتْها الفضيلة والسعادة، والتوحيد، إنه إنْسانٌ واحد قلبَ المقاييس كُلَّها، جاء الحياة فأعْطى ولم يأخذ، وقدَّسَ الوُجود كُلَّهُ، ورعى قَضِيَّةَ الإنسان، وزكى صِياغة العقْل، ونهْنه غريزة القطيع، وعاش واحِداً بين الجميع، وكان بِإمْكانه أن يعيش واحداً فوق الجميع، ولذلك استحَقَّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم وهو سيِّد البشر أن يُقْسِمَ الله عز وجل بِعُمُرِهِ الثمين:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر 72]

للآية التالية ثلاثة معانٍ :

 فإذا قال الله عز وجل:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ *وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 أيْ مِما يزيد هذا البلد الحرام -الذي جعله الله مثابةً للناس ومنافع وجعل فيه آياتٍ بَيِّنات والهدي- أنَّكَ فيه يا محمّد.
 وبعض المُفَسِّرين قالوا:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 أيْ أنَّ هؤلاء المُشركين الذين لا يسْتحِلون في الأشهر الحُرُم سفْكَ دَمٍ، ولا قِتالاً ولا صيداً فَكَيْفَ يسْتحِلون أنْ يؤْذوك؟! وكيف يسْتحِلون أن يُخْرِجوك؟
 وبعض المُفَسِّرين قالوا:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 هذه بُشْرى للنبي عليه الصلاة والسلام في أنَّ الله سبحانه وتعالى سَيَفْتَحُ عليه مكَّة، وسَتَكون حِلاً له ساعَةً من نهار، إنَّ الله عز وجل حَرَّمَها منذ أن خلق السماوات والأرض وإلى قِيام الساعة إلا ساعَةً من نهار أحَلَّها لِنَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام، فهذه ثلاث معانٍ يعْنيه قوله تعالى:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

نظام التوالد والحكمة منه :

 يا أيها الإنسان هذه الآيات بين يديْك وتحت سَمْعِكَ وبصَرِك، ترى النِّعَم إذ تأكل الطعام، وتنام على فِراش، وتتنَسَّم الهواء العليل، وأمْتَعَكَ الله بِعَيْنَيْن ورزقك أُذُنَيْن:

﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾

 كُلُّ حاجاتك مَيْسورة لك في الأرض تراها بِعَيْنِيك، أنواع المعادن وأشْباهُها، وأنواع المزْروعات وطبيعة الأرض بِتُرْبَتِها، وأنواع الأخْشاب، وأنواع الحديد والنحاس.
 لكنَّ الآية الثالثة، الله سبحانه وتعالى خلق الأرض، وخلق فيها من كُل زَوْجَيْن اثنين، فلولا نِظام التوالد على مُسْتوى الإنسان والحيوان والنبات لانْقَرَضَتْ المخْلوقات، فكيف رَتَّب الله سبحانه وتعالى نِظام التوالد؟! لو وَقَفْنا عند الإنسان! كيف جَهَّزَ الله سبحانه وتعالى المرأة بِأَجْهِزَة خاصة بِرَحِمٍ ومِبْيَضَيْن وثَدْيَيْن؟ وخصائِص تُعينُها على الحمْل والوِلادة والرضاع؟ وكيف جعلها مرْغوبةً عند الرجل؟ وكيف زرع في قلب الرجل هذا المَيْل نحوَ الأُنْثى؟ ومن زرعَ فيها مَيْل التطلُّع وإظْهار ما عندها؟ من الذي جعل الزوجة سَكَناً للزوْج؟ أليس الله سبحانه وتعالى إنه قادر على أن يخلق العباد كلهم دفعةً واحدة؟ هو قادر، لماذا جعل نظام التّوالد؟

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 العلماء يقولون: هو حفظ النوع، فالغريزة التي أودعها الله فينا هي من أجل حفظ النوع، ولولاها لانْقَرَض النوع البشري من على سطح الأرض.

نِظام التوالد هو الذي يحْفظ لنا حياتنا :

 قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

[سورة آل عمران: 14 ]

 من زرع مَيْل حُبِّ النساء للبنين؟ تريد أن تكون أُماً وتحْرص على ذلك مع أنَّ الوِلادة والحَمْل وَهْنٌ على وهن، فالله سبحانه وتعالى يُشير إلى هذا النظام البديع في قوله تعالى:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 فنِظام التوالد، سواءٌ على مُستوى الإنسان أو على مُسْتوى الحيوان، هذه الدجاجة من ألْهَمَها أنْ تجْلس على البيض، عِشْرين يوماً، وأن تُدافع عنها دِفاعاً مستميتاً؟ ومن أخبرها أن تجلس عليها في فصْل الربيع لا في فصْل الشتاء؟ فَمَن ألْهَمَها هذه العادات والتصرُّفات؟! ألْيس الله سبحانه وتعالى، وهذه الطيور كيف تتوالد؟ عن طريق البيض والوِلادة، فالأسْماك تبيض بيضاً، والحيتان تلِدُ وِلادةً، ففي الأسْماك مِبْيَض فيه أُلوف الملايين من البيض، وفي المُستقبل تصبح هذه البيضة سمَكَة، وبعض الأسماك يُغادر أعالي الأنهار في أمْريكا مُتَّجِهاً إلى المُحيط الأطْلسي، وبعدها تعود الأسماك إلى مسْقط رأسِها لِتَضَعَ البيض هناك وتموت، فكلُّ حيوانٍ له طريقة في الوِلادة، وكُلُّ حيوانٍ جَهَّزَ الله ذَكَرَهُ وأُنْثاه بِصِفاتٍ وعادات وأجْهزة وطِباع مُتباينة، فلولا هذا التفْريق والتمييز بين الذكر والأُنثى لانْقَرَضَتْ الحيوانات! ولو أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الحيوان الذي نأكله ثمَّ أكلْناهُ وانتهى الأمر، وبِهذا انتهت حياة الإنسان فَنِظام التوالد هو الذي يحْفظ لنا حياتنا، والحيوان الذي نأكله ونرْكَبُهُ، والذي نسْتخْدِمُهُ في اسْتِخْدامات شتى.

التوالد في النبات :

 النبات كذلك فالذرة، هذا العَرْنوس كما يقولون في نِهايتِهِ خُطوط دقيقة، من مِنْكم يُصَدِّق أنَّ كل خيْطٍ من هذه الخُيوط هو أُنبوب مُفَرَّغ يتَّصِل بِحَبَّةٍ من حبات العَرنوس، وأنَّ غُبــار الطَّلْع يَمُرّ في الأنبوب إلى ذرَّة الذرة، وفي داخل الأُنبوب أهْداب وأشْعار تتَحَرَّكُ حَرَكَةً مُستمرَّة نحو الأسفل، من أجل أن تنقل حبات الطلع غُبار الطلْع عبر هذا الأُنبوب الدقيق الذي لا يُرى بالعَيْن، فمن جعل هذا النِّظام؟ ومن خلق في القمْح رشَيْماً، فهذا الموضوع يحْتاج إلى سنوات للإحاطة به، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾

[سورة النجْم: 45 ]

 نِظام التوالد في النبات من حمص وقمح وأشْجار مُثْمرة، والرِّياحُ لواقح فلولاها لما انعَقَدَتْ الثِّمار، من مِنْكُم يُصَدِّق أنَّ مُهِمَّة إنتاج العسل في النحْل مُهِمَّة ثانَوِيَّة بينما مُهِمَّتُهُ الأساسية تلْقيحُ النباتات، النحْل يقوم بِأخطر وظيفةٍ في الأرض وهي تلْقيح النباتات المُؤَنَّثة والمُذَكَّرة، ولولا هذه الحشرات وفي مُقَدِّمَتِها النَّحْل لما انعَقَدَت الثِّمار، والله سبحانه وتعالى يجعل بعض الثِّمار كالصَّنَوْبر والتين لا يُثْمر إلا إذا لَقَّحَتْهُ يدُ إنْسان، فالإنسان أحْياناً يُلَقِّحُ أشْجار التين كي تُثْمر، ولولا أنَّهُ يشتري أشْجاراً مؤنَّثَة من التين كي يُلَقِّحَها على أشْجارٍ مُذَكَّرة لما انْعَقَدَت الثِّمار ولما أكلْتُم هذه الفاكِهَة، فربنا عز وجل حينما قال:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 نِظامُ التوالد والتكامل واللِّقاح على مُسْتوى الإنسان والحيوان والنبات ولولا هذا النِّظام لما كنا نحن جميعاً على مُستوى سطْح الأرض، ولما أكلْنا قمْحاً ولا خُبْزاً ولا طحيناً، ولا فاكِهَةً ولا لحْماً، فَكُلُّ ما نتمتَّعُ به في حياتنا بِفَضْل:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

نظامُ التوالد والتكاثر والانقِسام والوِراثة في الخلايا مُوَحَّدة :

 لو دَقَّقْتُم في خلْق الإنسان، الجنين وهو في بطْن أُمِّه كيفَ يتغَذى؟ وكيف يُصَفي دَمَهُ؟ وكيفَ يُخَزِّنُ السُّكَر؟ فالعلماء قالوا: المشيمة - وهي الخلاص الذي يرْميه الناس بعد الوِلادة - وهي قِطْعة من اللَّحْم مُمْتَلِئة بالدِّماء، من منكم يُصَدِّق أنَّ هذه المشيمة تقوم بِدَوْر عَشْرة أجْهِزَة مُعَقَّدَة في الإنسان، فهي أوَّلاً تقوم بِدَوْرِ الرئتين لأنَّ رئتي الجنين مُعَطَّلَتان إذْ ليس في الرحِم هواء والجنين لا يتنفَّسُ إنما دمُ الجنين يذهب إلى بُحَيْراتٍ من الدَّم في المشيمة ويتبادل وإياها الأُكْسجين بِحَيْث يُعْطيها غاز الفحْم ويأخذ منها غاز الأُكْسجين، والإعْجاز في كُرياتِ دمِ الجنين التي لا تختلط بِكُرَيات دَمِ المشيمة التابِعَةِ للأمّ، لذلك فزمرة الأمّ تكون زمرة، وقد يكون ابنها له زمرة أُخْرى فهذه المشيمة تقوم بِدَوْر الرِّئَتين للجنين، ثمَّ إنَّ هذه الأشْعار الدَّمَوِيَّة وهذه الشرايين الدموِيَّة التي يُدْلي بها الجنين إلى المشيمة فيها أشْعار ماصَّة تمْتَصُّ الغِداء من المشيمة، فهي تقوم إذاً بِوَظيفة الجِهاز الهَضْمي فالمشيمة تُؤمِّنُ للجنين كلَّ أنواع الطعام والمواد الغذائية والسكريات والنشَوِيات وما إلى ذلك، فَهُوَ يأخذ حاجته من المشيمة عن طريق أشْعارٍ ماصَّة مُتَّصِلَة بِشَرايين الجنين، فالمشيمة تقوم بِدَوْر جِهاز الهَضْم للجنين، قال تعالى:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 ثمَّ إنَّ هذه المشيمة قد تأتيها الشُّحوم والدُّهون بِحَيْث لا تسْتطيع أن تصِلَ إلى شرايين الجنين، فالمشيمة تُحَوِّل بعض الدهون والشحوم إلى مُرَكَّباتٍ أبْسط، فالمشيمة تقوم بِدَوْر الكَبِدِ، كما تقوم هذه المشيمة بِدَوْر الطّحال فَهِي مُسْتَوْدع للغذاء والدم لِصالحِ الجنين، والمشيمة تُفْرِزُ بعض الهرْمونات المُتَعَلِّقَة في بُنْيَةِ الجنين، تَوْجيهُهُ نحو الذكورة والأُنوثة، والصِّفات الثانَوِيَّة والفرْعِيَّة، هذه كُلُّها تتوَلاها هُرمونات تُفْرِزُها المشيمة، فهذه القطعة التي يرْميها الناس في الأرض، مَنْ مِنْكم يُصَدِّق أَنَّها كائِنٌ مُعْجِز؟ رئتان ومعدة وأمْعاء، وغُدد صماء، وكبد وطحال، وغدة نُخامِيَّة تُفْرز هرمونات، لو دَقَّقْنا في خلق الله كيف تُصْبحُ هذه النطْفة إنْساناً سَوِياً هذا عند الإنسان وفي كُلِّ حيوانٍ، النِّظامُ مُوَحَّد، نظامُ التوالد والتكاثر والانقِسام والوِراثة في الخلايا مُوَحَّدة، فهذه الأنظمة لا يتَّسِعُ المقامُ لِشَرْحِهاَ مُفَصَّلةً ولكن يكْفينا قوله تعالى:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 لولا هذه الآية لما كنا نحن الآن، ولما جلسْنا في هذا المكان، ولما كان لنا أهل وأوْلاد، وهذه الآية لا يسْتقِلّ بها الإنسان فَحسْب بل النباتات والحيوانات فالله تعالى خلق فَسَوى وقَدَّر فَهَدى، وجعل الحياة مُسْتَمِرَّة، كيف جعلها مُسْتَمِرَّة؟ عن طريق هذا التكاثر، كُلُّ هذا إذا فَهِمْنا البلد الأرض وما فيها من حاجات، وإذا فَهِمْنا أنَّ البلد، هي البيت الحرام، وبيْتُ الله الذي اتَّخَذَهُ الله تعالى لِنَفسه بيتاً ودعانا لِزِيارته وأن نؤمَّهُ ونَحُجَّهُ، يكون قوله تعالى:

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

 فسيّدنا آدم وذُرِّيَتَهُ، وقال بعضهم الآخر: سيّدنا إبراهيم الذي بنى هذا البيت وذرِّيَّتُه، وقال بعضهم الآخر: سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم الذي هو سيّد البشر وذُرِّيَّتَهُ، فَلِمَ التنكير في هذه الآية، ووالدٍ وما ولد، وما قال: والوالد الذي ولد قال هذا تنْكير التعْظيم وتنْكير العجَب.

طبيعة الحياة مجْموعة صُعوبات وهذه لِحِكْمَة أرادها الله عز وجل :

 ثمّ قال تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 هناك كَبَد، وهذه حال أيْ خُلق الإنسان في مَشَقَّة، هناك حِكْمَةٌ بالغة وهي أنَّ الإنسان يكون في بادئ الأمر نُطفَةً تُلَقِّحُ بُوَيْضَة ينقسِمانِ في أُنبوب بين المِبْيَضِ والرحِم إلى عَشْرَة آلاف جُزَيْء، فهناك مَشَقَّة أن تعْلَقَ هذه النطْفة على جِدار الرَّحِم، وهذه مَشَقَّة وصُعوبة، وكثيراً ما تُسْقِطُ النِّساء، وهناك نِساءٌ لا تعْلق هذه النطْفة المُلَقَّحَة على جِدار الرَّحِم ولذلك تنْغَمِسُ فيه، وينْمو لها أرْجل لِكَيْ تمْتَصَّ الغِذاء، ويُنْصَحُ للمرأة في هذا الوقت الحَرِج بعد الحَمْل بِأيامٍ أنْ تعْتَنِيَ عِنايةً فائِقَةً بِحَرَكَتِها لِكي لا يسْقط الحَمْل، والوِلادة مَشَقَّة كبيرة، حَمَلَتْهُ وَهْناً على وَهْن، ووَضْعُهُ فيه صُعوبةٌ فائِقَة إذْ تتَحَرَّكُ عِظام الحَوْض، وتتنَبَّهُ عضلات الرَّحِم تنَبُّها دوْرِياً كي يخرج هذا الجنين من ضيق الرَّحِمِ إلى سَعَةِ الدنيا فلا بدّ من عِظامٍ تتَحَرَّك بِأوامر زَمَنِيَّة ولا بدَّ من برْمَجَةٍ لهذه العَمَلِيَّة فقبل يوْمَيْن ينْقلبُ الغُلام، وبعد يومٍ يتَّسِعُ عظْمُ الحَوْض، هُرْمونٌ يذْهب إلى الكبد لِيَطْرَحَ كَمِّياتٍ كبيرة من الدم في الشرايين، وهُرْمون آخر يصْنع الحليب، قَضِيَّةٌ لا نُحِبُّ أنْ ندخل في تفاصيلها قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 ينزل إلى الأرض فإذا به يبْكي، كيفَ أنَّهُ يسْتنشِقُ الهواء؟ وكيف سَيَتَناوَلُ الغِذاء؟ وكيف سَيَلْتَقِمُ الثَّدْي؟ وكيفَ سَيُخْرِجُ ما في أمْعائِهِ؟ وهكذا تبدأ الصُّعوبات في الجنين صُعوبَةً بعد صُعوبة:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 تنْتشر حرارته ويتغَيَّرُ مِزاجُهُ، ويتألَّم ويبْكي ويحارُ أهْلُهُ فيه، وإذا أراد أنْ يمْشي تلَقَّى صُعوباتٍ أُخْرى، فإذا كَبِر دخل المدْرسة فهُناك صُعوبات المدْرسة والتعلُّم والوظائِف والمُعَلِّم، فالصُّعوبات تُلاحق الإنسان منذ أن تلقَّحَ البُوَيْضَة بالحيوان المَنَوي إلى أن يموت، أذْكر أننا كُنا بِجَنازة فلما دخلْنا المقْبرة ما وَجَدْنا أين ندفنه! أزْمَة قُبور، فَربنا عز وجل قال:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 طبيعة الحياة مجْموعة صُعوبات وهذه لِحِكْمَة أرادها الله عز وجل، ولذلك إنَّ هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء ومنزل تَرَحٍ لا منزلُ فرَح، فَمَن عَرَفَها لم يفْرح لِرَخاء، ولم يحْزن لِشَقاء، قد جعلها الله دار بلْوى وجعل الآخرة دار عُقْبى، فَجَعَل بلاء الدنيا لعَطَاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلْوى الدنيا عِوَضاً، فَيَأخذ لِيُعْطي ويُعْطي لِيُجْزي، وأوْحى ربُّك إلى الدنيا أن تَكَبَّري وتَمَرَّري وتَضَيَّقي وتَشَدَّدي على أوْلِيائي حتى يُحَبوا لِقائي.

 

للآية التالية معنيان :

 

1 ـ طبيعة الحياة فيها مَشَقَّة لِحِكْمَةٍ بليغة أرادها الله وهي أنْ يُكْشَفَ الإنسان على حقيقته:

 المعنى الأول قال المُفَسِّرون: فيه تسْلِيَةٌ لِرَسول الله، ألم يُعانِ من كُفارِ قُرَيْش ومُعارَضَتِهم صلى الله عليه وسلم، وتآمُرِهِم وتكْذيبِهم إياهُ، وإخْراجِهِم إياهُ من مكَّة المُكَرَّمة، فَحينما عانى النبي صلى الله عليه وسلَّم ما عانى سلاهُ الله عز وجل وقال:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 فإذا أراد الإنسان أن يكون طبيباً، فَمَرْتَبَتُهُ الاجتماعِيَّة مقْبولة، يحْرص أكثر من ثلاثين عاماً، فَهَل بَقِيَ في حياته بِقَدْر ما مضى؟! متاعب الدِّراسة وشِراء الأجْهِزة، فالحياة مملوءَةٌ بالصُّعوبات، هذا إذا كان مُتَفَوّقاً في دِراسَتِهِ وعلى مُسْتوى عالٍ من الذكاء، وإن تَخَرَّج دخل في متاعب أُخْرى في عدم إيجاد العَمَل، فربنا عز وجل لِحِكْمَةٍ بالغة كما قال:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 جعلها مجموعةً من الصُّعوبات وجعل لِكُلِّ شيءٍ ثمناً، وجعلَ كسْبَ الحلال مُتْعِباً، قال عليه الصلاة والسلام:

(( من بات كلاً في طلب الحلال، بات مغْفوراً له))

[ابن عساكر عن المقدام بن معد يكرب]

 حِكْمَةٌ بالغة في جعْل الحياة صعْبة، وهذا الذي يتَزَوَّج، بعد الزواج إذا عاد إلى البيت ووجد حرارة ابنه مُرْتَفِعَة لا ينام الليل قلقاً على ابنه، يخْطُر في باله مرض عُضال، ويخْطُر في باله موتُ ابنه، إذاً مع أنَّ الطفل نِعْمَةٌ كبيرة إلا أنَّهُ يجْلبُ لأُمِّه وأبيه مجموعةً من المتاعب، وكذا بعد الزواج قد لا يكون وِفاقٌ بين الزوْجَيْن، وقد تكون الزوْجَة عنيدة، ولا يتلاءم طبْعُها مع طبْعِهِ، وقد تنشأ مُشاحنات فما حِكْمة ذلك؟ قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 كُلُّ أنواع السيارات بأنواعِها بالطريق المُنْحَدِر تنْطلقُ بِسُرْعة، ولكنّ بالطريق الصاعِد يُمْكنُكَ أن تعْرف السيارة الجيِّدَة من غير الجيِّدة، فلوْلا الطريق الصاعد لما عَرَفْتَ الجيِّدة من غيرها، ولذلك فصُعوبة الحياة تكْشف مَعْدن الإنسان، لولا الأزمات لما ظهر الحِلْم، فلا يظْهر الحِلْم إلا في الأَزْمات، وأما الصبر فكيف يكْشِفُ الله عز وجل عبْدَهُ الصبور من عبْدِهِ اللجوج؟ بِضائِقَة مُوَحَّدَة على الاثْنين.
 ذكر لي صاحِبُ مصْنع فقال: هل تعْرِفُ المِقْلاة التي يوضعُ فيها الزيْتُ الحامي؟ فقال لي: أنا جالسٌ فيها، إذْ لا توجد موادٌ في المعْمل ولا بدّ أنْ أدْفع أُجور العُمال والضرائب، والإنتاج أصبح زهيداً:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 هذه المتاعب كُلِّها من أجل أن نرْقى في الجنَّة، فلا جنَّة بلا متاعب، بها يظْهر يقينه بالله وصبْره وحِكْمته فهذا هو المعنى الأول.

 

2ـ خلق الله الإنسان بِحاجَةٍ إلى ملايين الأشْياء ووَفَّرَها له حتى تظْهر يدُ العِناية الإلهيَّة:

 المعنى الثاني أنَّ خلْقَ الإنسان بهذه الصُّعوبة وتوفير كُلِّ حاجاتِه، فلوْلا أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الحاجة وخلق ما يُلَبيها لما عَرَفْتَهُ، ولو أنّ الله عز وجل خلقنا كالخشب الأصم بلا أجْهزة فلا حاجة للطعام والشراب والنوم، أنت مُحْتاج للنوم فَخَلَقَ لك صوفاً وقُطْناً لِتنام عليه، وأنت مُحْتاجٌ للطعام فَخَلَقَ لك طعاماً وفواكه وثِماراً وحُبوباً وبقولاً، وأنت مُحْتاجٌ إلى سائِل تُحَلَّلُ فيه هذه المواد فَخَلَقَ الماء وجعله عذْباً فُراتاً، وأنت بِحاجَة إلى مواد قاسِيَة تصْنع بِها حاجاتِك فَخَلَقَ لك الحديد، وأنت بِحاجة إلى أرض تزْرَعُها فَتنبُت فَخَلَقَ لك التربة ولم يجْعلْها صخْراً، وخلق لك المواد النفْطِيَّة الخشب كي تُشْعِلَهُ فهو سبحانه خلق البرْد والطاقة والجوع والطعام والعطش والماء، ومن أجل الاسْتمرار خلق الذَّكَر والأُنْثى نِظامٌ مُتكامل، فالإنسان خُلِقَ بِحاجةٍ إلى أشْياء كثيرة، وكُلُّ هذه الحاجات وفَّرَها الله سبحانه وتعالى من أجل أنْ تعْرِفَهُ، فلولا أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق في هذا البلد الأرض كُلُّ حاجات الإنسان لكانت حياته شقاءً في شقاء، ولكنَّ هذا الشقاء تلاشى فهذا هو المعنى الثاني.

الإنسان كلما نظر إلى ضَعْفه ازداد قُوَّةً عند الله وكلما نظر إلى قُوَّتِه ازداد ضعْفاً عند الله:

 المعنى الأول هو أنَّ طبيعة الحياة فيها مَشَقَّة لِحِكْمَةٍ بليغة أرادها الله عز وجل وهي أنْ يُكْشَفَ الإنسان على حقيقته وأنْ يظهر الكريم واللئيم والحليم والشحيح، وكُلُّ هذه المعادن التي ينطوي عليها البشر إنما تنْكشِف لأن الإنسان خُلق في كبد ومشَقَّة، فالإنسان لو أراد أنْ يأكل وجْبَةً واحدة لاحتاج هذا إلى إعْداد وإلى ذهابٍ إلى السوق، وكذا إذا أردْتَ النُّزْهَة، أما المعنى الثاني فهو أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بِحاجَةٍ إلى ملايين الأشْياء، وهذه الأشياء كُلُّها وَفَّرَها له حتى تظْهر يدُ العِناية الإلهيَّة، وحتى يبْدُوَ للبشر أنَّ لهم خالقاً مُرَبِّياً عليماً خبيراً قديراً غَنِياً، والإنسان كلما كان أعْقَل نظر إلى ضَعْفِهِ وافْتِقاره إلى الله عز وجل بِكُلِّ شيء، فلو كُنْتَ مُدَرِّساً نقول لك: لو شُرِدْتَ الذاكرة لما بقيتَ في التدْريس ساعَةً، يُجامِلونك أسبوع ثمَّ يجْعلونك مُتقاعِداً إذا كان لك خمسٌ وعشرون سنة، فإذا كنت تكسبُ قوتك من التدْريس فلولا هذه الذاكرة التي منَّها الله عليك لما كنت كاسِباً لِقوتِك، وكذا لو كنت كبيراً، فهذه القُدْرات المُخَزَّنَة في ذاكرتك الله سبحانه وتعالى يسْتطيع أنْ يسلُبُها منك في ثانِيَة، هذه المُسْتَشْفَيات التي تمتلئ بأُناسٍ فَقَدوا عُقولَهم أَلَيْسوا بشراً؟‍ وهذا البيت الذي اشْتَرَيْتَهُ، والذي رَتَّبْتَهُ وأَحْسَنْتَ اخْتيار مَوْقِعِه، وفَرَشْتَهُ بأَجْمَلِ الأثاث، لو سَلَبَ الله لك عقْلَكَ لما أبْقاك أهْلُكَ في بيْتِكَ ساعَةً فَعَلامَ التكَبُّر؟‍ لو أن نقطْةً من الدم تَجَمَّدَتْ في بعْض شرايين الدِّماغ لَفَقَدْتَ الحَرَكة وأصْبَحْتَ عِبْئاً على الناس، هو مُحْتَرَمٌ بِقَدْر ما هو خفيف الظِلّ، جلس في الفراش وخدمهُ أهْلُهُ، واضْطَروا إلى أنْ يُنَظِّفوه في فِراشِه فبعد أُسْبوعٍ يبْدأ الملل، لي قريبٌ أُصيبَ بِالفالِج فكانت خِدْمَتُهُ في الأُسْبوع الأوَّل من أرْقى الخَدَمات! وفي الأُسْبوع الثاني تَململَ، وفي الأُسْبوع الثالث أصبح هناك غِياب عن البيت، يسْأل عن فُلان فإذا به ليس في البيت، وفي الأُسْبوع الرابع بدأ أوْلاده يغيبون عنه، فإذا أَفْقَدَ الله لك الحَرَكَة أو الذاكرة أو نِعْمة البَصَر والسَّمْع والتوازن، إذ هناك جِهازٌ مُعَقَّدٌ جداً في الأُذُن لو اخْتَلَّ لما اسْتَطَعْتَ المَشْيَ وَحْدَك:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 فالإنسان كلما نظر إلى ضَعْفه ازداد قُوَّةً عند الله، وكلما نظر إلى قُوَّتِه ازداد ضعْفاً عند الله.

اختلاف المؤمن عن غير المؤمن :

 ثمَّ قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾

 هنا يختلف المؤمن عن غير المؤمن، فالمؤمن يرى افْتِقاره الدائِم إلى الله عز وجل، ولا يعتز بِقُواه العَضَلِيَّة، إذْ يعلم أنَّ الله تعالى يستطيع أن يسْلبَها منه في ثانِيَة، ولا يعْتَز بحِدَّة بصره، ولا برهافة سمْعه ولا يتباهى بِذَكائِه، فكم من شخْصٍ عاد إلى بلده وهو يحمل شهادة الدكتوراه فإذا به يفْقِدُ عقْلَه ويُصبح في الطرقات! فالله سبحانه وتعالى قدير على أنْ يسلب صاحب الذكاء ذكاءه وصاحب القوّة قوَّته، ويستطيع أن يحرم هذا الإنسان كُلّ الطعام بمَرَضٍ عُضال في الأمعاء، فالإنسان تحت رحمة الله، وكُلُّ جِهازٍ من أجْهِزَتِهِ يعْمل بِقُدْرة الله فلو عَطَّل الله تعالى الأجْهزة تنْقلب حياة الإنسان جحيماً، والله جلسْتُ مع إنْسانٍ، شَعَرْتُ أنَّ له هُموماً لو وُزِّعَتْ على أهْل بلَدٍ لَكَفَتْهُم، فَكُلْيَتاهُ مُعَطَّلتان عن العمل، وعليه أنْ يذهب إلى المُستشفى مرَّتين كُلّ أُسبوع ويدفع المبالغ الطائلة، وينتظر دَوْرَهُ الساعات الطويلة، ويجْلس تحت الكُلْيَة الاصْطِناعِيَّة أربع أو خمْس ساعات، ولم يعد يحتمل!

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 فالإنسان لو دخل بيْت الخلاء وخرج، النبي الكريم كان يقول دعاء:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ))

[ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

 لو تعَطَّلَتْ هذه الكُلْيَة فما العمل؟! تصبح الحياةُ جحيماً، وكذا لو تعطَّلت بعض الأجهزة، فهذه الآية:

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾

 فالمُتَكَبِّر أحْمق، والمُعْتَدّ بِقُوَّتِهِ غَبِيّ، فمن أنت؟ مهما كان الإنسان عظيماً فقد يسْلِبُهُ الله شيئاً من صِحَّتِهِ فَيُصْبِحُ عاجِزاً، والقِصَّة المشْهورة وهي أنَّ أحد المُلوك سأل وزيرهُ وقد طلب كأس ماءٍ فقال له الوزير: يا أمير المؤمنين بِكَم تشْتري هذا الكأس لو مُنِعَ عنك، فقال الأمير: بِنِصْفِ ملكي، فقال الوزير: وإذا مُنِعَ إخْراجُهُ، فقال الأمير: بِنِصْف مُلْكيَ الآخر، فقال الوزير: إنَّ مُلْكَكَ يعْدِلُ هذا الكأس من الماء:

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾

الله قادرٌ علينا في الدنيا والآخرة وفي أيَّةِ لحْظةٍ من لَحَظاتِ حياتنا كيْ يُرِيناَ ضعْفنا :

 إذا كان تحت يَدِكَ غُلامٌ يعْمل في مَحَلِّكَ فلا تظْلِمْهُ ولا تسْتعْل عليه، ولا تسْتغِلّ حاجتك منه وتُخَوِّفَهُ بالطَّرْد، فعن أحد أصْحاب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يضْرب غُلامه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: اِعْلَم أبا ذرّ أنَّ الله أقْدر عليك منك عليه، فإذا كان لأحدنا زوْجة جيِّدة فلا يسْتعل عليها، فإن كانت بلا أهْل ومقْطوعة، فأقَلُّ كلمة تزعجها، وقد كان أحدهم يأتي دائِماً في الساعة الثانِيَة صباحاً، فقال له أهله: نحن أهْلك وأحق بالسَّهر معك، فقال لزوجته: اِفْتَحِي الدُّرْج وخُذي حاجاتك ومع السلامة!

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾

 أحْياناً المال يكون عَدواً للإنسان، وهو يُعْطي عظمة فارغة، وتضَخُّماً لا قيمة له، فالله قادرٌ عليك في الدنيا وفي الآخرة، وفي أيَّةِ لحْظةٍ من لَحَظاتِ حياتك، كيْ يُرِيَكَ ضعْفَكَ، وهذا الإنسان يقول:

﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ﴾

 أنا أقَمْتُ عُرْسي بالفُندق الفُلاني، ودَفَعْتُ ثمانين ألف ليرة، أنا أقمت حفْلَةً كَلَّفَتْني كذا. ربنا عز وجل قال:

﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ﴾

 فُلانٌ لا يَعُدُّ ماله ولكنَّهُ يزِنُها بالميزان.

الإنسان مرْزوقٌ من الله عز وجل إذ يسوق الناس إليه :

 ثمَّ قال تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾

 حينما جمع هذا المال، أليْسَ الله يراهُ كيف جمعَهُ ومن أين؟! بالكَذِب والحرام والغِشّ والربا والغصْب، ألا يعْلم أنَّ الله يراهُ بالمِرْصاد، وهناك معنى آخر أيَحْسَبُ الإنسان وقد جمع هذا المال أنْ لم يرهُ أحدُ، وأنَّ جمْعَهُ للمال تمَّ بِفَضْل الله، وتوْفيق الله ونِعْمته، كم من إنْسانٍ مُتَّقِدٍ ذكاءً ولا يمْلكُ قوتَ يومِهِ:

ولو كانت الأرزاق تجْري مع  الحِجا هَلَكْن إذاً مِن جهْلِهِنَّ البهائِمُ
* * *
 فالإنسان مرْزوقٌ من الله عز وجل، إذ يسوق الناس إليه، فلو أنَّهُ صَرَفَهُم عنه فماذا يفعل؟ يُغْلِقُ المحلّ ويضَعُهُ بِرَسْم التسْليم، فمن جعل الناس يُقْبِلون عليه؟! كسْبُ المال بِفَضْل الله، والشيءُ الآخر أنَّ الله تعالى يعْرف كيف كسِبْتَ هذا المال؟ فإذا قلتَ: أهْلَكْتُ مالاً لُبَداً فهذا كلام لا يقوله إلا الجاهلون، ولذلك إنْ أنْفَقُوهُ أنْفَقوهُ إسْرافاً وتَبْذيراً، وإنْ منعوه مَنعوه بُخْلاً وتقْتيراً، أحبُّ ثلاثاً وحُبي لِثلاث أشَدّ: أُحِبُّ الطائعين، وحُبي للشاب الطائع أشدّ، وأُحِبُّ المتواضِعين، وحُبي للأغنياء المُتواضِعين أشدّ، وأُحِبُّ الكُرماء، وحُبي للفقير الكريم أشدّ، وأبغضُ ثلاثاً وبُغْضي لِثلاث أشدّ؛ أبغض العُصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشدّ، وأبغض المُتَكَبِّرين، وبُغْضي للفقير المُتَكَبِّر أشَدّ، وأبْغضُ البُخلاء وبُغْضي للغني البخيل أشدُ، قال تعالى:

﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً *أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ﴾

 كيف جمع المال؟ وكيف أنْفَقَهُ؟ وبِأيِّ أُسْلوبٍ صار إليه؟ عن طريق الكذب أو الغِشّ أو الخِداع أو السرِقَة والاغْتِصاب.