الترغيب والترهيب - الدرس : 025 - كتاب الصلاة - الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها

1997-05-11

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أخطر الأعمال إيجاباً أو سلباً هي الأعمال التي تستمر بعد الموت :

 عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

 

(( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً كراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته ))

 

[رواه ابن ماجه واللفظ له وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي وإسناد ابن ماجة حسن والله أعلم ]


 أيها الأخوة ، العمر محدود ومهما طال ، الأعمال التي تتم في عمرك المحدود تنتهي عند الموت ، ولكن هناك أعمالاً لو أن الإنسان مات هي مستمرة بعد موته ، وهذا من فضل الله الكبير ، هناك أعمال لا تنقطع ، لو أن إنساناً بنى مسجداً ، أو ساهم في بناء مسجد ، أو أسس مسجداً ، أو حقق منافع لمسجد ، أو عمر مسجداً بوجوده ، وصلواته ، وذكره ، يعني أي شيء يتصل بالمسجد هذا عمل متصل بعد الموت .
  والعلماء قالوا : إن أخطر الأعمال إيجاباً أو سلباً هي التي تستمر بعد الموت فالذي أسس ملهى ، ومات ، وهذا الملهى قائم ، فيه كل المنكرات ، هذا كله في صحيفته بعد موته ، والذي أسس مسجداً بشكل أو بآخر ، بقسط أو بآخر ، بطريقة أو بأخرى ، أي له خدمات لمسجد ، هذا العمل لا ينتهي عند الموت بل يستمر بعد الموت .

 

أعظم عمل على الإطلاق أن تخلّف ولداً صالحاً يدعو إلى الله من بعدك :

 الحديث التالي من أجمع الأحاديث المتعلقة بالأعمال التي لا تنقطع بأعمال صاحبها ، وهو معروف عندكم جميعاً :

 

 

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له ))

 

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

أنا مرة حضرت تعزية لأحد علماء دمشق الأفاضل ، و التعزية كانت في الأموي ، فبعد أن قبل أهل المتوفى العزاء من أكثر الناس جرى احتفال ، فقام الخطباء واحداً تلو الآخر يثنون على المتوفى ، وعلى جهاده ، وعلى عمله ، وعلى خطبته ، ثم قام ابن المتوفى ، فألقى كلمة لفتت الأنظار ، لأن الأب قد  اعتنى به عناية كبيرة ، وكان من بين الحضور وزير الأوقاف ، فارتجل هذا القرار وأمر أن يكون ابنه مكانه في جامعه نفسه ، والله أنا بكيت ، قلت : معنى ذلك أنه لم يمت ، هذا الذي خلّف هذا الشاب ، يخطب مكان أبيه ، يدعو إلى الله ، وله سمت حسن ، ولغة فصحة ، وتربية عالية .
 إذاً الإنسان عندما يعتني بأولاده هذا عمل مستمر .

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 يبدو أن أعظم عمل على الإطلاق أن تخلف ولداً صالحاً يدعو إلى الله من بعدك ، وهذا يحتاج إلى جهد ، فالحديث الجامع المعروف عندكم :

 

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له ))

 

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

الإنسان البطل هو الذي يدع أثراً من بعد موته :

 أنا مرة أفتح تفسير القرطبي حول آية كريمة أذكرها :

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

 

( سورة فاطر الآية : 37 )

 الإمام القرطبي فسر هذه الآية تفسيراً جميلاً ، قال : هذا النذير هو القرآن الكريم ، وهذا النذير هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا النذير سن الربعين ، وهذا النذير سن الستين ، وهذا النذير اكتمال العقل ، وهذا النذير الشيب .

 

(( عبدي كبرت سنك وانحنى ظهرك وضعف بصرك وشاب شعرك فاستحِ مني فأنا أستحي منك ))

 

[ ورد في الأثر ]

 وهذا النذير المصائب ، وهذا النذير موت الأقارب ، أذكر أنني أخذت هذا التفسير وجعلت منه خطبة مفصلة ، وتركت أثراً طيباً ، ثم فكرت ، قلت : هذا الذي ألّف هذا التفسير هو الآن تحت أطباق الثرى ، لكن كتابه ينطق بعمله ، وهأنذا أخذت منه بعد ألف عام .
 إذاً الإنسان البطل هو الذي يدع أثراً من بعد موته ، علم ينتفع به .

 

خير الأعمال علم تنتفع به و تنشره في حياتك و يبقى أثره بعد مماتك :

 الإحياء ، الذي ليس عنده الإحياء ليس من الأحياء ، هكذا قالوا ، خذ الإحياء ودع اللحية .
 إذاً كتاب الإحياء من أعظم الكتب التي ألفها الإمام الغزالي ، درسه انقضى بموته ، لكن كتابه لم ينقضِ ، إما أن تؤلف القلوب وإما أن تؤلف الكتب ، أن تدع أثراً من بعدك ، جامع بنيته ، مستشفى أسستها ، دار أيتام عمرتها ، ولد صالح تركته ، علم ينتفع به ، كتاب علم ديني راج واستفاد الناس منه ، يقول عليه الصلاة والسلام :

 

 

(( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره ))

 

[أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

 علمه في حياته ، ونشره في حياته ، واستمر أثره بعد موته .
البارحة في درس السبت ، أردت أن أداعب طلابي مرة ، قلت لهم : من يذكر منكم اسم تاجر كبير عاش في الشام في عام 1875 وله مئة درجة ؟ فكر الطلاب جميعاً ، و لم يتكلم أحد بكلمة ، قلت لهم : وأنا مثلكم لا أعلم ، من منا لا يعرف أبا حنيفة ؟ الشافعي ؟ ابن حنبل ؟ سيدنا صلاح الدين ؟ سيدنا  عمر بن الخطاب ؟ ذكرت أسماء أعلام كلهم يعرفونهم ، هؤلاء تركوا أعمالاً جليلة بعد موتهم ، سيدنا صلاح الدين والله كلما مررت أمام قبره أشعر بقشعريرة ، أرسلت أوربا له سبعة و عشرين جيشاً ، وكل جيش قائده ملك ، وسيدنا صلاح الدين ردّ هؤلاء الجيوش ورفع رأس المسلمين عالياً إلى يوم القيامة .

 

القدوة قبل الدعوة والإحسان قبل البيان والترغيب قبل الترهيب :

 أخواننا الكرام ، رب الصحابة ربنا ، إلههم إلهنا ، الحياة هي هي ، الظروف هي هي ، بإمكانك أن تدع علماً ينتفع به بعد موتك ؟
 أقول لكم بصراحة : هناك شيء متاح لنا جميعاً ، ولا يوجد عليه إشكال إطلاقاً ، أن تتعلم وأن تعلم ، والله عز وجل سمى هذا جهاداً كبيراً ، قال :

 

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

 

( سورة الفرقان )

والهاء هنا به تعود على القرآن الكريم ، الإنسان إذا طلب العلم ، وإذا علم العلم وإذا ساهم في هداية الناس ، العمل يحتاج إلى صبر ، وإلى هدوء ، وإلى نفس طويل ، هناك إنسان لا يوجد حوله أشخاص ، بشر حوله بشر ، الكلمة الطيبة صدقة ، الزيارة صدقة ، المتابعة ، التفقد ، الإحسان ، الهدية ، هؤلاء  الذين حولك لهم عليك حق ، ولك إليهم سبيل ، تفتح قلوبهم بالإحسان ، و تسكتهم بالقدوة ، أما بالكلام لا تسكتهم ، القدوة قبل الدعوة ، والإحسان قبل البيان ، والترغيب قبل الترهيب .
الإنسان لا يعلم ، أحياناً الإنسان يستغرب ، شركة من شركات السيارات ، فائضها النقدي قبل عامين ألف مليون دولار ، و هي شركة عادية بألمانيا ، عندها فائض نقدي ، غير مستثمر ، ليس له وجه للاستثمار ، إذا إنسان يملك هذه الشركة أيعد فقيراً ؟ لو ملك كل شركات السيارات الكبرى ، لو ملك كل شركات الطائرات الكبرى ، وثمن الطائرة ثلاثمئة أو أربعمئة مليون ، تصنع في ثمان و أربعين ساعة ، لو أنك تملك هذه الشركة كم هو حجمك المالي ؟ .
 النبي لا ينطق عن الهوى ، وكلامه حق :

(( يا علي لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))

[أخرجه الحاكم عن أبي رافع ]


 لك مشاهدة ، يجب أن تسعى ، تجمعه مع أهل العلم ، تعطيه شريطاً ينصحه ، تنقل له درساً ، تخدمه ، تزوره ، تتفقده ، تتصل به هاتفياً ، حتى يشعر بالعطف ، و يشعر بالاهتمام .

 

أعظم عمل على الإطلاق أن يسمح الله لك بهداية إنسان :

 أنا الذي أراه أن أعظم عمل على الإطلاق أن يسمح الله لك بهداية إنسان ، فكيف إذا كان أكثر من مسلم ، النبي عليه الصلاة والسلام كل من اهتدى إلى الله من آدم إلى يوم القيامة في صحيفته .

 

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

 

( سورة الأنبياء )

 للآية تفسير طويل ، أنه كيف يهتدي به من أتى قبله ؟ لأن الأنبياء صلوا وراءه وارتقوا بأممهم ، وكل من عرف الله ، وكل من أسلم وجهه لله في صحيفة رسول الله ، الله إذا أعطى أدهش ، عطاء الدنيا ليس بعطاء ، هذه الدنيا لأنها تنتهي بالموت ليست عطاء ، الله عز وجل يعطي المال لمن لا يحب ، أعطاه لقارون ، يعطي الملك لمن لا يحب ، أعطاه لفرعون ، ولمن يحب ، أعطاه لسليمان ، أعطاه لعبد الرحمن بن عوف ، لكن ليس مقياساً ، لا عطاءً ولا منعاً .

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

 

( سورة القصص )

نشر العلم يمتد إلى ما بعد الموت :

 الحديث الجامع :

 

(( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً تركه أو مسجداً بناه ))

 

[أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

 يخطر في بالي أحياناً الإمام النووي ، ترك رياض الصالحين من أبرك كتب الأحاديث على الإطلاق ، كتاب فيه أحاديث صحيحة مختارة من موضوعات رائعة ، و هذا المنذري ترك الترغيب والترهيب ، هؤلاء العلماء الذي تركوا هذه الآثار ، الأذكار للنووي ، الذين ألفوا كتب الفقه ، الذين ألفوا كتب السيرة ، الذين فسروا كتاب الله ، وقد نجحوا في أعمالهم فراجت مؤلفاتهم بعد موتهم ، وهي مراجع الآن .
  مرة كنت في استنبول دخلت إلى معهد شرعي ، دخلنا إلى غرفة أحد المدرسين بالمعهد الشرعي ، نظرت فوجدت كتب البخاري ، ومسلم ، والقرطبي ، وتفاسير أخرى ، أينما ذهبت هناك مرجع ، فسلمت عليه ، ورحب بي باللغة العربية ، ثم قال لي : أنا أحضر خطبك لخمس سنوات وأنا في دمشق ، سبحان الله ! شعرت بسعادة كبيرة ، أن هذا العلم الذي يُنشر في المدينة أنا لي نصيب منه في نشره .
 الإنسان عندما يتكلم كلمة الحق لا يدري أين تنتهي هذه الكلمة .

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾

( سورة المائدة الآية : 32 )

خير البلاد مساجدها و شرها أسواقها :

 فلذلك أيها الأخوة ، يجب ألا ننام الليل ، ليس قصدي ألا ننام الليل ، لكن قصدي أن الإنسان يسعى سعياً حثيثاً ، يترك أثراً بعد موته ، إن اعتنى بأولاده هذا باب ، إن اعتنى بإخوانه باب آخر ، إن ترك علماً ينتفع به باب ثالث ، إن بنى مسجداً باب رابع .
 هناك إنسان يتكلم ، وهناك إنسان عمّر مسجداً ، ما قيمة الكلام بلا مسجد ؟ لا يوجد كلام بلا مسجد ، هذا المكان الذي جمعنا ، هذا المكان الذي فيه كل وسائل الراحة ، هؤلاء الذين ساهموا في بنائه ، وفي تأسيسه ، وفي تأمين إنارته .
 مرة النبي عليه الصلاة والسلام في أحد الصحابة اسمه تميم الداري ، كان في الشام ، اشترى قناديل جميلة جداً ، قناديل تربط في السقف بحبال ، جاء بها إلى المدينة وعلق هذه القناديل في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وأشعلها بعد أن علقها ، فدخل النبي فوجد المسجد منور ، قال : من فعل  هذا ؟ قالوا : تميم ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : نور الله قلبك يا تميم ، لقد نورت الإسلام ، لو أن عندي بنتاً لزوجتك ، فقال له أحد الصحابة : أنا عندي بنت سأعطيها له ، طبعاً تزوج بنت أحد الصحابة .
هذا بيت الله ، النبي قال :

 

(( خير البلاد مساجدها ))

 

[ورد في الأثر]

 وقال :

 

(( شَرُّ الْبِلَادِ الْأَسْوَاقُ ))

 

[ حديث حسن أخرجه الإمام أحمد]

 تجد أسواقاً جميلة جداً ، البضائع معروضة بأبهى حلية ، تأتي امرأة مع زوجها اشترِ لي هذا الثوب ، فإن كان لا يملك ثمنه تشاجروا و علا صوتهم ، عرض الحاجات بشكل مغرٍ وأسعارها غالية ، أربعة أخماس الناس دخلهم محدود إذا مروا بالأسواق يحترق قلبهم ، شيء جميل ، كله جميل لكن لا يوجد نقود ، أما إذا الإنسان جاء للمسجد هو وزوجته يخرجون متفاهمين أكثر ، يزدادون محبة ، سمعت ماذا تكلم الشيخ ؟ يتعاطفون ، أما بالأسواق يتشاجرون .

 

الغنى بالإسلام هو إنفاق المال في سبيل نشر الحق :

 كل إنسان له عمل بمسجد ، ببنائه ، بتأسيسه ، بكسوته ، بتحسين مرافقه ، بتكبير الصوت ، بإنارته ، بالتدريس فيه ، أي عمل وكلنا عند الله سواء ، كلنا عند الله أعضاء بأسرة واحدة ، أنا من أنصار عدم التفرقة ، الذي بذل جهداً كبيراً في إنشاء مسجد هو له أجر لا يقل عن الذي يتكلم به ، لأن إعمار المسجد ببنائه ، وإعماره بالتدريس ، وإعماره بالصلاة فيه ، فكل واحد عضو بأسرة ، وكل واحد له نصيب ، وله أجر .
أحياناً الإنسان بأفق ضيق يظن أن الله له وحده ، يظن الجنة فقط له ، الله والجنة لكل الناس ، لكل المؤمنين ، كل واحد بحسب أخلاقه ، بحسب بيته ، هذا يبذل ماله ، النبي قال :

 

 

(( لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 انظر إلى هذا الحديث :

 

(( رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 ليس أقل منه أبداً ، هذا أعطاه الله مالاً ، كنت مرة بتركيا ، سمعت أن رجلاً من كبار أغنياء تركيا قدم ثلاثمئة مليون دولار للدعوة إلى الله ، كان أحد علماء الشام هناك أراد أن يتعرف إليه ، قال : والله أتمنى أن أراه ، ففي اليوم التالي دُعوا إلى طعام الفطور ، جلس هذا العالم الذي من دمشق ينتظر هذا الذي قدم ثلاثمئة مليون دولار ، انتظر ساعة ، فسألهم أين هو ؟ فقالوا له : جاء قبلك ، هذا هو جالس هناك ، من شدة تواضعه وإنابته ما عرفه .

 

(( رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]

الأعمال الصالحة لا تعد و لا تحصى :

 أنا لا أتصور غنى بالإسلام إلا بقصد إنفاق المال في سبيل نشر الحق ، وإلا لا معنى للدين ، فاستماع الإنسان بالمال محدود ، الذي معه ألف مليون ، ماذا يأكل ؟ وجبة محدودة ، على كم سرير ينام ؟ كم رداء يرتدي ؟ واحد ، القدرة على الاستمتاع بالمال محدودة مهما كنت غنياً ، أما حينما تنفق هذا المال في نشر الحق هذا هو الغنى .
 أنا سمعت عن رجل بمصر غني جداً ، أمواله كلها أنفقها في تأسيس معاهد أزهرية في ريف مصر ، كل قرية تقدم أرضاً يبني عليها مسجداً ومعهداً ، طبعاً هو لا يزال حي يرزق لم يمت بعد ، لكن أنفق كل ماله في سبيل نشر الحق .
 وإذا أردت أن تبحث عن أعمال صالحة والله هناك أعمال لا تعد ولا تحصى ، ويقع في مقدمتها رعاية طلاب العلم ، ما أكثر طلاب العلم في الشام ، وما أشد حاجتهم إلى المال ، وإلى الرعاية ، وإلى المساكن .
 البارحة مشيت مع طالب علم ، غرفة بخمسة آلاف في الشهر ، ليس معه أجرتها هو وطالب ثانٍ ، طالبان لا يملكان من الدنيا شيئاً ، غرفة يأويا إليها خمسة آلاف في الشهر ، إذاً هناك بيوت تقدم لطلاب العلم كل ما يحتاجونه ، هناك من يقدم لهم الطعام ، والكساء ، والرعاية ، هذا موفد سيتعلم العلم وسيعود إلى بلده داعية ، أو خطيباً ، أو إماماً ، وما شاكل ذلك .
 نعيد قراء الحديث :

 

(( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً كراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته ))

 

[ رواه ابن ماجه واللفظ له وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي وإسناد ابن ماجة حسن عن أبي هريرة ]