الترغيب والترهيب - الدرس : 022 - كتاب الطهارة - الترغيب في الوضوء وإسباغه

1997-04-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الطهور شطر الإيمان:

 عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( الطُّهور شَطْرُ الإيمان والحمدُ لله تملأُ الميزان وسبحانَ الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاةُ نور والصدقةُ بُرْهَان والصبرُ ضِياء والقرآنُ حُجَّة لكَ أو عليكَ كلُّ الناس يغدو، فبائع نَفْسَهُ فمعتقُها أو مُوبِقها ))

 

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري ]

 أيها الأخوة الكرام، الطهور شطر الإيمان.
 هناك كلمات في اللغة تسمى المشترك اللفظي، المشترك اللفظي كلمة تتسع معانيها فتشمل حالات كثيرة، فإذا قلت الطهور المادي، أي أن الإنسان طاهر البدن، هذا الطهور مما تعنيه هذه الكلمة.
 الآن طاهر القلب، قلب سليم، من الغيبة، والحقد، والغش، والكبر، والاستعلاء، والأنانية، أيضاً هذا المعنى تشمله هذه الكلمة.
 نفس طاهرة من الشرك، والشك، أيضاً هذا المعنى تشمله هذه الكلمة.

 

للإسلام شطر سلبي هو الطهور وشطر إيجابي هو العمل الصالح:

 إذاً: الإسلام تخلية وتحلية، تطهير وتعطير، استقامة وعمل صالح، هناك جانب سلبي، وجانب إيجابي، الجانب السلبي ابتعاد المسلم عن كل خطيئة، الجانب الإيجابي العطاء، العمل الصالح.

 

 

(( الطُّهور شَطْرُ الإيمان ))

 

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري ] 

 معنى ذلك أن تطهير النفس من كل خطيئة، وتحليتها بالكمال الإنساني، إذا الإنسان اكتفى أنه قال: أنا لا أكذب، لا أسرق، لا أفعل هذه المعاصي، نقول: هذا شطر الإيمان، أما شطره الثاني أن تقول: ماذا فعلت ؟ ماذا قدمت ؟ بأي شيء ضحيت ؟ ما العمل الذي تقدمه بين يدي الله عز وجل ؟
 فالإسلام كما قلت لكم شطر سلبي، وهو الطهور، وشطر إيجابي وهو العمل الصالح، شطر فيه امتناع عن فعل المنكرات، وشطر فيه بذل وتضحية، بعض العلماء عبر عن هذا بالتطهير والتعطير، بالتخلية والتحلية، بالاستقامة والعمل الصالح.
 ما الذي يحدث أحياناً ؟ عمل صالح مبني على سلوك غير مستوٍ، غير سليم، هذا العمل الصالح إذا بني على انحراف في السلوك لا تستطيع أن تستغله أعلى استغلال، العمل الصالح لا تستطيع أن تقطف ثماره إلا إذا بني على استقامة، هناك أناس كثيرون، لهم أعمال طيبة ليس هناك انضباط في سلوكهم، لا يستطيع أن يقبل على الله عز وجل من خلال هذا العمل الصالح، لأن الانحراف، والتقصير، والاختلاط، والمصافحة، والكذب، والغيبة والنميمة، هذه تحول بينك وبين الاتصال بالله.

 

معرفة الله عز وجل طريق الإنسان إلى الاستقامة و العمل الصالح:

 إذاً يمكن أن نقول: الطهور شطر الإيمان، والعمل الصالح شطره الآخر، وكلاهما شطر لازم غير كافٍ، لا يقبل منك أن تكون مستقيماً بلا عمل صالح، ولا أن يكون لك عمل صالح دون أن تكون مستقيماً، الاستقامة تطهير الطريق إلى الله من العقبات، والعمل الصالح تحرك في هذا الطريق.

 

 

(( والحمدُ لله تملأُ الميزان ))

 

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري ]

 ما دام الأمر كله بيد الله، ما دام ربنا جلّ جلاله قيوم السماوات والأرض، مادام الله قادراً على كل شيء، ما دام كل شيء يعود إليه، إذاً لمجرد أن تحمد الله عز وجل فالله عز وجل يعطيك ما تتمنى، فميزان الحسنات متى يمتلئ ؟ إذا عرفت الله، وعرفت أنه رحمن رحيم، وعرفت أنه يحمد على كل شيء.

 

من حمد الله عز وجل أعطاه فوق ما يتمنى:

 قلت لكم من قبل: أحياناً الإنسان يجد تقنيناً في مواد قليلة، هناك تنافس على حطام الدنيا، أمطار قليلة، إنتاج زراعي قليل مثلاً، هذا التقنين كله تقنين تأديب، لا تقنين عجز، الإنسان إذا قنن يقنن تقنين عجز.
 الملخص لا بدّ من أن تصل إلى أن الله سبحانه وتعالى يحمد على كل شيء.

 

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

 

( سورة البقرة )

 فكر قليلاً ما دام الأمر كله بيد الله، إذاً العطاء عين المنع، والمنع عين العطاء، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.
 إنسان حاقد، إنسان يحار في أفعال الله عز وجل، إنسان يشعر بظلم شديد، إنسان يرى هذه الفروق الكبيرة بين مستويات الناس، يقول: ماذا أقول ؟ هذا لم يعرف الله بعد، لا تعرف الله عز وجل إلا إذا حمدته على كل أفعاله، هذا شيء أساسي، تجد شخصاً يصلي لكن عنده حيرة، عنده نقمة أحياناً، يرى المآسي، والأمراض، والحروب، والقهر الاجتماعي، والظلم، هذا ينبغي أن يفسر تفسيراً يليق بكمال الله عز وجل.

 

أصل الدين أن يسبح الإنسان في كمال الله و يمجده و يعظمه:

 آية البارحة التي قلت فيها:

 

 

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 

( سورة الأنعام )

 أنا أتمنى على كل أخ ألا يروي قصة إلا إذا عرف كل فصولها، و إلا يقع في ورطة شديدة، كأنه يشير إلى ظلم الله عز وجل، قصة لا تعرف كل فصولها لا تسهم في روايتها، إنك ترويها وتوقع الناس في حيرة، وأحياناً الشيطان من دون أن نشعر يدفعنا إلى أن نروي قصة يبدو فيها ظلم شديد، أو قهر شديد، أو إنسان على استقامته دمره الله، وإنسان على فجوره قواه الله عز وجل، تعمل إرباكاً.

 

(( والحمدُ لله تملأُ الميزان ))

 إذا أنت حمدت الله عز وجل انطلقت إلى العمل الصالح، أما إذا لم يكن هناك حمد لله ترتبك أنت، ماذا تفعل ؟

 

 

(( والحمدُ لله تملأُ الميزان وسبحانَ الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض ))

 

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري ]

 هو أصل الدين أن تسبح في كمال الله، والتسبيح كما أقول لكم دائماً: هو التنزيه عن كل ما لا يليق بكمال الله، والتمجيد والخضوع لله عز وجل.

 

(( والحمدُ لله ))

 

 أن ترى أن الفعل كله بيد الله، وثانياً: أن النعم كلها من الله، وثالثاً: أن يمتلئ قلبك امتناناً بنعم الله، ورابعاً: أن يكون عملك في خدمة خلق الله.
 فأن تعرف أن الأمر بيده، وأن تعزو النعمة إليه، وأن تعمل عملاً تعبر عن شكرك لله عز وجل.

 المؤمن باتصاله بالله يرى الحق حقاً فيتبعه والباطل باطلاً فيجتنبه:

(( والصلاةُ نور ))

 طبعاً هذا الحديث تؤكده آيات كثيرة، من هذه الآيات:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 28 )

            فالمؤمن باتصاله بالله يرى الحق حقاً والباطل باطلاً، يرى الحق حقاً فيتبعه، والباطل باطلاً فيجتنبه.
والحقيقة حركتك في الحياة أساسها رؤيا، إن رأيت الحقيقة سعيت إليها.
 الآن المجرم لماذا يرتكب الجريمة ؟ لأنه رأى أن الجريمة أقصر طريق إلى ما يبتغي، غفل عن أنه سوف يلقى القبض عليه وسوف يعدم.
 أخطر ما في الحياة أن تكون خاطئ الرؤيا، الذي يأكل المال الحرام ماذا يرى ؟ أنه كسب مكسباً كبيراً، الذي يظلم الناس ماذا يرى ؟ أنه علا في الأرض، كل الأعمال الشريرة أساسها رؤيا مغلوطة، أساسها عمل في القلب، فإن صحت رؤيتك صحّ عملك، وصحة الرؤيا أساسها الاتصال عز وجل، الصلاة نور، هناك أعمال لا تعبر عن صدق إيمانك، إلا أن تناقض العمل مع طبعك يعبر عن صدق إيمانك، الإنسان طبعه أن يأخذ المال، فإذا أنفقه عبّر عن صدق إيمانه.

(( والصدقةُ بُرْهَان ))

 هناك أعمال تتوافق مع طبع الإنسان، يقول لك: الزواج سنة، صح، أما الزواج محبب.
 إنفاق المال غير محبب، المحبب قبض المال، غض البصر غير محبب، المحبب إطلاق البصر، فالإنسان حينما يفعل شيئاً خلاف طبعه يرقى، من هذه الأشياء التي يفعلها خلاف طبعه الصدقة

(( والصدقةُ بُرْهَان ))

 كتاب الله عز وجل حجة لنا أو حجة علينا:

 

(( والصبرُ ضِياء ))

 كما قال عليه الصلاة والسلام: الصادق له عند الله درجة، إنسان جاءه مكروه القضاء فصبر، حينما يصبر يشعر أن الله يحبه إن تحمل هذا في سبيل الله.

 

 

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

 

( سورة الزمر )

(( والقرآنُ حُجَّة لكَ أو عليكَ ))

 الإنسان يقرأ القرآن قد يقرأ آية ويخالفها، قد يقرأ آية ولا يطبقها، قد يقرأ قصة و لا يتعظ بها، قد يمر على آية كونية و لا يعظمها، في هذه الحالة صار القرآن حجة عليه، أما أن يكون حجة له إذا طبق أحكام القرآن.
 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

 

[ورد في الأثر]

(( مَا آمَنَ بالقرآنِ مَن استحلَّ مَحَارِمَهُ ))

[أخرجه الترمذي عن صهيب الرومي ]

 دائماً وأبداً كتاب الله عز وجل حجة لنا أو علينا، حجة بين أيدينا، أو حجة ندان بها يوم القيامة.

 

الإنسان رهين عمله:

 

(( كلُّ الناس يغدو ))

 أي غدا يغدو إلى عمله مبكراً، وراح أي عاد إلى بيته متأخراً، الغدو والرواح نحن نظن أن راح أي ذهب من البيت، راح: عاد إلى البيت، لو شخص طرق الباب، وسأل ابنه الذي فتح له الباب، والدك موجود ؟ فيقول له: والله راح، قال له: سلم عليه، ماذا قال الابن ؟ راح أي أتى، كلمة راح تعني أتى، غدا وراح.

 

(( كلُّ الناس يغدو فبائع نَفْسَهُ فمعتقُها أو مُوبِقها ))


 أي أنت رهين عملك.

 

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴾

 

( سورة المدثر )

 أنت رهين عملك، فإذا كان عملك طيباً، أعتقت نفسك من النار، وإذا عملك سيئاً ـ لا سمح الله ـ جعلتها رهينة لك.

 

الإخلاص أساس أي عمل يفعله الإنسان:

 

(( كلُّ الناس يغدو فبائع نَفْسَهُ فمعتقُها أو مُوبِقها ))

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري ]

 أيها الأخوة، هذا الحديث الشريف من الأحاديث الجامعة المانعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إني قد أوتيت جوامع الكلم ))

 

[أخرجه أبو يعلى عن عمر بن الخطاب ]

 فالصدقة برهان، أحياناً الإنسان يشك في صدق إيمانه، إن دفع الصدقة ولم تعلم شماله ما أنفقت يمينه هذه الصدقة برهان له على أنه مؤمن ورب الكعبة، أما هناك أعمال يفعلها أمام الناس، ربما افتخر بها، ربما جاء الشيطان وقال له: فعلت ليقال عنك كذا، وأخطر ما في الموضوع أنه يوم القيامة يقول:  يا رب تعلمت العلم في سبيلك وعلمته، يقال له: كذبت، تعلمت العلم ليقال عالم وقد قيل، خذوه إلى النار.
 العالم، والقارئ، والمجاهد، هذه الأنواع الثلاثة قد تنتهي بصاحبها إلى النار من دون إخلاص.

 

شعور الإنسان أنه واحد من مجموع شعور يعينه على طاعة الله:

 وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

 

(( إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلاً ))

 

[ مسند أبي يعلى عن علي بن أبي طالب]

(( إسباغ الوضوء في المكاره ))

[ مسند أبي يعلى عن علي بن أبي طالب]

 أحياناً يكون الماء بادراً، والبرد شديد، فإذا توضأ الإنسان توضأ وضوءاً سريعاً، أي لا يبلغ الماء إلى كل أعضائه، هذا الوضوء أقل درجة من إسباغه أن تدلك أعضاءك، وأن يصل الماء إلى كل أطراف الأعضاء، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد ))

 

[ مسند أبي يعلى عن علي بن أبي طالب]

 هناك إنسان بعيد عن المساجد، والمساجد بيوت الله عز وجل، الإنسان يصلي في بيته، لكن الصلاة في المسجد غير صلاة البيت، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

 

[ورد في الأثر]


 كلمة جماعة أنت ارتبطت بمسجد، ارتبطت بإخوة كرام، الجماعة لها روح، يجوز أنه قد نام الساعة الثالثة، لكن كونه ألزم نفسه أن يصلي الفجر في جماعة، هذا يدفعه إلى أن ينهض في فراشه، شعورك أنك أنت واحد من مجموع، ولا بدّ من أن تكون معهم، وأن تأنس بهم، هذا شعور يعين على طاعة الله.

 

الصلاة عماد الدين و غرة الطاعات:

 لذلك:

 

 

(( يَدُ اللهِ مع الجماعةِ ))

 

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

(( عليكم بالجماعةِ وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد وهو من الاثنين أبعدُ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ]

(( فإنما يأكلُ الذِّئبُ من الغنم القاصية ))

[أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي الدرداء]

(( وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلاً ))

[ مسند أبي يعلى عن علي بن أبي طالب]

 تقول السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان إذا حضرت الصلات كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه "
 من شدة اهتمامه بالصلاة، والصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته كلها.

 

(( وجُعِل قُرَّةُ عَيْني في الصلاة ))

 

[أخرجه النسائي عن أنس بن مالك]

 ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد ترك الدين، والصلاة غرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات.

 

(( إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلاً ))

 

[ مسند أبي يعلى عن علي بن أبي طالب]