الدرس: حوار الأديان في جامعة بلنسية.

2010-02-28

على الإنسان أن يبحث عن المشترك بين الأديان:


أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة من جامعة بلنسيا، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم.
أعتقد اعتقاداً جازماً أن الإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان، وينبغي أن نفرق بين حقيقة الدين وبين سلوك أتباعه، وحقيقة الدين تؤخذ من أصوله لا من أخطاء أتباعه.
إذا التف الأولاد حول أبيهم يتحابون، ويتعاونون، وإذا ابتعدوا عن أبيهم يتقاتلون، وأنا أعتقد ثانياً جازماً أن الخلافات بين الأديان هي خلافات سياسية وليست خلافات دينية، لأن هذه الأديان تصدر من مشكاة واحدة، وإذا انطلقت الفروع من أصل واحد فهي متطابقة فيما بينها، والبطولة أن نبحث عن المشترك بين الأديان، فالإنسان أي إنسان له عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك
غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، وبطولة الإنسان أن يغذي عقله بالحقائق لا بالأوهام، وبطولة الإنسان أن يغذي قلبه بالحب الذي يسمو به، والحب الذي يسمو به هو حب الله عز وجل، وحب عباده جميعاً، وأنا أعتقد ثالثاً جازماً أن الستة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض يشتركون جميعاً بأنهم حريصون على سلامتهم، حريصون على سلامة وجودهم، وعلى كمال وجودهم، حريصون على سلامة وجودهم، وعلى كمال وجودهم، وعلى استمرار وجودهم، وهذه تتحقق بالعلم، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم، فقد جهل.

من آيات الله الدالة على عظمته:

1 ـ البعوضة:


سلامة وجود الإنسان في تطبيق تعليمات الصانع، فإذا انطلق الإنسان من حبه لذاته وأنانيته يطيع خالقه، وكمال وجود الإنسان أن يتصل بخالقه، لأن الله أصل الجمال، والكمال، والنوال، وأساس استمرار الإنسان بتربية أولاده، أعتقد جازماً رابعاً أننا إذا عرفنا الخالق والآمر تفانينا في طاعته، فإذا عرفنا الأمر ولم نعرف الآمر تفننا في معصيته، نعرف الخالق من خلقه، أحقر مخلوق في حياتنا البعوضة، البعوضة بعد أن اكتشف المجهر الإلكتروني الذي يكبر الشيء خمسمئة ألف مرة، وجدوا أن في رأس البعوضة مئة عين، وفي فمها ثمانية وأربعون سناً، وفي قلبها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، وتملك البعوضة جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهاز استقبال حراري، حساسيته واحد على ألف من الدرجة المئوية، بهذا الجهاز ترى الأشياء لا بأشكالها، ولا بأحجامها، ولا بألوانها، ولكن ترى الأشياء بحرارتها، تملك جهاز تحليل للدم، فما كل دم يناسبها، ينام أخوان على سرير واحد، يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض، ويستيقظ الثاني سليماً معافى لم يصب بشيء، تملك جهاز تمييع للدم، لأن دم الإنسان سمج لا يسري بخرطومها، وتملك جهاز تخدير، بعد انتهاء فعل التخدير يشعر الإنسان بالألم فيضربها ليقتلها، وهي في سقف الغرفة تضحك عليه، في خرطومها ست سكاكين، وفي أرجلها مخالب ومحاجم، هذا الإله الذي خلق البعوضة هكذا يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ أيتقاتل عباده؟

2 ـ المجرات:

شيء دقيق جداً انتقلنا من البعوضة إلى السماء، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كم، في الدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرين، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمس وستين، أربع سنوات ضرب أربع، هذه المسافة بالكيلو مترات بيننا وبين أقرب نجم ملتهب، لو أردنا أن نصل إليها بسيارة فورد لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، خمسون مليون عام من أجل أن نقطع أربع سنوات ضوئية، بعد الأرض عن نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية، بعد الأرض عن مجرة المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، بعد الأرض عن أحدث مجرة مكتشفة أربعة وعشرون ألف مليون سنة، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ أنقتل عباده؟ فالإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله.

3 ـ الأبراج و الكواكب:


آية ثالثة فقط وأنتقل إلى موضوع آخر لأنه من تكلم أولاً يتكلم كثيراً، ومن يتكلم آخر ينبغي أن يتكلم قليلاً، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، الآن في برج العقرب نجم صغير اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، قال تعالى في القرآن الكريم:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

ويقول رسول الإسلام:

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن أنس ]

أخيه في الإنسانية، ويقول رسول الإسلام:

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله))

[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ]

فِهم حقيقة الدين تجمعنا و التعلق بمكاسبه الدنيوية تفرقنا:


سافرت إلى جنوب السودان، عقب حرب أهلية دامت أربعين عاماً، رأيت أطفالاً جياعاً عراة، ثم التقيت مع رئيس الجمهورية، فقلت له: والله لو جاءني خاطر أن هؤلاء الصغار مسلمون أم مسيحيون لاحتقرت نفسي، إنهم عباد الله، فهم حقيقة الدين تجمعنا، و التعلق بمكاسبه الدنيوية تفرقنا، الآخرة تجمعنا والدنيا تفرقنا، القيم تجمعنا والمصالح تفرقنا، والحل الأوحد أن نعود جميعاً إلى ربنا، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماء والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، أما رجال الدين الذين يتاجرون بالدين، ويحققون من خلاله الدنيا فقد قال عنهم بعض الشعراء:

ثلاثة رابعهم إبليس الشيخ والحاخام والقديس
***