الترغيب والترهيب - الدرس : 009 - كتاب العلم - الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين -2

1997-03-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العالم والعابد:

 أيها الأخوة الكرام:

 

(( ذُكِرَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم فقال عليه الصلاة والسلام فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم ))

 

[الترمذي عن أبي أمامة]

 هو سيد الخلق، هو في قمة المجتمع البشري، هو في قمة ولد آدم، وانظر إلى أدنى إنسان في الأرض، المسافة بين رسول الله وبين أدنى إنسان هي المسافة نفسها بين العالم والعابد، كل إنسان طبق أوامر الله فهو عابد، فكل إنسان تعرف إلى الله فهو عالم، العابد مقاومته هشة، امرأته تفتنه، تهديد يخرجه عن طاعته لله، فتنة تصرفه عن الدين، مقاومته هشة جداً، إذا أفلح العابد قبل مئة عام يوم كان الناس منضبطين، يوم كان الناس على شيء من الدين، العابد الآن لا يفلح أبداً، لأن الفتن مستعرة، والشهوات متقدة، والباطل له جولة كبيرة، فالتقليد لا ينفع الآن لو أردت أن تقلد أهل الدنيا لرأيتهم غارقون فيها.

 

فَضْل العالمِ على العَابِدِ كَفضل القمر على سائر الكوَاكِب:

 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام فرّق بين العابد والعالم، وقال:

 

 

(( فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم ))

 

[الترمذي عن أبي أمامة]

(( وَإِن فَضْلَ العالمِ على العَابِدِ كَفضل القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكَوَاكِب ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

 أضرب لكم مثلاً: حاجب أو آذن في جامعة، يقف على مدخل الجامعة، مهمته أن يبقى على الباب، كل يوم يدخل بعض الأساتذة، يقف لهم، ويرحب بهم ويجلس، هذا الأستاذ الكبير يدخل إلى القاعة ويلقي درساً، أنا أوازن بين طالب يستمع إلى دروس الأستاذ وبين الآذن الذي يقف على الباب، كلاهما يحترم الأستاذ، لكن الآذن سنة، وسنتان، وثلاث سنوات يقول لك: أنا بالجامعة من ثلاثين سنة، لكن معرفته بهذا الأستاذ لا تزيد ولا شعرة، هو أديب مع الأستاذ، وكلما دخل يقف له، أما هذا الذي يستمع إلى محاضراته، محاضرة تلوى المحاضرة، يرى من علمه الغزير، من فهمه العميق، يرى من ثقافته العالية، يرى من دقة محاكمته، يرى من عمق تفكيره، يرى من صواب آرائه، يرى من سعة إطلاعه، إذاً الموازنة كبيرة بين كل طالب يتلقى كل يوم علماً جديداً من هذا الأستاذ، ويزداد حجمه عنده، وبين المستخدم الذي يرحب به كل يوم، ولا يزيد علمه شعرة ولا درجة، طوال ثلاثين عاماً.
قلت لكم من قبل: إن النبي عليه الصلاة والسلام ما حبذا أن يقبع الإنسان في المسجد ليصلي ويدع العمل، فلما رأى شاباً يصلي، سأله من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
 النبي الكريم وقف موقفاً يناقض هذا الموقف مع إنسان آخر، إنسان اشتكى للنبي أن شريكه لا يقدم الجهد الكافي، شريكه كان طالب علم، فقال عليه الصلاة والسلام: لعلك تُرزق به، كأنه رحب بهذا الذي يطلب العلم، ووعد الشريك الذي يتعب أن رزق هذه الشركة بسبب هذا الطلب، لعلك ترزق به، بينما لم يرحب بالأول الذي قبع في المسجد وترك العمل.

إذا أردت الدنيا والآخرة معاً فعليك بالعلم:

 أيها الأخوة الكرام:

 

(( ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد ))

 

[ابن عساكر عن أبي هريرة]

 يروى أن رجلاً أراد أن يبين للناس هشاشة العبادة وعمق العمل، فارتدى جبة ولفة خضراء، وطرق باب أحد العباد، قال له: من أنت ؟ قال له: أنا الخضر، فهذا العابد اختل توازنه، وبكى، وفرح، قال له: أنا أعطيك بشارة أولى رفعت عنك الصلاة، فازداد إعجاباً، وازداد بكاء، وازداد ثناء، فلما ذهب هذا الرجل ذي العمامة الخضراء إلى بيت العالم وقال له: رفعت عنك الصلاة، ذهب وأتى بقضيب ليضربه.
 الدجال يضحك على مليون عابد، ولكن لا يستطيع أن يمرر كذبة واحدة على عالم، لا أقول أن يكون كل واحد منا عالماً بالمعنى المألوف، لا، يجب أن يفقه أمر دينه، يجب أن يعرف أن أحداً في الأرض لا يستطيع أن يلغي أي عبادة.
 أحياناً تذهب إلى بلاد طويلة عريضة ألغيت فيها عبادة من العبادات الكبرى التي ودر فيها صفحة في كتاب الله، لأنه لا يوجد علم، صفحة في كتاب الله تقرر عبادة أساسية تلغى ؟ يلغيها إنسان ؟ العلم لا بد منه.
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
 تجد العابد أحياناً يحكي ألف قصة كلها ليس لها أصل إطلاقاً، تتناقص مع كتاب الله، لأنه لم يطلب العلم، الآن يأتي إنسان ويفتري فرية في الإسلام، يصدقها عامة الناس، يقول: هكذا قال فلان من الناس، أما الميزان الدقيق، معك كتاب، معك سنة، الكتاب يفهم وفق علم الأصول، السنة تفهم وفق علم الفقه، أما كل من قال كلمة في الدين نصدقه ؟.

العالِم قلّما يخطئ لأنه لا يقبل شيئاً إلا بالدليل ولا يرفض شيئاً إلا بالدليل:

 أنا أقول مرة: لو جمعنا ما قيل في الإسلام منذ أن ظهر وحتى الآن، لوجدنا ركاماً من المقولات ـ لا أقول حقائق ـ لا تحصى، كيف السبيل إلى معرفة الصواب منها ؟ تحتاج مقياساً، العلم يعطيك المقياس، هذه القصة ساقطة لأنها تناقض هذه الآية، هذا العمل خطأ لأن النبي نهى عنه، فأنت حينما تعلم الكتاب والسنة تملك المقياس، المنهج، يسمى منهج التلقي لا تقبل إلا حقاً، ولا تصدق إلا حقاً، لا تقبل إلا بالدليل، ولا ترفض إلا بالدليل.
 فلذلك أيها الأخوة، العالم قلّما يخطئ لأن معه منهجاً، والعابد قلّما يصيب لأنه بلا منهج، يتحرك بحركة عاطفية هوجاء انفعالية، عندنا مشكلة، يأتي شخص إلى مسجد يتأثر تأثراً لا حدود له، ويبكي، ويصلي، وينتكس فجأة، ينتكس فيدع الصلاة، وينغمس في الملهيات، ما تفسير ذلك ؟ هذا عابد وليس عالم، العالم لا يتأثر.
 أنا أعرف إنساناً لأنه وقعت له مشكلة مع أخ في المسجد ترك الدين كله، ترك الاستقامة، هذا عابد، أدق كلمة العابد هش المقاومة، سريع العطب، أقل ضغط يخرجه عن طاعته لله، أقل إغراء يخرجه عن استقامته.

 

(( ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد ))

 

[ابن عساكر عن أبي هريرة]

(( فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم ))

[الترمذي عن أبي أمامة]

(( وَإِن فَضْلَ العالمِ على العَابِدِ كَفضل القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكَوَاكِب ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال:

 أيها الأخوة، العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
 أنا سمعت قصة عن سائق سيارة استوقفته امرأة، و عندما وقف سألها إلى أين تريدين أن تذهبي ؟ قالت: إلى حيث تريد، فهم، وقضى حاجته، وأعطته ظرفين، بالأول رسالة، وفي الثاني مبلغ من المال كبير، خمسة آلاف دولار، هذا لجهله، ولأنه لم يطلب العلم، ولأن العلم الذي ينبغي أن يطلبه يحرسه، فرح فرحاً شديداً قضى حاجته منها، ونال هذين الظرفين، في الأول مبلغ كبير، ذهب ليصرف المبلغ فإذا به مبلغ مزور، فأدخل إلى السجن، أما الرسالة الثانية تقول له: مرحباً بك في نادي الإيدز، المرأة مصابة، هذا لو طلب العلم، لو عرف حدود الإنسان، لو عرف أن الزنا محرم، كان قد ركلها بقدمه، العلم يحرس، الآن تجد أكثر من في السجن خالف منهج الله عز وجل، لو لم يخالف لما وقع في هذه المشكلة.

 

التزام منهج الله عز وجل يقود الإنسان إلى الجنة:

 الآن أكثر الخيانات الزوجية سببها مخالفة لمنهج الله، أطلق لها العنان، يغيب عنها كثيراً، لا يلتفت إليها، يأتي بأصدقائه إلى البيت، يجلسون معاً، فصار هناك خيانة، العالِم في حصن حصين، أقول العلم الحقيقي، تعرف الحدود، الحلال والحرام، الخير والشر، الآن أكثر الناس يدخل عليهم موضوع الاستثمار بربح ثابت، ربا مئة بالمئة، ماذا تعطيني على الألف ؟ مرتاح، قال لي: أنا لا أحب الحسابات، أنا أريد مبلغاً ثابتاً، لو طلب العلم يوماً واحداً بالسنة لرفض هذا الأسلوب، لأن هذا ربا، كالبنك تماماً، ساعة ربح ثابت، ساعة اختلاط، هذه مثل أختي إن شاء الله، من قال لك مثل أختك ؟ هل أنت مشرع ؟ في العلاقات الاجتماعية هناك تجاوزات، هذه تنتهي بالطلاق، بالخيانة الزوجية، لأن هناك جهل، أو ينتهي بكسب المال الحرام، أما العالم:

 

 

(( ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد ))

 

[ابن عساكر عن أبي هريرة]

 الدرس الذي قبل البارحة، الإنسان عندما يلبس ثيابه، ويخرج من بيته، ليرتاد أحد مساجد الله ليطلب العلم، هو لا يدري أن هذا الطريق ينتهي به إلى الجنة، له تفسير دقيق لأنك تطلب العلم، تحب ذاتك، تحب وجودك، تحب سلامة وجودك، هذه حرام، هذه حلال، هذه تجوز، هذه لا تجوز، وأنت لا تدري، تلاحظ مؤمناً قديماً في المسجد، كلامه مضبوط، بيته مضبوط، هناك استقامة، و سرور، و سعادة، ناتجة من طلب العلم، الإنسان من دون علم بهيمة، أو دابة فلتانة، إذا كان دابة فلتانة، أو بقرة مجنونة ماذا يفعل ؟
 لذلك عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال:

(( ذُكِرَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال عليه الصلاة والسلام فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم ))

[الترمذي عن أبي أمامة]

من طلب العلم أحبّ ذاته و وجوده و سلامة وجوده:

 مثلاً النبي قال:

 

(( الحَمْوُ: الموتُ ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عقبة بن عامر ]

 الآن معظم الناس لا يعبؤون بهذا، الأقارب، المرأة القريبة الأجنبية أشد خطراً من المرأة البعيدة الأجنبية.
 أنا حدثني رجل قال لي: أخي ترك أخوين له، وزوجته، وسافر إلى مصر، الأخ الصغير يكاد ينفجر من شدة القلق، قال لي: أخي الكبير يأتي إلى غرفة زوجة أخيه الذي سافر إلى مصر بالليل كل يوم والزوجة شابة، هذا يجهل كل شيء عن الدين.
 أنا أذكر، وقلت هذا كثيراً: أول ما خطبت في هذا المسجد، عقب إحدى الخطب استوقفني رجل وصار يبكي، لفت نظري بكاؤه، قال لي: زوجتي تخونني منذ خمس سنوات قلت: مع من ؟ قال: مع جاري، قلت له: كيف عرفت هذا الجار ؟ قال: مرة زارنا فقلت لها: تعالي واجلسي معنا، هذا الجار كأخيك، من هنا بدأت المشكلة، قلت له: لو حضرت مجلس علم لما وقعت في هذا، لو عرفت أن هذا لا يجوز لما فعلت هذا، فالبارود بارود، والنار نار، فإذا قربت النار من البارود صار هناك انفجار، والناس يركبون رؤوسهم.

معرفة كلام الله و سنة النبي واجب على كل إنسان:

 فيا أيها الأخوة الكرام، معرفة كلام الله، معرفة سنة النبي، معرفة أحكام الفقه، هناك ألف طريق لكسب المال الحرام.
 البارحة سألني أخ، أنه يبيع سلعة ديناً بثمن مرتفع، ثم يشتريها نقداً بثمن منخفض، السلعة هي هي، وهو مرابٍ بأسلوب شرعي، سجادة يبيعها بألف ليرة ديناً ويشتريها بثمانمئة نقداً، سجل ألف ودفع ثمانمئة، هذا إنسان مرابٍ، يقول: هذا بيع وشراء، هو فعلاً بيع وشراء، لكن هذا البيع والشراء أراد منه القرض الربوي، الحاجة نفسها والبيع شكلي، فالبيع ليس حقيقياً.
 آلاف الفتاوى، آلاف الأخطاء، في الزواج، في كسب المال، في العلاقات الاجتماعية، في السفر، في البيع والشراء.
 الآن تجد إنساناً يصلي، يحرم البنات، ما قيمة عبادتك طول عمرك ؟ ستون سنة تعبد الله، لماذا حرمت البنات ؟ أنت خالفت منهج الله عز وجل .
اتصلت بي زوجة، قالت: لا أسامح أبي، أتمنى له كل شر، لأنه حرمها كلياً وأعطى أولاده الشباب، بنت هذه لها حق عندي، هناك جهل، الأب يصلي و يحرم ورثته؟!

 

الشرع من عند خالق الإنسان وهو وحده الخبير به فالإنسان عليه أن يطبقه كي يسلم:

 يا أيها الأخوة، عليكم بطلب العلم كما قال الإمام الشافعي: "إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ".
 أنا كان عمري بالعشرين سنة تقريباً، صاحبت رجلاً من أقربائنا و هو إنسان راقٍ جداً في مسير، وصلنا إلى بيت ابنه، طرق الباب، فخرجت زوجة ابنه، قال لها: هنا فلان ؟ قالت له: لا، فمشى، والطريق طويل، أنا تمنيت أن ندخل لنرتاح، بيت ابنه، قال لي: لا يجوز أن ندخل في غيبة ولدي، أنا ما عرفت، هذا بيت ابنه ! وهذه امرأة ابنه ! ثم قرأت في كتب الفقه أنه لا يجوز الخلوة بالصهرة الشابة، ثم بلغني عن بعض الأشخاص أنه يتحرش بزوجة ابنه في غيبته، فالفقهاء عندما يجتهدون أن هذا الشيء لا يجوز فهذا لحكمة بالغة، إذاً هناك محارم كالأم، والأخت، والبنت، هؤلاء صنف، وهناك محارم من صنف ثان، لكن لا يجوز الخلوة بها.
 أحد أخواننا قال لي: أنا كل يوم آتي وأصلي الفجر عندك ـ القصة قديمة ـ وابني يخونني مع زوجتي، طبعاً زوجته الثانية، كل يوم، ما هذا الكلام ؟ لأن الابن شاب، والزوجة شابة، والزوج كبير، و صلاة الصبح ثابتة، وقت مضمون، طبعاً طلقها، هناك خلوة، الخلوة خطيرة جداً، فزوجة الأب، زوجة الابن، هذه محارم، لكن من نوع ثان، ليست مثل الأم، والأخت، والبنت، هذه لا يجوز الخلوة بها.
 أنا لا أريد أن أعطي تفاصيل، أريد أن نعلم أن هذا الشرع من عند خالق الإنسان، وهو وحده الخبير به، فالإنسان عليه أن يطبقه كي يسلم، قلت كلمة: تطبق الشرع فتسلم، تقترب من الله فتسعد، السعادة بالقرب منه، والسلامة بتطبيق أمره، هناك شخص يطبق أمره لكن لا يسعد، مشغول في الدنيا ومهموم، مستقيم، تطبيق شرعه تسلم من كل عطب، والقرب منه تسعد أيما سعادة.