الترغيب والترهيب - الدرس : 008 - كتاب العلم - الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين -1

1997-03-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

كل إنسان على وجه الأرض له عند الله مكانة بحجم عمله :

 أيها الأخوة الكرام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

 

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له ))

 

[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ]

 أول شيء أيها الأخوة أن الإنسان في جبلته طموح، وأن الإنسان في جبلته يحب الأفضل، والأكبر، والأجمل، والأكمل، والأعلى، والأرقى، هذه جبلته.
 وشيء آخر هو أن كل إنسان على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة له عند الله مكانة بحجم عمله تماماً، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأنعام الآية : 132 )

 فالإنسان العاقل يسعى في الدنيا إلى عمل ليس له سقف.
 أضرب لكم مثلاً : إنسان اشترى صفقة وباعها وربح، ربحه محدود، أما إنسان معه وكالة، كل من يشتري من هذه الشركة في هذه المنطقة لوكيل هذه الشركة ربح ثابت، من دون جهد، من دون حركة، من دون أن يتحرك حركة، من دون أن يرسل فاكس، يأتي الربح جاهزاً، عندما صار وكيل شركة أرباحه أصبحت غير محدودة، هناك أعمال كثيرة فيها طبيعة التفجر، التوالد.
 فالنبي عليه الصلاة والسلام ينصحنا أنه إذا مات الإنسان انتهى عمله، له عدة أعمال قام بها في الدنيا، يسعد بها لا شك، لكن لأن الجنة غير محدودة، لها درجات لا تنتهي، فهناك أعمال في الدنيا تستطيع أن تصل بها إلى أعلى درجات الجنة، هذه الأعمال هي التي لا تنتهي عند موت صاحبها، إنسان أسس معهداً شرعياً ومات، هذا المعهد خرّج عشرات بل مئات بل ألوف الطلاب، وكل طالب استلم منبراً، وألقى خطبة، ونصح الناس، وعمل عملاً طيباً، فكل هؤلاء الذين تخرجوا من هذا المعهد، ونفعوا الناس، ودعوا إلى الله، وبينوا الحق، ورسخوا قيم الإسلام، في صحيفة هذا الذي أنشاه.

 

الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه :

 إذا كان الإنسان طموحاً، وإذا كان غيوراً على مصالحه، وإذا كان يحب الجنة في أعلى مرتبة، فسبيل بلوغ أعلى الدرجات أن يكون لك عمل متوالد، هناك عمل منقطع، وهناك عمل متوالد، من هذه الأعمال المتوالدة، الصدقة الجارية، ساهم إنسان ببناء مسجد، لكن هذا بيت الله، كل صلاة تعقد فيه، كل ذكر يعقد فيه، كل مجلس ذكر يعقد فيه، كل توبة تنعقد فيه، في صحيفة كل من ساهم في البناء فيه، وأرسى بنيانه، ويسر أموره.
 النقطة الدقيقة : الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه، الآن عقليتنا كلها تجارية يقول لك : هنا بالـ% 30 أربح لي، هنا بالـ قليل، بالـ% 28 كثير، فالإنسان إذا أراد أن يستثمر ماله يبحث عن جهة تعطيه أعلى ربح، الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه.
 والله أيها الأخوة، أتكلم ولا أجد لهذا الكلام تطابقاً مع ما أتمنى أن أقوله، هناك بنك يعطي على الليرة مليون و كل سنة ؟ لا، كل شهر ؟ لا، كل يوم ؟ لا، كل ساعة ؟ لا، كل دقيقة ؟ لا، مليون، هل من الممكن أن تستثمر مالك بالمئة ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وتترك البنك الذي يعطيك كل دقيقة على الليرة مليون ؟ شيء مستحيل، كلام فلكي، أرقام فلكية، هكذا الله عز وجل.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الصف )

 تاجر مع الله.

 

من ابتغى بعمله وجه الله عز وجل و ترفع عن الدنيا أعطاه الله فوق ما يستحق :

 أحياناً الإنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله، يترفع عن أجر في الدنيا، هذا يعطيه الله :

 

 

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 مرة حدثني أخ كان مقطوعاً بطريق، يبدو أن الطريق أول صعود حاد، وكل السيارات تنطلق تأخذ مجالاً لتنطلق بأعلى سرعة، قال لي : ساعة، ساعتين، لا أحد يقف لي، معه أهله، بعدها توقف إنسان و أعطاني رافعة كنت بحاجة لها وعندما أعطاني الرافعة وأنا أستخدمها حدثت نفسي بهذا الإنسان العظيم الذي وقف وعطل وقته، وغلب عليه روحه الإنسانية، بعدما انتهينا، قال : أريد خمس ليرات، هذه قصة قديمة، قال : والله لو طلبت مئة ليرة لأعطيتك، لكن لا ليتك لم تطلب هذه الخمس ليرات، بين أن يكون لك عمل صالح له عند الله أجر ليس له حدود، بين من استنفذه بخمس ليرات.
 لي قريبة مقعدة، ولها مبلغ بدائرة حكومية، والوكالة قدر المبلغ، فذهبت إلى الموظف، وقلت له : هل من الممكن أن تأتي معي إلى البيت ؟ قال لي : على عيني، أنا استغربت ! قلت : أنا آتي وآخذك، قال : لا، أنا آتي لوحدي، أعطني عنوان البيت، ما قبل أن آتي وآخذه بالسيارة، أخذ عنوان البيت، أذكر أن الحادثة كانت في رمضان، طرق الباب عند العصر، وسلم المبلغ، وأخذ التوقيع، قال لي : أريد أن أصلي العصر عندك، صلى، ثم قلت له : هل من الممكن أن أوصلك ؟ قال : لا تنزع علي عملي، أنا ابتغيت بهذا العمل وجه الله.
 فالإنسان إذا كان له عمل لوجه الله لا يريد شيئاً، هذا أغنى إنسان، وأقوى إنسان، وأرفع إنسان عند الله، فأنت اختار، هناك أعمال أجرها محدود، لماذا هناك أناس لا يحبون الوظيفة، دخلها محدود، لها سقف، لماذا يحبون التجارة ؟ ليس لها سقف، فالإنسان إذا توفق فيها ليس لها سقف، يربح أرباحاً كثيرة جداً.
 يقولون الآن : هناك إنسان في أمريكا يملك ثلاثة و عشرين مليار دولار، شاب عمره اثنتان و أربعون سنة، يملك الميكرو سوفت، لو موظف يلحقهم ؟ لا يلحقهم.

 

الأعمال الصالحة لا تعد و لا تحصى :

 تاجر مع الله، النبي يقول :

 

 

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية ))

 بناء، فرش، كهرباء، مرافق عامة، تدريس، الحياة متكاملة، فيجب على الإنسان أن يسعى للجنة، الذي يتكلم بالجامع له أجر، والذي بنى له أجر مثله، والذي أسس له أجر، والذي جاء لك برخصة له أجر، والذي نظف له أجر، نحن بتفكيرنا الساذج نصنف الناس أن هذا كبير عند الله، كبير ؟ لا، الذي ينظف المسجد له أجر كبير عند الله، وإذا كان مخلصاً بعمله لعله يسبق الذي يتكلم، لا تعرف، عند الله مقاييس نحن لا نعرفها، و منها مقياس الإخلاص.
 أنا أعرف مسجداً، شيء يحير العقول، لو عملت مسابقة بين بيوت دمشق من حيث النظافة لا تجد بالشام بيتاً نظافته كهذا المسجد، إن دخلت إلى مرافقه شيء عجيب كأن الرخام رُكب الآن، يعمل ليلاً نهاراً، مرة التقيت معه، كبر بالسن ـ توفي رحمه الله ـ قال لي : أنا أستمد الحماس في تنظيف المسجد من قوله تعالى :

 

﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 125 )

 النبي الكريم قال

﴿ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾

 الذي نظف المسجد، الذي زينه، الذي فرشه، الذي دفأه، الذي هواه، كل من ساهم في بنائه، بتأسيسه، بمرافقه العامة، بتنظيفه، بالتدريس فيه، نحن أسرة، كل إنسان يقوم بعمل لا ينافس فيه الآخر، مسجد، ميتم، دخلنا لميتم مثل بيوتنا، النظافة، والترتيب، والفرش، والأسرّة، والطعام الطيب، والنظام، والتوجيه الديني، خمسمئة طالب، هؤلاء الذين ساهموا بالميتم ماتوا ؟ لا لم يموتوا، لم يموتوا أبداً لأنهم تركوا عملاً مستمراً، معهداً شرعياً، ميتماً، مسجداً، أحياناً مستشفى الغاية منها خدمة المجتمع لا ابتزاز الأموال، أي عمل صالح.
 فأي حلّ مشكلة، زوج شاباً، شاب في أول حياته، عندما تزوج انضبط، لزم مسجداً، أنجب ذرية صالحة، وجهها توجيهاً دينياً، الذي زوجه وربطه بالدين هذا له أجر كبير.
 يقول لي شخص : دخلت لمسجد و كان أبي قد اشترى لي حذاء جديداً، فسرق، فخرجت هائماً على وجهي، ومتألماً أشد الألم، رآني رجل أخذني واشترى له حذاء جديداً، يقول لي هذا الرجل : والله منذ هذا الحادث لم أترك الصلاة أبداً، لأنه صلى سُرق حذاءه، جاء شخص قدر فيه هذه الصلاة، فأمن له حذاءً جديداً.

 

من ترك علماً يُنتفع به فله أجر عظيم عند الله عز وجل :

 هناك أعمال صالحة كبيرة جداً أيها الأخوة تبدأ من المسجد، من المعاهد الشرعية، من المياتم، مستشفيات، خدمات عامة، أعمال متواردة، أنت أغنى الأغنياء.

 

 

(( صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به ))

مرة فتحت تفسير القرطبي وجدت فيه آية جميلة جداً، مشروحة شرحاً رائعاً، عملتها خطبة فتأثر الناس تأثراً بالغاً، وبعدما انتهت هذه الخطبة، صاحب هذا التفسير جالس بالقبر، لكن انظر نفعه إلى أين وصل، أنا قرأت الموضوع وتأثرت، وعملته خطبة، وقد تأثر الناس به كثيراً.
 الإمام الغزالي ترك الإحياء، كم إنسان قرأ الإحياء ؟ كم خطيب قرأ الإحياء ؟ كم أستاذ قرأ الإحياء ؟ كم إنسان قرأ الإحياء واستفاد منه ؟.
 والغزالي كان بعصره عالماً كبيراً، وداعية كبيراً، له دروس، وبدرسه كان أربعمئة لفة، لكن الإحياء أهم من دروسه كلها، هو بالإحياء لم يمت، مهما كان عظيماً، فألّف كتب تفسير، كتب حديث، كتب فقه، وهناك كتب مشهورة جداً.
 الإمام النووي، عاش أقل من خمسين سنة، ترك رياض الصالحين وهو من أفضل الكتب في حياتنا، ترك الأذكار، ترك المحتاج، ترك شرح صحيح مسلم، ترك كتب أعمدة في العلم و قد عاش أقل من خمسين سنة.
 الإمام السيوطي من المفسرين الكبار.
 القدماء تركوا كتباً و خيرات لا يعرفها إلا الله، فالإنسان لا يعرف قيمة التأليف الذي له تأثير كبير جداً، وله أثر الديمومة والاستمرار، فالشريط له دور، والكتاب له دور، فهذا ترك علماً ينتفع به.
 مرة كنا بالجامع الأموي، أحد علماء دمشق توفي ـ رحمه الله ـ هو خطيب الأموي، اجتمع بالتعزية نخبة البلد، وأنا جالس قام أحد عرفاء الحفل وقدم ابن هذا الخطيب ليلقي كلمة رائعة، ارتجالية، لغة، حكمة، و كان أبوه قد تعب عليه كثيراً، الوزير كان موجوداً، قال : أنا سوف أعين فلاناً ابن المرحوم في الأموي مكان والده، ظهرت مني كلمة معنى هذا أن الأب لم يمت، لأن العمل استمر من بعده.

 

 

التعليم والدعوة إلى الله على خطين ؛ إما أن تؤلف القلوب وإما أن تؤلف الكتب :

 الذي عنده ابن بقدر ما يعتني به فله أجر، هذا الابن يحتاج إلى جهد، والتربية صعبة جداً، تأمين الطعام سهل، تأمين اللباس على العيد سهل، تؤمن له الطعام، والشراب، واللباس، القضية سهلة جداً، يفعلها الناس جميعاً، أما تخرجه عالماً ؟ هذا عمل كبير جداً، يأتي معك إلى المسجد، تعتني به، تجلس معه، تقنعه، تعرف من رفقائه، أين يذهب ؟ يلتزم بالشرع، إن رأيته وهو شاب يصلي، إن رأيته يقرأ القرآن، يدخل على قلبك من السرور ما لا يوصف، هذا الولد استمرار لك، جزء منك، الذي عنده ولد رباه تربية إسلامية لن يموت.
 فالحديث هو :

 

 

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له ))

 

[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ]

 مرة كنت بحفل ألقى أخ كريم كلمة أعجبتني جداً، قال : إما أن تكون داعية و إما أن تتبنى داعية، شاب علمه على حسابك، طالب علم أجنبي أم عربي، هذا عمل عظيم جداً، إنسان جاءك ضيف، قدم له شيئاً، اعتنِ به، يشعر أنه جالس ضمن أهله، فإذا علمته، وذهب إلى أهله، دعا إلى الله، تسلم منبراً، كل أعماله بصحيفتك، عطاء ليس له حدود، وثلاث قنوات، صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له، والعلم ليس له نهاية، أو تطلب العلم وتعلم، أو تطلب العلم وتؤلف، والتعليم والدعوة إلى الله على خطين، إما أن تؤلف القلوب وإما أن تؤلف الكتب، تأليف القلوب أعمق أثراً وأقصر أمداً، تنتهي الدعوة بموت صاحبها، تأليف الكتب طبعاً أقل أثراً وأطول أمداً، فحياتنا محدودة أخواننا الكرام، انظر إلى النعوات، مات انتهى، انتهى بيته، انتهت مركبته الفخمة، انتهت زوجته، انتهى أولاده، انتهى كل شيء، له مكتب مكيف، له مكانة اجتماعية، الموت ينهي كل شيء، إلا إذا كنت من أصحاب هذا الحديث، ما انتهى شيء، بالعكس، الآن يبدأ التوالد.
 أنا سمعت عن شيخ الأزهر السابق مشى في جنازته ستة ملايين إنسان، دخل الناس إلى بيته بعد الوفاة و اجتمعوا على طول مئة متر، ومعه التهاب مفاصل، كتبه بالصناديق لأنه لا يملك مكتبة، طاولته عادية جداً، وتحت يده مئات الملايين، بحسب التصور لم يدخل له جنيه واحد، وفتواه صحيحة، وموقفه جريء، ستة ملايين، انتهى، مات.
وسمعت عن إنسان آخر وهو على فراش الموت يرفع يديه متبرئاً من كل فتوى أفتاها، هناك فرق.

كل شيء في الحياة لا قيمة له إلا صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو لك :

 كل شيء ماض، نظرت إلى هذه الجلسة من باب الاحتياط بعد خمسين سنة، بعد مئة سنة، لا يوجد أي واحد منا، فكل شيء ماض، ماذا أكلت ؟ ماذا شربت ؟ أين سكنت ؟ ماذا ركبت ؟ كله ماض، يبقى هذا.

 

(( صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له ))

 فكلما كنت أعقل تبحث عن عمل يتوالد، تحتاج وكالة لا تحتاج صفقة، ليس لها قيمة ربحها محدود، ربحت، وأنفقت الربح، وانتهى الأمر، أما وكالة كل من يشتري من هذه البضاعة لك منه نصيب.

 

 

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له ))

 

[الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ]

 فالإنسان إذا كان عاقلاً يتحرك على الخطوط الثلاثة، يعتني عناية بالغة بأولاده، فإذا أنفقت كل إمكانيتك، وكل وقتك، وكل طاقاتك، وكل مالك على أولادك حتى يصبحوا دعاة إلى الله أنت أعقل إنسان، هناك إنسان يبخل على ابنه، هذا بضعة منك، هذا جزء منك.
 أنا أعرف أخاً من أخواننا، كل شيء يملكه دفعه في سبيل تزويج أولاده الثلاثة، كل واحد أخذ له بيتاً، هو تاجر متوسط أو أقل، لكنه أمّن أولاده كلهم، فلاحظت أن أولاده أمامه كجندي أمام لواء، فأنت عندما أمنت له بيتاً، زوجته، سررته، ارتبط بك، و لا يتمنى وفاتك، يتمنى بقاءك، هناك فرق كبير، الأب البخيل يتمنى أقرب الناس وفاته، إذا جاء الطبيب وقال لهم : الحالة عرضية إن شاء الله ينزعجون كثيراً، لا نريدها عرضية نريدها خطيرة، إياك أن تجعل أولادك يتمنون موتك، هم بضعة منك، كما قال النبي عليه الصلاة و السلام :

 

(( إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها ))

 

[ المعجم الكبير عن ابن الزبير]

كل متاعب الإنسان أو ملذاته تنسى أمام النتائج التي يحصل عليها :

 الابن ولد صالح، لا نريد ولداً لا يعرف الله، غني فقط، الآن هناك أشخاص يقولون لك : ابني يعمل بالمنصب الفلاني، دخله كذا، بيته في المكان الفلاني، ليس هذا القصد، نريد ابناً عالماً، نريد ابناً داعية إلى الله، نريد ابناً يخدم الناس، فالابن أحد أكبر أسباب الجنة، الجنة التي ليس لها حدود، والعلم، والصدقة الجارية، والأعقل أن تعمل على كل الخطوط معاً، هناك جهد كبير، وهناك بذل لكن الله يعوض و يكرم.
 مثلاً إذا أمضى الشخص كل وقته في دراسة جادة، لم يسهر مع رفقائه، و لم يذهب نزهة حتى إنه لم يجلس مع أهله، عندما يأخذ درجة عالية في الثانوية العامة، و يدخل إلى الجامعة بفرع مرموق ينسى كل تعبه، والذي أمضى أوقاته في السهر مع أصدقائه عندما يرسب، ينسى أيضاً كل ملذاته، الملذات تنسى والمتاعب تنسى أمام النتائج.
فنحن يهمنا أن يكون هذا الحديث شعاراً لنا :

 

(( صدقة جارية أو علم يُنْتَفَعُ به أو ولد صالح يدعو له ))

 تَبَنى داعية، تبنى طالب علم، ارعَ طالب علم، أنا أقول لكم : من أعظم الأعمال على الإطلاق أن تتبنى طالب علم، أحياناً هو بحاجة للكتب، بحاجة للمساعدة، بحاجة للرعاية، بحاجة إلى تدريس، بحاجة إلى أن ينضم إلى جامع، إلى معهد، أعن طالب علم، وبناء مسجد، وتوابع المسجد :

 

 

(( أو ولد صالح يدعو له ))