رحلة استراليا 1 - المحاضرة : 08 - أمسية ثقافية.

2001-03-10

 هنا إذاعة القرآن الكريم من سيدني، أيها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم مع هذه السهرة الثقافية، وكما هو معلوم بأن السهرات الثقافية هي واحة غَنَّاء، مليئة بالمروج الخضراء، نجد فيها أجواء الحب والإخاء، مع أهل الفكر والعلماء، ونحن في هذا اللقاء الطيب المبارك نضع عقولنا وقلوبنا على أيدينا نريد من خلاله أن يسخو الفكر وأن يجد القلب راحته، ويُشَرِّفنا في هذه السهرة الثقافية كل من فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي ضيفاً عزيزاً وأباً كريماً لنا في هذه القارة الأسترالية، أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ، ويسعدنا أيضاً أن يُشرِّفنا فضيلة الدكتور إبراهيم أبو محمد أهلاً ومرحباً بكم فضيلة الدكتور وكل عام وأنتم بخير، كما يُشرَّفنا أيضاً فضيلة الشيخ فداء المجذوب أهلاً ومرحباً بكم أخاً وأباً كريماً، وفي البداية أيها الإخوة المستمعون هناك كلمات وهناك كلمة بالتحديد لا يستطيع الإنسان أن يُعرِّفها ولهذا أنقل هذا الميكرفون إلى فضيلة الشيخ فداء المجذوب لنستطلع من خلاله هذه السهرة الثقافية.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله و أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، مرحباً بكم أيها السادة المستمعون إلى هذه الأمسية الطيبة العطرة المباركة في رحاب علم من أعلام دمشق، وعالِم كريم مربي فاضل، وإلى جواره فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو محمد، نشرع في حديثنا لهذه الأمسية ويُشرِّفني أن أكون نقَّالاً أو مُتنقلاً بينهم لبعض الأسئلة، لندور في أمسيتنا حول قضية مهمة في حياة الإنسانية.
 في آخر تقرير أيها السادة المستمعون صدر عن الجهات الدولية التي تُعنى بالقضايا الإنسانية في العالَم، يُفاجِأُ هذا التقرير بأرقام مهولة في نسبة الجرائم والانتحار والاغتصاب والقتل والسرقة وتوابع هذه المعاني، لفت الانتباه في هذا التقرير الذي صدر عن اللجنة الدولية لحقوق الإنسان، لفت الأنظار أمر جِدُّ خطير فيما يتعلق بوجود المرأة في هذه الحياة، وفي حقوقها، وفي ما تستلزمه إنسانيتها، من الأشياء التي أشار إليها هذا التقرير أن حوادث الاغتصاب في هذا العالم هي بمعدل حادثة كل أربعين ثانية، ولفت الأنظار كذلك في هذا التقرير أمر جِدُّ خطير أن حوادث العنف والاغتصاب إنما هي من الأقارب ومن الأصدقاء ومن الأهل بالدرجة الأولى، وهذه الإحصائيات التي أنقل بعض ما نقلت عنها هي تتعلق أو تتعرض لصفحة العالَم الواسع الممتد، كذلك أيها السادة نجد أنّ نسبة الانتحار الموجودة في هذا التقرير آخذة بالازدياد بشدة، ووجدنا كذلك أن ذلك التقرير يشير إلى أن نسبة السرقة والقتل متزايدة في حياة الإنسانية، هذه المعاني جميعها، مع ما يتوفر للإنسانية في هذه الأيام من أسباب السعادة والهناء والطمأنينة تجعلنا نتساءل ما المشكلة في حياة آمنة مطمئنة سعيدة للبشرية ؟ أسباب الرخاء موجودة، أسباب السعادة متوفرة، هذه المعاني كلها تستطيع أن توفر للإنسان جواً آمناً، لكن مع ذلك لا نزال نرى الإنسانية في طريقها إلى الهاوية، ولعلها لا تصل إلا إلى المزيد من التدمير لنفسها.
 س ـ أطرح سؤالاً على فضيلة الأستاذ الشيخ الدكتور راتب النابلسي أبدأ هذه القضية بسؤال: كيف يمكن أن تصف واقع الإنسان في هذه الحياة المعاصرة ؟
 ج ـ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، الإنسان أعقد آلة في الكون، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، أضرب هذا المثل تقريباً للحقيقة، هذا الإنسان مجبول على حب ذاته، على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، إن أراد لهذا الوجود أن يَسْلَم ويسعد ويستمر لا بد من تطبيق تعليمات الصانع، وقد يكون هذا انطلاقاً من حبه لذاته، إنسان اليوم إنسانٌ أودع الله فيه الشهوات كأي إنسان في أي مكان وزمان، وهذه الشهوات ما أودعها الله فيه إلا ليرقى به صابراً وشاكراً إلى رب الأرض والسماء، ولكن لا بد من أن يسير في شهوته في القناة التي سمح الله له فيها، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، هذا كلام قطعي، معنى ذلك أنه ليس في الإسلام حرمان، لكن فيه تنظيم، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

[ سورة الأحقاف: الآية 5 ]

 المعنى المخالف عند علماء الأصول أنه من اتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، فالقضية بأكملها أن إنساناً أودع الله فيه الشهوات يرقى بها مرة صابراً أو شاكراً إلى رب الأرض والسماوات إنه استخدم هذه الشهوات من دون منهج فشقي، وكل ما تعانيه البشرية اليوم إنما هو أعراض لمرض واحد إنما هو الإِعراض عن الله، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

 

[ سورة طه: الآية 124]

 لمجرد أن يعرض الإنسان عن منهج الله عز وجل لا بد من أن يشقى في الدنيا، ويهلك في الآخرة، فالقضية قضية علم ن ألم ترَ إلى أهل النار يقولون:

 

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ سورة الملك: الآية 10 ]

 الإنسان فطرته تؤكد حبه لذاته، ولكن لأنه ترك منهج ربه، أكاد أقول أنه ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، ويفعل الجاهل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، إذاً قضية علم وجهل، وقضية اتباع الهوى من دون منهج الله عز وجل، هذه هي المشكلة، إنسان أودع الله فيه حب النساء وحب المال وحب العلوم في الأرض، ولا يؤمن لا بمنهج إلهي ولا بقيمة مادية ولا بمبدأ إنساني يتحرك من دون منهج، ما دام التحرك من دون منهج لا بد من أن يقع الشر، لأنه سيأخذ ما له وما ليس له، سيعتدي على عِرض لا يحق له أن يعتدي عليه، أنا سمعت كما تفضلتم أنه في كل ثلاثين ثانية تُرتَكب جريمة قتل أو سرقة أو اغتصاب، إنّ البشرية اليوم تدفع ثمن انحرافها، لماذا يجب أن نؤمن بالله، لأن الله عز وجل هو الخبير قال تعالى:

 

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 14]

 أحياناً إنسان لو رأى قنبلة وسأل نفسه هل هي قنبلة أم ليست قنبلة ؟ لو أراد أن يمتحن ذلك وانفجرت وأهلكته، لم يبقَ في حياة وقت ينتفع من هذه الخبرة، ما كل معصية تورث خبرة، هناك معاصي تُلغي الخبرة، يهلك الإنسان فيها، المجتمعات اليوم تئن من أمراض خطيرة كالإيدز، تئن من الشِقاق الزوجي، تئن من تشر الأولاد، تئن من انحلال القيم، هذه كلها بسبب البعد عن الله عز وجل.
 س ـ فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم لو سمحتم كثيراً ما يتردد على الآذان أن كل مشكلة تواجهها البشرية سببها البعد عن شرع الله عز وجل، وفي ذات الوقت نرى أنّ شرع الله سبحانه وتعالى في كثير من المسائل ليس له نص عند هذه القضايا المُستجدة والطارئة، فهل ما أشار إليه فضيلة الأستاذ الدكتور راتب من أنّ مشاكل البشرية إنما مرجعها لعدم الالتزام بشرع الله، هل يعني هذا الكلام أنّ البشرية يجب أن تُعَطِّل عقلها وتفكيرها، وتقف فقط في موقف المُنفِّذ من غير تشغيل العقل لما يطرأ من قضايا ويستجد من أحداث، ليت هذه الفكرة تتضح للسادة المستمعين ؟
 ج ـ بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأُصلي وأُسَلِّم على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبداية كواحد من أهل الدار أُرحب بحضور سماحة الدكتور محمد راتب النابلسي وأُرحب بك شيخ فداء كواحد من أهل الدار في إذاعة القرآن الكريم، وأنا يسعدني أن أكون ظلاً لكما في هذه الأمسية الثقافية، لكن ظل أيضاً يتحرك وربما يكون له دور ولو بسيط، الحقيقة هذا السؤال الذي طرحته كثيراً ما يتردد وخصوصاً على ألسنة غير الملتزمين، كثيراً ما يرددون هذه المقولة، وكثيراً ما يستدِّلون بالعصرنة والحداثة وما استُجد في حياة الإنسان من أمراض وأعراض ليس لها نصوص في القرآن أو السُّنة، وأنّ العصر قد تغير، وأنّ الزمن قد تغير، وأنّ أحداثاً كثيرة قد استُجِدَّت، لكن تبقى الأصول الثابتة لكل جريمة في النفس البشرية، عندما يقول هايدغر ـ وأنا لا أضع هذا الكلام في مقابل كلام سماحة الدكتور راتب النابلسي لأن كلامه مُستقى من كلام الله ـ لكن أحياناً الإنسان يحتاج إلى دليل من الإنسانية والتجارب الإنسانية هي رصيد مُلزم لنا جميعاً لأنها محصلة خبرة ومحصلة نشاط إنساني ضخم، والقرآن أمَرَنا أن نستفيد منها، هايدغر يقول: " العالَم يبدو كقصر مشيد في منظر كئيب، سادته يعانون القلق والاكتئاب والضياع، وعبيده يعانون الفقر والخوف والمرض ". الحقيقة هذا التشخيص ليس صادراً عن عقلية عادية، لا، فهايدغر يُقال عنه بأنه عميد فلسفة القرن العشرين، عندما يصدر هذا الكلام من هذا الرجل فهذا يعني أنّ هناك أزمة، وأزمة حقيقية، وهي لا تتصل بنقص في الثروة، ولا بنقص في الثراء، ولا بنقص في الإمكانيات، وإنما هي أزمة تنبع من داخل الذات الإنسانية، وهذه أشد أنواع الأزمات، لأن كل الأزمات الخارجية يمكن أن تُعالج، لكن عندما تبدأ الأزمة من الداخل، ومن الصدر فهذه تصبح مشكلة كبيرة جداً، السؤال الذي طرحته حضرتك، هناك ثوابت في دنيا الإنسان وهذه الثوابت لا تتغير أبداً، ثوابت في بنية الكون تقابل الثوابت في بنية الإنسان، وهنالك ثوابت في بنية الشريعة، إذاً هناك أنواع ثلاثة من الثوابت ؛ ثوابت في بنية الإنسان، الغرائز التي تحدث عنها سماحة الشيخ، هذه موجودة مع الإنسان البدائي، ومع إنسان العصر البسيط، ومع إنسان القرن العشرين، والقرن المئتين، هذه ثوابت لا تتغير، قد تُشَذَّب بنوع من السلوك الحضاري لكنها لا تتغير.
 س ـ مثل ماذا أنت تقصد ؟
 ج ـ أقصد كغريزة الجنس، غريزة الطعام والشراب، هذه ثوابت في دنيا الإنسان، احتياجات الإنسان الطبيعية، حاجته إلى أن يدخل الحمَّام، إلى أن يتنفس الهواء، هذه ثوابت لا تتغير، ولا تتغير بين إنسان وإنسان وإنما هي قواسم مشتركة بين بني البشر، بصرف النظر عن مستوياتهم العلمية، وبصرف النظر حتى عن مستوياتهم الاجتماعية، هذه الثوابت في بنية الإنسان تقابلها ثوابت في بنية الكون، هناك ثوابت أيضاً في بنية الشريعة، وهذه هي الروعة، الثوابت في بنية الشريعة ماذا تعني ؟ تعني مقابلة كل جرم تنبع دوافعه من الذات الإنسانية بما يقابله من العقاب، القضايا المستجَدَّة لم يكن من الممكن على الإسلام أن يدخل في تفاصيل دقيقة جداً ويربت عليها لأنّ هذه التفاصيل تتغير، عندنا مثلاً في مقاومة دوافع الجريمة في الذات الإنسانية، الحدود معروفة حد الزنى، حد القتل القصاص، حد السرقة، الحدود معروفة، ولكن ماذا عن بقية الجرائم، العلماء قالوا أنّ هذه الجرائم هي أمهات الجرائم في الكون، وكل جُنحة أو مخالفة تنبع من هذه الجرائم، فإذا ردمنا هذه البِرَك، بِرك المعاصي والآثام، الدوافع الأساسية، فبالتالي كل الجنح والمخالفات والأشياء البسيطة يمكن أن نواجهها بما يسمى بالتعاذير، وهي مساحة واسعة جداً الأمر فيها متروك لقرار القاضي المسلم أو ولي الأمر المسلم العالِم بأحكام الشريعة والبصير بقضايا دينه وأمته، يواجه كل ما يُستجَد بما يتناسب مع حجمه وآثاره في قضية الجريمة.
 س ـ إذاّ يُفهَم من كلامكم سماحة الدكتور أنّ هناك مساحة واسعة تركتها الشريعة للتجربة الإنسانية لتقرر فيها الموقف، ولتقرر فيها الحُكم، ولتقرر فيها الحل المناسب والنافع والناجع؟
 ج ـ شيخ فداء نحن لدينا ثروة فقهية لم يستطع قانون على وجه الأرض أن يصل لمستواها، ثروة تشريعية لم يستطع قانون، لا القانون الروماني، ولا القانون الفرنسي، وبشهادة فقهاء القانون أنفسهم، لم يستطع قانون على وجه الأرض أن يصل إلى مستواه بهذه المساحة من التعاذير التي أعطت للحاكم المسلم القدرة على مواجهة ما يُستجَد من أحداث بما يناسبه من ثواب أو عقاب.
 س ـ الأستاذ الدكتور راتب لو سمحتم تصوُر المسلم تجاه الشريعة وتجاه أحكام الشريعة حضرتكم ذكرتم في بداية الحديث أنّ الإنسانية تعيش فترة مظلمة، تعيش ضنكاً، تعيش ضياعاً، تعيش تشرداً ومرجِع هذا كله أنهم لم يرجعوا إلى أساليب التشغيل والصيانة التي أودعها الخالق سبحانه في كتابه وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تَصَوُر المسلم نحو هذه الشريعة، لو أنّ مسلماً سأل: أنا الآن أواجه الكثير من الأحداث والقضايا والمشاكل، تَصَوُّري عن هذه الأحداث والقضايا والمشاكل كيف يجب للمسلم أن يواجهها ؟ كيف يتعامل معها ؟
 ج ـ سيدي قال بعض العلماء: الشريعة عدلٌ كلها، رحمة كلها، حكمة كلها، وأية قضية خرجت من العدل إلى الجَور، ومن الحكمة إلى خلافها، ومن الرحمة إلى القسوة، فليست من الشريعة، ولو أُدْخِلت عليها بألف تأويل وتزوير، يكفي أنّ المؤمن يقرأ قوله تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3 ]

 وكما تعلمون يا سيدي الإكمال نوعيٌ والإتمام عددي، أي أنّ مجموع القضايا التي عالجها الدين تام، وأنّ طريقة المعالجة كاملة، إنها معالجة إله، والإله كماله مطلق، شيء آخر قال تعالى:

 

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 59 ]

 وأيضاً:

 

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 59 ]

 طبعاً حينما جاء قوله تعالى:

 

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 59 ]

 أي أن تطيعه استقلالاً، أما:

 

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

 

 

[ سورة النساء: الآية 59 ]

 أي أن تطيعه تَبَعاً.
 س ـ أرجوك اسمح لي بمداخلة بسيطة من باب الاستفسار، أن تطيعه تَبَعاً ماذا تعني ؟
ج ـ أي لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
 س ـ هل تعني أن طاعة ولي الأمر يجب أن تكون مطابقة للكتاب والسُّنة، فإذا خرجت عن الكتاب والسُّنة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؟
 ج ـ أجل، والآن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يًفَسِّر أولي الأمر بأنهم العلماء الذين يعلمون الأمر، ويُفَسِّر أولي الأمر بأنهم الأمراء الذين يُطبِّقون الأمر، ثم يقول الله عز وجل:

 

 

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 59 ]

 أي إن تنازعتم مع علمائكم أو أمرائكم فردوه إما إلى الله في قرآنه وإلى الرسول في سُنته، أيقبل عقل أن يُحِيلَك الله إلى لا شيء، أيقبل عقل ـ وهذا كلام خالق الكون فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ـ أن يُحِيلَك الله إلى لا شيء، قال تعالى:

 

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

 معنى ذلك أنه ما من قضية تعاني منها البشرية اليوم إلا ولها حل أمثل في الكتاب والسُّنة، لكن عَلِمَه من عَلِمَه وجَهِلَه من جَهِلَه، الشيء الثالث كما تفضل الدكتور جزاه الله خيراً الإنسان في ثوابت وفي متغيرات، نحن في ديننا الثوابت مغطاة بالنص القطعي الدلالة، الشيء الذي يثبت شقاء الإنسان به مُحرَّم بنص قطعي الدلالة لا يحتاج لا إلى اجتهاد، ولا إلى تأويل، والأمر الذي يُعدُّ سبب سلامتنا وسعادتنا مغطىً بنص قطعي الدلالة، هو الحلال والحرام، والأمر والنهي، أما المستجدات والمتغيرات بحسب البيئة والتقاليد والعادات، والغنى والفقر، والثقافة والجهل، هذه مغطاة بنصوص ظنيِّة الدلالة، كُرِّم الإنسان فسُمح له أن يستنبط الأحكام الشرعية من الأدلة كلها، وهذا من تكريم الله للإنسان، سُمِح له أن يُبدع عن طريق الجينات وما إلى ذلك، وسُمِح له أن يُشَرِّع عن طريق النصوص المُحكمة وعن طريق الاجتهادات الفقهية، وسُمِح له أن يحكم فجعله الله خليفته في الأرض، هذا كله من تكريم الله للإنسان، لكنني كنت مرة في أمريكا فألقى إنسان محاضرة قال فيها: هنا في أمريكا ليس هناك شيء ثابت، كل شيء قابل للتعديل والتبديل والرفض، هذا هو الفرق الجوهري بين حياة المسلم الذي معه وحي السماء وبين حياة الإنسان الشارد الذي يمضي وقتاً وجهداً لا طائل منه للبحث في قضية مقطوعٍ بصحتها بقول الله عز وجل:

 

 

﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

 س ـ إذاً يمكن أن نقول للأخوة المستمعين أنّ الشريعة الإسلامية مقصدها وغايتها تحقيق مصلحة المخلوق بالدرجة الأولى والأخيرة والله عز وجل لا يعود له نفع من تحقيقك لهذا التشريع الذي نزَّله على رسله وأنبيائه، فضيلة الدكتور لو أننا رجعنا مرة ثانية إلى بعض حيثيات التقرير الذي أشرتُ إليه في بداية الحوار، التقرير الذي صدر عن منظمة دولية عالمية قبل حوالي ثلاثة أو أربعة أسابيع تفضلتم بأنّ هناك جريمة كل ثلاثين ثانية ما بين غصب وقتل وسرقة وما إلى ذلك، لكن أنا أرغب أن أقف مع الإخوة المستمعين من خلال الاستفادة من حضرتكم جزئياً من هذا التقرير، التقرير فيما أذكر يشير أنه كل أربعين ثانية حادثة اغتصاب من طرف الأقرباء أو الأصدقاء أو المُقرَّبين جداً من المرأة، هل هذا له مؤشر معين في ذهن فضيلتكم تودوا أن تلفتوا أنظار الناس إليه ؟
 ج ـ نعم يا سيدي، في شريعتنا الغرَّاء تفاصيل مذهلة عن علاقة الأقرباء فيما بينهم، ما الثياب التي ينبغي أن ترتديها البنت في بيت أبيها؟ نظن أنها يمكن أن ترتدي ما تشاء، لا، العلماء قالوا: ثياب الخدمة، ثياب محتشمة، ولو أنّ هذه البنت ابنتك، ولو أنها أمك، أتحب أن تراها عُريانة كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا.))

 

[ مالك ]

 هناك آداب الاستئذان، آداب التستُر.
 س ـ وكأن فضيلتكم تريدون القول بأن البنت في بيت أهلها وأقربائها لا يجب أن ترتدي ما تريد ؟
 ج ـ أنا فيما أعلم أنّ معظم البيوت المتفلتة قد ترتدي ثياباً شفافة أمام أخيها.
 س ـ لا أنا أتكلم عن موقف الإسلام من هذه القضية، هل يعني المسلمة الفتاة الصغيرة مثلاً إن كان عمرها اثني عشر عاماً أو أربعة عشر عاماً في بيت والدها أو في بيت عمها، هل تقول لها الشريعة أن تلبس ثياباً محددة ومعينة ؟
 ج ـ طبعاً، لأنه وكما تعلمون هناك أحكام تأديبية، وأحكام تشريعية، أنا حينما أكلِّف ابني أن يصلي في السابعة، وحينما أُكلِّفه أن يصوم في السابعة، حتى إذا ما أتى إلى سن البلوغ كان مهيَّئاً لهذه العبادة، فلا بد من أحكام تأديبية ينشأ عليها الصغار، أما حينما تُلغى كل القيود والحدود في البيت، حينما تتعرى الأخت أمام أختها، قد ينشأ من هذا انحراف، ألا نعلم جميعاً أنّ عورة البنت على أختها ثابتة، من الصُّرة إلى ما تحت الرُكبة، فإذا بدت المرأة أو البنت أمام أقربائها أو أمام مثيلاتها في الجنس في تفلُّتٍ شديد قد ينشأ من هذا التفلُّت انحراف خطير، أنا بحكم عملي في الدعوة إلى الله اكتشفت حقيقة وهي أنه ما من شيء حرَّمه الله أصلاً أو حرَّمه النبي استنباطاً إلا وعندي أمثلةّ لا تعدُ ولا تحصى عن الانحرافات التي نتجت عنه، الخلوة مثلاً بزوجة الأخ هناك آلاف الحوادث انتهت إلى الزنى، كل شيء حرمه الله هو تحريم خبير، أنا عندي قاعدة: أن العلاقة بين الطاعة ونتائجها هي علاقة علمية، أي علاقةُ سببٍ بنتيجة، هناك علاقة وضعية، وهناك علاقة علمية، قد أقول للطلاب: اخرجوا من هذا الباب، فمن خرج من الباب الآخر عاقبته، ليس هناك علاقة منطقية بين العقاب وبين الخروج من الباب، الذي أدى إلى الخروج. أنا وضعت هذه العلاقة، علاقة وضعية، أما حينما تضع ابنتي يدها على المدفأة تحترق، هناك علاقة علمية بين وضع اليد واحتراقها، أنا أُؤمن أن كل أمر إلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية، أي أنّ الأمر نفسه فيه سبب نتائجه.
 س ـ نعود مرة ثانية إلى النقطة نفسها أنه حتى في هذه الأشياء الدقيقة الشريعة وضعت أحكام لتحقيق مصلحة هذه الأسرة وهذا الفرد وهذا المخلوق ؟
 ج ـ ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 30 ]

 استنبط العلماء أن طريق حفظ الفرجِ هو غضُّ البصر، وقال تعالى:

 

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 187]

 معنى ذلك أنه لابد من هامش أمان بينك وبين المحارم، لا بد من مساحة أمان، أنت لو أنك وزير كهرباء ونصبت تياراً عالي التوتر، تضع لوحة تحذيرية، لا تقل للمواطنين: ممنوع لمس التيار، تقول ممنوع الاقتراب من التيار، لأنّ في هذا التيار مساحة تجذبك إليه، هناك شهوات فيها قوة جذب كبيرة جداً فمثلاً إطلاق البصر، الخَلوَة، الاختلاط، التعري، الاستماع إلى حديث ساقط، أن تصحب إنساناً سفيهاً، هذه كلها منطقة مُحَرَّمة، أنا أُشبِّه المعصية بنهم عميق مُهلِك، وله شاطئ مائل زلق هي الشبهات، وله شاطئ جاف مستوي، فمن سار على الشاطئ الجاف المستوي أَمِن من الوقوع في النهر، أما من سار على الشاطئ المائل الزلق، في الأعم الأغلب لا بد أنه سيقع، هذا معنى قول النبي الكريم:

 

(( رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ.))

 

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبي داود، أحمد، الدارمي، ابن ماجة ]

 وأذكر أني قرأت كلمة للسيد المسيح قال:
 ليس الشريف الذي لا يقترف الخطيئة، بل إنّ الشريف الذي يهرب من أسباب الخطيئة.
 س ـ فضيلة الدكتور إبراهيم أعود مرة ثانية إلى هذه الجزئية التي اقتطفناها، قضية الإحصائية التي خرجت، وأن الاغتصاب كَثُرَ، أليس هذا مؤشراً على تحلُّل نواة المجتمع التي هي الأسرة، أي إذا كانت الفتاة في المجتمعات الغربية أو المجتمعات المتمدنة تعاني مثل هذا، هذا يعني أنّ هناك خطر كبير جداً يهدد نواة المجتمع الذي هو الأسرة ؟
 ج ـ اسمح لي شيخ فداء في غيبة الحق لا بد أن يؤمن الإنسان بالباطل، وهذا الكلام لا أقوله أنا وإنما يقوله دالن في كتابه " روسيا البيضاء " يقول: إنّ الإنسان لا بد أن يؤمن، فإن لم يجد حقاً آمن بباطل.
 هذه الحضارة هي لم ترتبط أصلاً بتعاليم السيد المسيح عليه السلام، لأن السيد المسيح يقول: إذا كانت عينك ستقودك إلى الزنى فاقلع عينك، لأنه من الخير لك أن يهلك بعضك من أن تهلك كلك.
 ما يشير إليه هذا التقرير يُنبئ أنّ هذه الحضارة وإن كانت تمشي على ساقين من الثراء والثروة إلا أنها حضارة عمياء، فاقدة للبصر، فاقدة للإدراك.
 س ـ لكنها تحقق الكثير من مصالح الإنسانية في الظاهر ؟
 ج ـ نعم قد تحقق الكثير من مصالح الإنسانية، لكن تبقى هذه المصالح مخلوطة بشيء يُعكِّر على الإنسان صفو الاستمتاع بهذه المصالح، ويجعله مؤَرَّقاً، ومُفَزَّعاً، وخائفاً في كل لحظة من الليل أو النهار، الجريمة بأنواعها، المجرم أصبح نجماً، قصته تُباع بآلاف الدولارات، تُبَثُّ في السينما والمسرح، والحقيقة أن هذه النتائج التي أشار إليها التقرير، هذا التحلل الذي وصلت إليه الحضارة الحديثة ما حدث أصلاً إلا في غياب الإيمان الحقيقي، وكما تفضل أستاذنا، الإيمان عِصمة، هو لا يعصم الإنسان فقط من الوقوع في نار الآخرة، إنما هو يعصمه من الشقاء هنا في الحياة الدنيا، والقضية ليست قضية حماس لفكرة دينية نشأت من هنا أو من هناك، إنما هو حماس للحق الذي نزل من السماء، وفي نفس الوقت ارتباط، أو هكذا يجب أن يكون، لا بد أن يكون هناك ارتباط من الإنسان بأصله، وأصل هذا الإنسان هو صادر عن الله، والله جل جلاله هو الخالق، والمصنع هذا هو الذي يقرر عملية الصلاحية التي أشار إليها أستاذنا الدكتور في البداية، فكل خروج وكل مخالفة لأوامر الله لا بد أن يدفع البشر فاتورة حسابها ثمناً غالياً من دموعهم ومن دمائهم ومن حياتهم، وربنا عز وجل عندما يقول:

 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾

 

[ سورة الروم: الآية 41 ]

 أي ما نصنع، وما يئن منه العالَم، ما يشكي منه وما يُحذِّر منه كبار الفلاسفة والمفكرين في الغرب هو مجرد شدة أذن، هي قرصة بسيطة، إنما النتائج أكثر من هذا بكثير.
 س ـ نستجمع أنفاسنا إذا أَذِنتُم ونذكر السادة المستمعين بأننا سنستقبل اتصالاتهم إن شاء الله عز وجل مباشرة بعد قليل:
 السلام عليكم أريد أن أعود بكم إذا سمحتم لسؤال العورة، لأننا لا نزال نخطئ حتى الآن بأمر عورة المرأة أمام محارمها وخاصة أيام الحر، وكما تعلمون بأن السيدة المُحجَّبة تستطيع أن تأخذ راحتها في بيتها فقط، أريد معرفة عورة الأم أمام ابنها، عورة الابنة أمام أبيها، وعورة الأخت أمام أخيها، وعورة ابنة الأخ وابنة الأخت أمام أخوالها وأعمامها ؟ هل تسمح سيادة الأستاذ راتب بالإجابة ؟
 ج ـ أنا سأُجيب إجابتين، طالما تشكو الأخت المؤمنة أنّ الرجال لهن عبادات كثيرة يحضرون الجمعة والجماعات، ولهن الجهاد، ولهن كذا وكذا... أنا أُذكر الأخت بأن حجاب المرأة عبادة تتميز بها المرأة لأنها تُسهم في إعفاف الشباب مبدئياً، هذه عبادة تتميز بها المرأة، لقد خلقها الله محببة إلى الرجال، وهي ينبغي أن تكون محببة إلى زوجها ولمحارمها، هي ليست كلأً مَشاعاً يأكله كل الخلق، حينما تتحجب تسهم في إعفاف المسلمين، وحينما تتحجب لا شك أنّها تخسر بعض حريتها، الرجل قد يرتدي قميصاً بِكُمٍ قصير في الصيف فرضاً، يرتدي ثياباً خفيفة، رقيقة يرتاح بها، لكنّ المرأة حينما ترتدي ثياباً ساترة تتخلى عن بعض حريتها لكن مقابل أنّ الله اختصَّها بهذه العبادة، وهي عبادة تُسهم في إعفاف الشباب، هذه واحدة، أما الثانية قلت: ثياب الخدمة، أي نصف كُمْ تقريباً تحت الرُكبة، صدر مرتفع القماش في ثياب الخدمة أما شيء شفاف يصف ما تحته لوناً أو ثياب ضيقة تصف حجم أعضائها وخطوط جسمها، هذا يثير الأخ ولو كان أخاً، ولا سيما في عصر الجنس، نحن في عصر الجنس، كل شيء يدعو إلى المرأة وكأنها تُعبد من دون الله.
 س ـ فضيلة الأستاذ إن قلنا أنها تُعبد فهذا يعني أنَّها مُقدَّسة في ذلك، لكنها مُمتهنة لدرجة أنني أذكر في هذا السياق قبل حوالي أربع سنوات هنا في استراليا في إحدى الصحف أنّ شركة تويوتا عرضت دعاية لإحدى ماركات شركة تويوتا وهي سيارة كامبي تقول هذه الدعاية من حيث شكل الصورة تقول إنّ هذه السيارة واسعة من الداخل وإن كانت من الظاهر تظهر أنها صغيرة، أرادوا أن يُعبِّروا عن هذا المعنى بشيء فأتوا بامرأة حامل وأجلسوها على كرسي وهي عارية وصوَّروها من جنبها ووجّهوا سهماً إلى البطن يقول: إنه يتسع لمن فيه وإن كان في الظاهر أنّه ضيق وصغير، ثارت ثائرة المنظمات النسائية تلك الأيام، وقالت المنظمات النسائية ورفعت دعوى على شركة تويوتا: أنّ هذا امتهان للمرأة وإذلال لها واستغلال لها لأنها تُستَخدم لأجل ترويج البضائع وما إلى ذلك من أسباب امتهان للمرأة في الحياة المعاصرة ؟
 ج ـ اسمح لي يا شيخ بأن لا أكمل تصوره على جانب من الجوانب، أنا أتمنى لو يتفضل سماحة الشيخ إلى الجانب الآخر لأنّه إلى جانب ما أشار إليه مولانا هذا التستُر في نظري لا يُشكل حِكراً أو مصادرة لحرياته، لكن لا بد من تحديد المنطلق، أي من أي منطلق ننظر إلى المرأة، ومن أي منطلق ينظر الآخرون إلى المرأة، نحن ننظر إليها كشرف المجتمع وعِرْض الحياة، وشرف المجتمع وعِرْض الحياة لا يجوز أبداً أن يكون كلأً مباحاً لكل الأَعيُن، وإنما هي تمثل عندنا لوناً من ألوان القداسة والطهر يموت دونها الرجل الأب، ويموت دونها الابن، ويموت دونها الأخ ويكون شهيداً، وهذا هو الفرق في المنطلق بين من يتناولون المرأة، أي يحددون التعامل معها على أنها مجرد كُتْلِة غريزة، كُتلة إثارة، كُتلة عواطف، فقط كُتلة شهوات، وبين من ينظرون إليها على أنها عِرْض المجتمع وشرف الحياة.
 س ـ تحضرني كلمةٌ فضيلة الدكتور الأستاذ راتب قالها العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، هذه الكلمة مُفادها: أن الحضارة أو المدنية الغربية استعملت أسلوب التجربة في كل جزئيات الحياة، لكن شيئاً وفق ما تقرره الحكمة والتجربة الإنسانية لا يصلح لأن يدخل المعمل ويُجَرَّب عليه، وهو النفس الإنسانية، فالنفس الإنسانية غير صالحة ليجرب في أمرها، ولذلك الأصل أن تنضبط بأحكام الحق سبحانه وتعالى حتى تُؤَمَّنَ من الوقوع في المنزلقات ـ أتمنى من مولانا أن يجيب السيدة على الجزء الباقي، وهي تسأل عن عورة المرأة أمام المحارم ؟ أبوها وأخواتها ؟
 ج ـ أي ثياب الخدمة، الثياب الساترة، هناك ملمح لطيف هناك عالم في بعض البلاد الإسلامية أدار بحثاً علمياً دام عشرين عاماً عن آثار إطلاق البصر الجسمية فَتَوَصَّل إلى أن هناك هرموناً يجول في الدم عند الإثارة، هذا إذا جال في أوقات متباعدة بوضع طبيعي مفيد، أما إذا جال باستمرار أورث أمراضاً لا تعد ولا تحصى، ذكرتها في خطبة في دمشق قرابة نصف ساعة تقريباً، منها أمراض المفاصل بوقت مبكر جداً، وروائح كريهة تنتشر من الجسد، وأشياء دقيقة جداً من جَوَلان هرمونات الجنس بشكل دائم في الجسم، هذا الوضع غير طبيعي الذي يعاني منه البشر اليوم.
 س ـ في إحدى المحطات الهامة التي تبثها تركية اليوم، عندما رشح الحزب الإسلامي نفسه للانتخابات هناك، حدث أن الحزب الإسلامي كسب أكبر نسبة أصوات على مستوى أحياء استنبول، وكان ذلك الحي ممن يضم نسبة كبيرة من النساء المومسات، فدارت الصحافة في ذلك الحي وأخذت تثير أسئلة، تقول هذه الأسئلة: إنّ هذا حزباً إسلامياً، ومن أهدافه إقامة الحدود على الزُناة، وأنتن من أولئك، أي إذا استطاع هؤلاء أن يحققوا الحكم الإسلامي فأنتم من أولئك ممن ستطالُه العقوبات فكانت الإجابة رائعة من كثير من هؤلاء المومسات، قُلنَ: إن هذا الحزب الإسلامي يتبنى الإسلام كمنهج حياة ولو وصل إلى موقف صناعة القرار في المجتمع فإنه سيجعلنا نُعرِض عن هذه المصلحة ولو أنّ الحياة ثرية بالمال، ثرية بالشهوات، قوية في أسباب الحياة، لكن الإنسان حينما يُعرِض عن الله عز وجل يفقد الأمل قال تعالى:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ﴾

 

[ سورة الأنعام ]

 ج ـ وقد قالوا القلق مدمر، لأنَّ توقع المرض مرضّ أشد من المرض، أنت من خوف الفقر في فقر، أنت من خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، فالإنسان حينما يعصي الله ويخرج عن مبادئ فطرته يختل توازنه، فيفقد الأمل هذه واحدة، الشيء الثاني حينما قال تعالى:

 

﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 14 ]

 فمجتمع متشرد عن منهج الله يعاني من العداوة والبغضاء، ويعاني من فقدان الأمن والقلق، هناك شيء آخر الإنسان له عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، الحضارة الغربية بكل إنجازاتها، لم تزد عن ترفيه الجسد، وأهملت العقل والنفس، والعقل غذاؤه العلم، لا أقصد العلم المادي الذي نُحصِّله جميعاً ؛ أقصد العلم بالله، لأنه فرَّق بين الذكاء والعقل، ما كل ذكي بعاقل، قد نتفوق في اختصاص مادي ونبلغ قمة النجاح فيه، لأننا ما عرفنا الله، وما عرفنا سر وجودنا ولا غاية وجودنا، فنحن لسنا عقلاء.

 

(( وقد مر النبي الكريم في طُرِق المدينة برجل مجنون فقال من هذا؟ وهو يسأل سؤال العارف، قالوا: هو مجنون، قال: لا، هذا مُبْتَلى، المجنون من عصى الله ))

 فالإنسان حينما يحقق رفاهاً، بيتاً، تدفئة، تكييفاً، مركبةً، أجهزة، هذا كله للجسد، الآن بعض السيارات بعض الأزرار تعطيك حالات للمقعد مدهشة، كله للجسد، وقد أهملت الحضارة الحديثة حاجة النفس إلى الحب، وحاجة العقل إلى العلم الحقيقي، فإنسان أعرج نما جسمه على حساب عقله وقلبه فهو كالكاريكاتير.
 س ـ فلذلك ربما يصلح أن نحلل وفرة وكثرة الانتحار في المجتمعات المادية الغربية في إحصائية أشارت إلى أن أكبر نسبة انتحار في العالم، إنما هي في العالم المتمدن والمتحضر، وذكروا أن السويد التي تمثل قمة النموذج الرأسمالي الغربي هي التي تضم أكبر نسبة انتحار في العالم، في الوقت الذي بلد آخر كبنغلادش والهند والباكستان التي تعاني فقراً مدقعاً لا تكاد تسجل نسبة انتحار إلا قليلة جداً، وهذا يعني أن البشرية هناك في أوروبة وفي السويد تعيش حالة من القلق ومن عدم الشعور بالأمن، فتريد أن تختصر على نفسها الطريق فتصل إلى خاتمة المشوار وخاتمة الرحلة.
 ج ـ يا سيدي فقط تعقيب بسيط حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾

 تساءل بعضهم ما حال الأغنياء والملوك والدنيا كلها بين أيديهم، فكان الجواب ضيق القلب، أي في قلب المنحرف ضيق لو وُزِّع على أهل بلد لكفاهم.
 أرجو أن يسمح لي الدكتور راتب بمداخلة بسيطة الحقيقة أن هناك شِق واحد تفضل بالإشارة إليه أستاذنا وهو إشباع الجانب المادي في الإنسان، الإنسان ما هكذا خُلِق، وإنما هو خُلِق مزيج من المادة والروح، وغذاء المادة من الأرض، غذاء الروح لا بد أن يأتي من المصدر الذي خُلِق منه الروح، الجانب الآخر أنّ الشهوات كالنار، النار كلما أعطيتها، كلما زدتها وقوداً كلما زاد اشتعالها، فهي لا تقف عند حد ن وإنما كلما أطعمتها كلما زاد لهيبها، فالشهوات كالنار، الإشكالية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، خصوصاً في مجتمعات أوروبة ونحن نتحدث عن قضية الاقتصاد أنّ الحضارة الحديثة أباحت كل شيء، لكن الآثار التي جاءت نتيجة هذه السلوكيات الشاذة كانت مُفزعة، فالشهوات بلا ضابط، والنتائج مُفزعة، والإنسان يحتاج، ماذا يفعل ؟ بدأ الآباء يعتدون على بناتهم الأطفال، على أطفالهم، لماذا ؟ لأنهم يقولون لك: هذه نظيفة، لم يلمسها أحد بعد، فبدأ الآباء والأبناء يعتدون على بناتهم وأخواتهم، وهذا شيء طبيعي جداً لقضية امتلاك المجتمع بلا ضوابط أخلاقية، لأنه عندما يقول أحد الفلاسفة هناك: لماذا تُشككون في وجود الله ولولاه لخانتني زوجتي وعاقَّني ولدي وسرقني خادمي ؟ وجود الإيمان ضرورة ليس فقط ضرورة لنجاة الإنسان في الآخرة، وإنما ضرورة لضبط حركة الإنسان في الحياة، لأنّ الإنسان بلا ضابط كالسيارة بلا فرامل.
 أي حينما أمرنا ربنا أن نكون مستقيمين أمر مليار ومئتا مليون أن يلتقوا معنا، حينما أمرنا أن نغض البصر أمر مليار ومئتا مليون أن يغضوا البصر عن نسائنا.
 شاب في بلاد الغرب رأى فتاة فأعجبته، فاستشار والده أن يتزوج منها، قال له: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، ثم رأى فتاة أخرى أعجبته استشاره أيضاً فقال له: لا يا بني إنها أختك أيضاً وأمك لا تدري، فلما رأى الثالثة أجابه الجواب نفسه، فضجر وحدَّث أمه بهذا فقالت له: خذ أياً شئت ولا تبالي، فأنت لست ابنه وهو لا يدري.
 س ـ هذه الصورة التي تحدثنا عنها في بداية الحديث حتى الآن هي صورة قاتمة، مظلمة عن المجتمع الرأسمالي المعاصر الغربي، لكن يقول كثير من المسلمين ونحن ربما نكون منهم: إنّ هذا المجتمع يحمل أيضاً معانٍ راقية، سامية، ناضجة، فلو سأل سائل: كيف ترون أن ينظر المسلم إلى هذا المجتمع ؟ هل نظرة احتقار أم نظرة احترام ؟ والمسلم إن نظر نظرة احترام هل لأنه ربما لا يملك هذا الذي يملكونه ؟ وكذلك إذا نظر نظرة احتقار هل لأنه يملك وهم لا يملكون ؟ أنا أحب أن أقول في هذه الجزئية مستفسراً، المسلم يعيش في مجتمع فيه الكثير من المعاني الإنسانية الراقية الناضجة، التأمينات، التعاون، الاستطباب، الرقي المادي، صناعة التكنولوجية، صناعة الحضارة الإنسانية، هذا كله يجعلنا نقول: إنها تخدم الإنسانية، فهل المسلم ينظر إلى هذا نظرة احترام أم نظرة ازدراء، فضيلة الدكتور الأستاذ راتب ؟
 ج ـ كأن النبي الكريم فيما يروى عنه في بعض الأحاديث قال:

 

 

((الذنب شؤمّ على غير صاحبه، إن ذكره فقد يغتابه، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم وإن عيره ابتلي به ))

 إذ ينبغي أن تقف من سقوط المجتمع موقفاً دقيقاً، لا أن تحقد عليه بل أن تشفق عليه، كأنك طبيب، لأنهم جهلة، لو عرفوا الله لما فعلوا هذا أنت تشفق عليهم وفي الوقت نفسه تبذل جهدك كي تنقذهم مما هم فيه دون أن تعتز باستقامتك، إنك إن فعلت هذا ابتُلِيت بما ابتُلوا به، لأنك اعتددت بها.
 س ـ هذا كلام خطير يا سيدي، ليتكم تزيدوننا تفصيلاً إذا سمحتم؟
 ج ـ ينبغي إذا وفِّق المرء إلى طاعة الله ينبغي أن يذوب شكراً لله على أن أعانه الله والدليل قول سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم:

 

 

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

 

[ سورة يوسف: الآية 33 ]

 فأنا جاهل إذاً، فإذا عصم الله أحدنا من أن تزل قدمه، فهذه نعمة ينبغي أن يذوب شكراً لله فيها، لا ينبغي أن يُعَيِّر أحدنا فلعل الله يبتليه، لا ينبغي أن يحتقر أحداً فإنّ ذلك لا يرضي الله عز وجل، المؤمن رحيم، كما لا ينبغي أن يُقِرَّ على معصية:

 

((عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا))

 

[ أبو داود ]

 لو سمعتَ عن قصة زنى في آلا سكا مثلاً وقلت: حقَقَ رغبته وفعل شيئاً ارتاح به، فرضاً، شاركته في الإثم:

 

(( عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا))

 

[ أبو داود ]

 فهذا الحديث دقيق إن ذكره فقد اغتابه، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم، وإن عيَّره ابتُلِي به.
 س ـ فضيلة الدكتور إبراهيم ما رأيك ؟
 ج ـ في الحقيقة شكراً للدكتور راتب على هذه التوجيهات اللطيفة، ومن إقرار الحقيقة أن ننظر في معطيات وثمار الحضارة الغربية نظرة إنصاف، والمسلم مطالب أن يقرر حقائق حيثما كانت، ولا ينتقص من قدر الآخرين لمجرد أنهم يخالفونه في العقيدة والدين والرأي وما إلى ذلك، وإنما ينظر إلى الأشياء بمنظار العدل المطلق وقد قال تعالى:

 

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 8 ]

 وعندنا في دين الله الحق فوق القوة، والعدل فوق الخصومة، وإنسانية الإنسان فوق كل اعتبار، فالنظر إلى الحضارة الحديثة ينبغي أن يكون بمعيار العدل المطلق، لا شك أن هنالك معطيات جيدة جداً حضرتك نظرت إليها، وأشرت إليها، وسماحة الشيخ حَدَّدَ موقفنا منها، لكن الإشكالية في ماذا ؟ الإشكالية هي ـ وأنا أُثَنِّي على كلام سماحة الشيخ ـ إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل بها على خلقي، لابد أن نلتفت إلى هذه النقطة، لم يستطل بها على خلقي، نحن لدينا رسالة ارتبط بها إنقاذ العالم من الظلمات إلى النور، وأنا أذكر ولعلكم تذكرون معي كتاب العلاّمة أبو الحس النجوي ماذا خسر العالَم بانحطاط المسلمين، كأنّ انحطاط المسلمين في الزمن المُعاصر وعدم إشعاع القدوة التي تأتي من خلال شخصية المسلم عبر القرآن الكريم، وعبر سُّنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنّ القرآن يجب أن ينضَح أو ينعكس قيماً في حياة المسلم، وهذه القِيم المنعكسة في حياة المسلم يجب أن تنضح على المجتمع المحيط بالمسلم، الإشكالية يا سيدي الفاضل أنّ هذه المجتمعات رغم غيابها عن الله، لكن هناك جانب إنساني مُقَدَّر، ونحن نقدِّر هذا الجانب ونُشيد به، وعلى الإطلاق نظرتنا إليه نظرة تقدير واحترام، لكن الجانب الآخر هم يحتاجون إليه، هذا الجانب هو بلسم تلك الجراح، هذا البلسم نحن نملكه، لكننا وللأسف الشديد عاجزون عن تقديمه لهؤلاء الناس، لماذا ؟ لأنّ أغالبنا دولاً ومجتمعاً وأفراداً لم ننتفع به مع الأسف الشديد وبالتالي لا يمكن أن ننقله للآخرين لأن المجتمعات الإسلامية مع الأسف الشديد لم تنتفع بهذا البلسم انتفاعاً كاملاً، لذلك نحن عندنا في القرآن ربنا عز وجل يقول:

 

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 82 ]

 فالمطلوب الأمة التي تحمل هذا الشفاء وأنا واثق أنّ العالَم سينقاد إليها في سِلم لا في حرب إذا هي حققت ما يقوله هذا النص، نحن نعيش في استراليا، وصل الإسلام إلى هنا، ووصل الإسلام إلى إندونيسيا، الإسلام لم يصل إلى إندونيسيا عبر معارك حربية، ولا عبر حروب، ولا عبر غزوات، وإنما جاء بأخلاقيات التُّجار، أي انتقل إلى الناس بأخلاقيات التجار، وإندونيسيا تمثل اكبر شعب مسلم في العالم الإسلامي كله، أي كما في العالَم العربي كله، فالمطلوب إحياء هذه القِيم مرة أخرى، وأنا مرة سُئِلت في أحد المساجد، هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت ؟ وأجبت نحن عاجزون عن توصيله إلى الأحياء، اسألوا أولاً عن كيفية توصيل القرآن إلى الأحياء، إذا استطعنا أن نوصل القرآن الكريم لا بحروفه وكلماته فقط وإنما بمعانيه وتطبيقاته، إذا استطعنا أن نوصل القرآن الكريم إلى المجتمعات المسلمة والأمة المسلمة، واستطاعت هذه الأمة أن تحيا به لا أن تحيا عليه، وهناك فرق بين أن تحيا على الإسلام أو أن تعيش في مجتمعات المسلمين وأن يعيش الإسلام فيك، هذا هو الفرق، فرق بين من يعيش في مجتمعات المسلمين، ومجتمعات المسلمين أزياء وتقاليد وعادات، وفرق بين من يعيش في الإسلام وحياة الإسلام إخلاص وعقيدة وثبات، وفرق بين مسلم يخضع للتقاليد وينقاد، وبين مسلم ينطلق من دينه مفكراً ويقود.
 س ـ إذاً المسلم في مبعوثه للمَدَنيِّة المعاصرة وما يحيط به من خدمات إنسانية هي نظرة انتقاء، فما يحقق مصلحة الإنسان حقيقة فهو مُقدَّر ومحترم، وما ليس كذلك هو محط نظر وسعي للإصلاح وتقديم النصح؟
 ج ـ في مصر سُئِل أحد الأدباء ماذا نأخذ وماذا ندع من حضارة الغربيين ؟ قال نأخذ ما في عقولهم وندع ما في نفوسهم، أي إحساسنا مُلكَنا وإحساسهم مُلكَهم، والحضارة والثقافة قدر مشترك بين الأمم، فإن ثقافة أية أمة هي كمثابة عسل استُخلِص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال، وهل يُعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها.
 س ـ تعليقاً على هذه النقطة قبل أن تنتقلوا إلى نقطة أخرى ربنا سبحانه وتعالى ـ والله نحن عشنا في بلاد مسلمة وعشنا في هذا البلد ـ ربنا منَّ علينا قال تعالى:

 

﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾

 

[ سورة قريش: الآية 4 ]

 كما منَّ على قريش، والله في هذا البلد غير المسلم عرف الإنسان إسلامه، وربنا أطعمنا فيه من جوع وآمنَّا من خوف، ويكفي أنّ إيجابياته ـ كما تفضَّلت ـ أنّ فيه إيجابيات وفيه سلبيات كأي مجتمع، فأنا عندي الحرية الكاملة في قبول الإيجابيات وترك السلبيات، فهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى غير مُتاحة في كثير من البلاد.
 أنا أريد أن أُضيف كلمة: وهل هذه الحرية مُتاحة لابنك أيضاً؟
 نعم.
 ج ـ لكن أنا أقول للأخ الفاضل الكريم وهو من الإخوة الموثوق بدينهم وأمانتهم إن شاء الله، أقول له: لم يُعرِّفك المجتمع الغربي بدينك لكن تيسَّر لك البحث عن دينك والتفرغ لذلك، أي الفرق بين أن يُعرِّفني المجتمع الذي أعيش به بديني وبين أن أعرف أنا هذا الدين، نحب أن نقول للسادة المستمعين ولكل مسلم، أنّ المجتمع الذي نعيش فيه، فيه متسع كبير للبحث عن الحقيقة، وهذا المُتَّسع وهذا الهامش الكبير الذي يتركه المجتمع للبحث عن الحقيقة يُرشد كثيراً من المسلمين إلى دينهم، ولكن يأخذ كذلك كَمٌ مهولٌ من المسلمين بعيداً عن دينهم، فالقضية إنما هي قضية انتقاء.
 والله أنا أقول قبل الانتقاء هي قضية توفيق من الله عز وجل، هناك إنصاف يا سيدي، يقول بعض العلماء: الدنيا تستقيم بالكفر والعدل ولا تستقيم بالإيمان والظلم. وفي إمارة الإمام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه التي تمثل خلاصة الشريعة في نظر كثير من علماء مقاصد التشريع: إن الله لينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، يقول كثير من علماء الأصول ممن تبع عصر الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إنّ هذه الكلمات قد سبقه إليها الإمام الشافعي بما في معناها، لكنها تمثل خلاصة الإسلام، ونستدل على ذلك بقول الله عز وجل:

 

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾

 

[ سورة الحديد: الآية 25 ]

 فالمقصد من التشريع إقامة العدل في حياة البشرية، فإذا تحقق العدل هنا فهذا مقصد من مقاصد الإسلام، والحقيقة أنّ العدل لا يتحقق إلا بالحرية، لذلك كانت الحرية في الإسلام قبل الإيمان.
 س ـ والله أنا أرى يا فضيلة الدكتور أن الحديث عن قضية الحرية وأثرها في صناعة العدل يحتاج إلى مقدمة طويلة، لأنه يحدث عند غير حضرتكم من كثير من المسلمين الحرية المنضبطة، الحرية المسؤولة ؟
 ج ـ نحن حينما نتحدث عن الحرية نتحدث عن الحرية بالمفهوم المُنضبط، لا نتحدث عن حرية الحيوان، هذه ليست حرية على الإطلاق، حتى لدى غير المسلمين هي ليست حرية حينما يمارس الإنسان شهواته بلا حدود ولا ضابط، هذه ليست حرية، وإنما هي حرية البهائم.
 السلام عليكم، أحببت فقط بمداخلة بسيطة لو سمحتم لي، ونحن طبعاً لا نتطاول على موقعكم، حقيقة من خلال اختلاطي ببعض الإخوة في الجامعات أنت تعلم بأنّ النقاط تتداخل، فنحن كأمة كوننا الآن في موقع مُهَيمَن عليه من الحضارة الغريبة فأحياناً يصبح عندنا نوع من الانضباع، وأحياناً يحدث حوار معنا فتجد أناساً يقولون لك: أنت ترفض الحضارة الغربية بينما تستعمل السيارة والطائرة وكذا، فكيف تأخذ شيئاً وتترك شيئاً آخر ؟ ونحن نعرف أنه في أواخر الدولة العثمانية من المشاكل التي حدثت ولوجود الجهل أنهم رفضوا أخذ بعض المدَنيات كالمطبعة، والهاتف بحجة أنها من صناعة الكفار بينما حقيقة لم نرفض إدخال بعض القوانين الغربية التي كان يجب رفضها، فعدم الوضوح بين ما يجوز أخذه وما لا يجوز قد يوقعنا في متاهة في المستقبل أيضاً، ونحن نعيش في الغرب ونختلط مع الطلاب في المدارس والجامعات وما إلى ذلك، السؤال الذي يتردد دائماً ماذا نأخذ وماذا نترك ؟ أي ما كان من نتاج الإنسانية موضوع العلم والمختبر والتجربة والآلة فهذا نتاج المجهود البشري، فلا يُقال علم إسلامي أو أوروبي أو رأسمالي أو اشتراكي هذا كله للبشرية، والبشرية كلها تضافرت جهودها في تنميتها، فالأمر الطبيعي أن نأخذ من حيث انتهت البشرية وبالتالي لا مِنَّة لأحد على أحد، أما ما يتعلق بحضارتهم من باب عقيدتهم وأفكارهم وتجاربهم مع الحياة من حلال وحرام، وما يجوز وما لا يجوز، الأصل أن يوضع سد كبير بين أبنائنا وبين عقولنا وبين الحضارة الغربية، على اعتبار هذه الحضارة نتاج البشر.
  اسمحوا لي أن أُمهِد، أفتح الباب فقط، هناك خلط واضح جداً بين عالم الأشياء وعالم الأفكار، الوسائل خلقها الله محايدة، ليس هناك تلفزيون مسلم وتلفزيون كافر، ولا طيارة مسلمة وأخرى كافرة، ولا سيارة مسلمة وأخرى كافرة، والخلط المُتَعَمَّد أحياناً يحدث بين عالم الأشياء وعالم الأفكار، نحن مطالبون أن نأخذ ما انتهى إليه العالم كله فيما يتصل بالأشياء، والحضارة أي حضارة الأشياء تراكمية، ومعنى أنها تراكمية أي أن كل جيل لا يبدأ من فراغ وإنما يبدأ من حيث انتهى الجيل الذي قبله، فيما يتصل بالأشياء، وبالتالي نحن لنا موقف من الأفكار، الأفكار شيء آخر، الخلط الذي يقع الآن هو أن هناك من يطالب بأن نلتحق ولا نلتحق فقط وإنما نلتحق وننسحق، نذوب في حضارة الغرب، ولا يُفَرِّق بين الشيء والفكرة، الحقيقة نحن نتوسَّم فيمن يطرح هذا الطرح سوء النية أو سوء الفهم، أو هما معاً، ولابد من توضيح المواقف، حتى لا نقع في عزلة عن الدنيا، وطبعاً حضرتك أشرت إلى خطأ، أنا أعتبره خطأ خطير، لأنه يحرِم المجتمع الإسلامي من رصيد التجارب الإنسانية في عالم المادة، وهي تجارب ملك للجميع، فلماذا أُحرم أنا منها، فيما يتصل بالأفكار نحن يا سيدي الفاضل لسنا متسوِّلين، وإنما لدينا ثروة يمكن أن نُصَدِّرها للآخرين فينتفع بها الآخرون، لكن الخلط يأتي من الداخل ومن الخارج، من الخارج المجتمع الآخر يريد أن يفرض ليس صناعاته فقط بل ربما يريد أن يحرمنا من صناعاته، ويفرض علينا قِيَمَه الباطلة، وقِيَمَه الفاسدة ن ونمط حياته في الصغير والكبير، طبعاً هذا لا بد من مقاومته، ولا بد من إغلاق الأبواب والنوافذ والثغور، لأننا إن فتحنا هذا الباب لن يأتي لنا منه إلا رياح الخماسين المُحمَّلة بجراثيم الوضاعة والمعصية وفقدان المناعة.
 أذكر قول لبعض المفكرين قال: أنا أفتح النوافذ لأجدد هواء غرفتي، لكن لا أسمح للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري.
 س ـ إذاً المسلم أمام هذا المجتمع لا بد له من عقلية انتقائية مُنصفة، ينظر إلى الخير فيأخذه، وينظر إلى الشر والباطل فيتركه ويودِّعه، وأساس هذا كله ما أشار إليه فضيلة الدكتور الأستاذ راتب هو العلم والمعرفة بشريعة الله سبحانه وتعالى.
 ج ـ سيدي أنا أتَّبع في أمر ديني وأُطوِّر حياتي وفق معطيات العصر، وفق منهج الله، المسلمون ابتدعوا في دينهم، وقلَّدوا في دنياهم، فضاع الدين وضاعت الدنيا، الأصل أن أتَّبع في الدين وأُطوِّر في الدنيا.
 س ـ حقيقة الكلام واضح وجميل، وقد استفدنا كثيراً من موضوع الأفكار والأصل أن لا نأخذها من النظام الغربي، هذا كلام جميل وصحيح، لكن يدخل علينا أحياناً خطأ قد لا نلتفت له، طبعاً أننا في الغرب هنا نعيش ليل نهار ولها واقع عملي مثل الحرية، هذا الواقع موجود في ذهن كل طفل يعيش في هذا البلد، وكل شاب تربى في هذا البلد، فنحن عندنا خطورة حقيقة، وهي محاولة أخذ المصطلح الموجود حالياً وله واقع مجسد، محاولة إعطائه مدلول آخر من الصعب حقيقة أن نجعل أبناءنا يلمسوا المدلول الذي نريد أن نأخذهم إليه، فعندما تقول حرية سواء حرية شخصية أو حرية العقيدة أو حرية الكلام فهذا أمر يعيشونه يومياً، فأنا أقول يعني لو نتواصى بالحق، بمعنى نحن عندنا مصطلحات شرقية، مصطلحات لغوية نتعاون على بثها بدل أن نأتي بالمصطلح الغربي ونعطيه معنى آخر، هذا الكلام سيكلِّفنا الكثير، ويبقى الخطر أيضاً موجود فأنا أحببت أن أُنبِّه لهذا الأمر.
 ج ـ أنا أُعقب على ما تفضل به أن الطرف الآخر أي أعداء المسلمين يستخدمون المصطلحات أساساً لتدميرنا، فمثلاً من يقوم بعمل إجرامي يسمى عمل أصولي، ضياع أرض فلسطين وتشريد شعب آمن أزمة الشرق الأوسط، فكل المصطلحات التي تأتينا من الغرب مدروسة بعناية فائقة كي تدمِّرنا، فأنا أقول: هناك حرب مصطلحات.
 جزاك الله خيراً مولانا، وأنا أُثنِّي على كلامك أستاذنا، ونحن في المؤسسة سنقيم محاضرة إن شاء الله تحت هذا العنوان تحديداً: حرب المصطلحات. وأقول أن أي مصطلح يحمل الخلفية الحضارية للبيئة التي نشأ فيها، كما يحمل طبيعة الصراع في هذه البيئة، وما يجوز مع الأسف الشديد، أي ما يجوز أن نكون تابعين في كل شيء لمن ليسوا في دين الله على شيء، نحن ننظر إلى الأمور بمنظار آخر، نحن ننفتح أولاً على كل شيء، لكن لا بد أن يكون لدينا القدرة على الفرز والغربلة والتمحيص، قال تعالى:

 

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ(18)﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 18 ]

 عندنا حسن وعندنا أحسن وأحسن هو اسم تفضيل، فالمسلم مُطَالب دائماً أن يكون في معالي الأمور، حتى في علاقاتنا الداخلية، الفتاة المُتفلتة اسمها فتاة سبور، وعصرية، والمنافق لَبِق، والذي يأكل المال الحرام شاطر، هذه مُصطلحات مُضَلِّلة.
 سيدي الكريم شكراً لمُداخلتك، في المركز الإسلامي في أمريكا الشمالية أَجْرَوا إحصائية حدَّثنا عنها الدكتور أحمد رسلان وهو من خبراء المجتمع الأمريكي، عالِم اجتماع مُتخصص، قال: أُجرِيت إحصائية في أمريكا من جهة من الجهات بتنسيق مع المسلمين، ما هي أكثر المصطلحات المُؤثرة سلبياً على نفسية الإنسان الأمريكي، وعرَضوا عليهم مجموعة من المصطلحات منها مصطلح الحرية، مصطلح العبودية، مصطلح التفلت، فوجدوا أنّ أكثر المصطلحات تأثيراً سلبياً على النفوس والتي تجعل المواطن الأمريكي ينفر هو مصطلح العبد وقالوا: إنّ هذا المصطلح يذكرهم بالتاريخ الأسود الذي عاشته الولايات المتحدة الأمريكية من استعباد للسود وما إلى ذلك، فيقول الدكتور أحمد رسلان: دفعنا مثل هذا إلى أننا أوصينا في أثناء ترجمة القرآن الكريم والحوارات بيننا وبين المجتمع الأمريكي ألا نستخدم كلمة (slaves) أي كلمة عبيد، وإنما نستخدم كلمة تتضمن معنى الانكسار والثقة والاطمئنان مع هذا الانكسار. هذا الفرق بين عبيد وعباد أشار إليه القرآن، هناك عبد يُجمَع على عبيد هو عبد القهر، وهناك عبد يُجمع على عباد هو عبد الشكر، فكل إنسان مقهور في العبودية لله، مقهور بالتنفس وتناول الطعام والشراب، أما الذي عرف الله طواعية وأقبَل عليه هذا عبد الشكر قال تعالى:

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾

 

[ سورة الفرقان: الآية 63 ]

 وقال أيضاً:

 

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (17)﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 17 ]

 وقال تعالى:

 

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 46 ]

 اللقاء ممتع وشيِّق ويحتاج ليس فقط إلى إضافة نصف ساعة وساعة بل أكثر من ذلك، وأنا الحقيقة أشفق على سماحة الدكتور الشيخ راتب النابلسي كان في محاضرة قبل أن يأتي إلى هنا في الإذاعة، ولكن رغبة المستمعين تجعلنا نقبل اتصالين قبل أن ننهي هذا اللقاء.
 س ـ السلام عليكم إن كان الإنسان على الطريق الصحيح ولكن أراد أن يدعو من حوله من أهله وأصدقائه، ما هو الأسلوب الصحيح الذي يجب أن يتبعه الإنسان ليقرِّبهم أكثر من أن يُبعدهم.
 قبل أن أطلب من الكرام الأفاضل أن يجيبوا على هذا السؤال أقول بوجود الأستاذ راتب نود أن نخصص حلقة للحديث عن أساليب الدعوة الناجعة والنافعة في حياة المسلم لأنه سؤال كبير.
 ج ـ اسمح لي بكلمتين من فضلك الإحسان قبل البيان، والقدوة قبل الدعوة، أحسني قبل أن تُبَيِّني، وكوني قدوة قبل أن تَدْعِي.
 س ـ مثلاً شخص في رمضان ذهب لعند أهله وأراد أن يقرأ القرآن وأن يتعبد، فيجدوا ذلك زائد عن اللزوم، هم يظنون طبعاً أن هذا الأسلوب خاطئ، يعتقدون أن فرائض الصلاة تأخذ وقتاً، فهل على الإنسان أن يقلل من قراءة القرآن أثناء زيارته لأهله ؟
 ج ـ لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف.
 س ـ السلام عليكم، هو تعقيب أو مداخلة بسيطة عن الموضوع الذي تحدثتم فيه قبل قليل عن ما يمكن أن نختاره أو لا نختاره من هذه الحضارة أو المجتمع الذي نعيش فيه، فأود الاستماع من الأستاذ راتب بالأخص عن الأمور التي تُفرَض على المهاجرين لهذه المجتمعات، خصوصاً أنه يُفرَض على أبنائنا اللغة، يُفرض عليهم العادات والتقاليد المُخالفة، تُفرض عليهم مناهج، تُفرَض عليهم وسائل إعلام مختلفة، وهذا شيء خطر جداً مقارنة بما أختار وما لا أختار ؟
 ج ـ أنا أنصح الإخوة الكرام في المَهجَر ألا يوازنوا بين حياة وادعة مُرفَّهة في مهجرهم وبين حياتهم في بلد آخر في طور النمو، ينبغي أن يُوازن بين الدنيا والآخرة، فحيثما أمكنك أن تطيع الله فأقم في هذا البلد أما إذا حال البلد بينك وبين طاعة الله ـ كلام دقيق وعلمي وله قواعد ـ فأنقذ آخرتك، أما أن تقول لا أستطيع هذا كلام غير علمي، أنا لا أُحمِّلك ما لا تطيق، لكن أدفعك في أن تكون جاداً في أن تتقي الله في نفسك.
 س ـ في علم الأصول هل هناك سؤال آخر ؟
 ج ـ لا، شكراً.
 س ـ فيما تكرر في كلام الأصوليين في علم الشريعة بأن فرض الكفاية إذا لم يقم به البعض لحق الإثم بالجميع، بالنسبة إلى ما أشرتم إليه فضيلة الأستاذ الدكتور راتب المجتمع الغربي الذي يحتضن كماً كبيراً من المسلمين، لا تُعالَج مشكلة المسلمين كمجتمع ضمن هذا المجتمع، على نطاق فردي نقول للبعض اخرج وأنقذ آخرتك قبل أن تَهلِك، هناك خطر كبير يواجه المجتمع الإسلامي الكبير، نحن هنا في استراليا عندنا أكثر من سبعمائة ألف مسلم استقرت بهم الحياة، ومارسوا كل أنواع التشعب داخل هذا المجتمع، قد يقبل مئتي ألف من المسلمين أو لا أقول يقبل، قد يتيسر لمئتي ألف من المسلمين أن يرجعوا لكن فرض الكفاية الذي يُوجب على المسلمين في هذه البلاد صناعة المؤسسات التي تحفظ الشخصية الإسلامية لا يزال بحاجة إلى حديث طويل.
 ج ـ هذا ينطلق من قول النبي الكريم:

 

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ.))

 

[ الترمذي، الدارمي، أحمد ]

 أي إذا حالت الظروف بينك وبين أن تعود إلى بلدك، ينبغي أن تُهيِّأ أسباب طاعة الله لك ولأولادك في المهجر.
 س ـ هذا على المستوى الفردي، لكن ماذا عن قضايا لا يستطيع أن يقوم بها الفرد المسلم، أنا أذكر مثال يسير قبل أن نختم، مشكلة تعليم السباحة الإلزامي لأبنائنا وبناتنا في المدارس هناك قانون في هذه الدولة يجب أن يسبح الطفل مسافة خمسة وعشرين متر بأمان وسلام ويستطيع أن ينقذ غيره عند الحاجة إلى إنقاذه، إذا أردنا أن نقبل تطبيق هذه المفردة الصغيرة من حياة أبناء المسلمين في المدارس، يعني أن الشاب أو الفتاة أو الطفل المسلم في الصف الثالث الابتدائي أو الخامس أو السادس أو البكالوريا عندما يذهب للسباحة ويريد أن يستحم بعد التمرين، سيرى تَكَشُّفاً للعورات في حوض الاستحمام لا حدود له، ولا يستطيع أن يضبطه والمشكلة أنك لا تستطيع أن تقول لولدك لا يُسمح لك، لأن القانون يُلزِمك أن ترسل ولدك، المشكلة تعود مرة ثانية إلى أنّ المسلمين والجالية الإسلامية والقائمين على مصالح الجالية الإسلامية لا يزال الواحد منهم ينظر إلى هذه القضية على أنها ليست من الأولويات، ولنَقُلْ مثلاً قضية طعام وشراب المسلمين مسألة تحتاج إلى تفكير، طعامنا اليومي كما كان يقول بعض أهل الله من السلف: ما من مسلم يطعم طعاماً فيه شبهة إلا ألحقت بقلبه نقطة سوداء، هناك شيء يؤثر في نفسه، المسلمون اليوم يعيشون في حالة من الفوضى، ونرجع مرة ثانية لنقول: إن فرض الكفاية في تنظيم هذا الأمر للمسلمين لا يزال إلى الآن بحاجة إلى تطبيق، فأنا أحببت فضيلة الأستاذ الشيخ راتب أن نذكر بهذه الجزئية، ونخصص لها حديثاً خاصاً ليس على المستوى الفردي، قضية اجتماعية، ما رأيك أستاذ إبراهيم ؟
 ج ـ شكراً لك على هذا الضبط لمسار الموضوع لأنّ الإشكال سيدي الفاضل أنّ كل واحد يسأل فقط ويريد إجابة ربما تعفيه من المسؤولية، لكن لا بد أن نذكِّره قبل ذلك بضرورة أدائه لدوره، المشكلة هي أننا نحن قرابة أكثر من سبعمئة ألف، لكننا نعيش مُهَمَّشين، لا حضور لنا، لا تأثير، ولا قوة، وغيرنا له قوانين معينة في الطعام والشراب فرضوها على الآخرين، وأَضْحَت لهم مسالخ خاصة ولا يسألون إن كان هذا مذبوحاً على طريقتنا أم لا، بل لهم مسالخ خاصة، ولهم محلات خاصة، ونحن لا زلنا نقول هل الذبح بالطريقة الفلانية ممكن ؟ أي نحن قوة شرائية هائلة، والمجتمع الذي نعيش فيه لا يعرف إلا لغة المصلحة، هناك لغة عالمية أو لغتين عالميتين الحقيقة كلاهما يتناقض مع الأخرى، هناك الأخلاق لغة عالمية، والمصالح أيضاً لغة عالمية، ولا بد من استعمال اللغتين لدينا نحن المسلمين، أي نحن قوة شرائية هائلة، ولغة المصلحة تفرض على التاجر الذي يريد أن يبيع وأن يكسب وأن يربح تفرض عليه أن يلبي احتياجاتنا إذا كان فيها مصلحة له، فنحن لا نستطيع أن نواجه الخطر أفراداً، ولا بد من أن نعمل معاً، وأن نلتقي معاً، وأن نتدارس معاً، وأن يكون لدينا منهج وخطة، ولا بد أن يكون لدينا برنامج نستطيع أن نفرضه على مختلف المؤسسات المعنية في الدولة التي نعيش فيها، وهم يحترمونك، صدقني إن هذه الفرضية التي طرحتها استجيب لها في بعض المدارس، عندما قالوا لهم يوجد مسابح في المكان الفلاني تفصل البنات عن الصبيان قالوا لهم حسناً هل تستطيعوا أن تُؤجروا لنا هذه المسابح واستأجروها.
 المشكلة ليست في أنهم ذهبوا إلى المسابح الخاصة بالنساء، ولكن المشكلة تحدث عند تغيير الملابس، عند التعَرِّي.
 على كل حال هذا جزء من العلاج، هذه جزئيات يمكن معالجتها، لكن لا نستطيع وأقول للأخ الذي اتصل من قبل وكان يسأل هذه التساؤلات، وأقول لمن تدور في ذهنه كل هذه التساؤلات لن تستطيع أن تواجه الخطر وحدك، أنت تسبح ضد التيار، ولا بد لك من قوة تحميك وتدفعك إلى الأمام بدلاً من أن تتراجع إلى الوراء، ويجرفك الموج فتجد نفسك في هذا المجتمع تابعاً في كل شيء لمن ليس في دين الله على شيء.
 س ـ جزاك الله خيراً دكتور إبراهيم، كلمة أخيرة من فضيلة الأستاذ الدكتور راتب قبل أن ننهي البرنامج ؟
 ج ـ الفاتحة سيدي، إياك نعبد وإياك نستعين، ينبغي أن نستعين بالله على عبادته.
 الشكر لك على هذه المقابلة، والشكر للدكتور إبراهيم أبو محمد، كما أنني أشكر لكم أيها الإخوة المستمعون متابعتكم، وعلى أمل أن نلتقي مرة أخرى لكم الشكر من فداء المجذوب وإذاعة القرآن الكريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.