الدرس : 10 - سورة آل عمران - تفسير الآيتان 26 - 27 كل شيء في الكون ملك الله

2001-01-19

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس العاشر من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية السادسة والعشرين ، وهي قوله تعالى :

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك

1 ـ كلُّ شيء في الكون ملكٌ لله :

 أي شيءٍ في الكون الله مالكه ، والكون ما سوى الله ، والله عز وجل الذات الكاملة ، واجب الوجود ، وما سوى الله ممكن الوجود ، ما سوى الله هو الكون ، وفي المصطلح القرآن هو السماوات والأرض ، كل شيءٍ في الكون ، أو كل شيء في السماوات والأرض يُمَلَّك ، الله مالكه ، كل شيء في الكون ، يمكن أن يُمَلَّك فالله مالكه ؟

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 لكن الله جل جلاله ملكه مُلْكٌ تام ؛ يملك الشيء خلقاً ، ويملكه تصرفاً ، ويملكه مصيراً ؟

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62) ﴾

( سورة الزمر )

 أي شيء تتمتع به فهو ملك الله عز وجل ؛ لك بيت ، بزلزال شدته خمسة رختر ينتهي ، صار أنقاضاً بعضها فوق بعض ، حركة ، صحة ، القلب يقف ينتهي كل شيء ، سمع ، بصر ، قد يفقد الإنسان بصره فجأة ، ومن أدعية النبي عليه السلام الثابتة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

[ مسلم ]

2 ـ صحتك ملك لله :


 أي شيء تتمتع به ، عقلك ؛ ملك الله عز وجل ، قد يحمل إنسان أعلى شهادة في العالم ، خثرة لا تزيد على رأس إبرة ، تتجمد في بعض أوعية المخ يفقد الإنسان عقله ، ويفقد ذاكرته ، ويفقد حركته ، ويفقد توازنه ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 أي عضو تتمتع به ملك الله ، أي جهاز تتمتع به ملك الله ، أيَّة خبرة تملكها هي ملك لله ، يؤتى الحذر من مأمنه ، حدثني ما شئت ؛ عن العلم ، عن الخبرة ، عن النسب ، عن الحسب ، عن الوسامة ، عن الذكاء ، عن الحكمة ، عن الصحة ، كلها ملك الله عز وجل .

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

لك في الورى إن شاء خفض اً ذقته ، وإذا شاء عليهم رفعك
* * *

 يرفع ، ويخفض ، يعطي ويمنع ، يعز ويذل ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 وكلما تعمَّقت في هذه الآية وجدت في عين الحقيقة أنك لا تملك شيئاً ، فإذا عرفت أنك لا تملك شيئاً ، تستحي أن تقول : أنا ، تستحي أن تسلِّط الضوء على شخصيتك ، أنت لا شيء ، كنت لا شيئاً ، فأصبحت به خير شيءٍ في الورى قد صنعك ، ليس يقيك أذاه أحدٌ ، وإذا استنصرت فيه نصرك ، كلمة :

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

3 ـ مكانتك بيد الله :

 لها معانٍ عديدة جداً : ابدأ بالنواحي المادية ؛ مكانتك في المجتمع ملك الله عز وجل ، الله عز وجل قادر أن تشوَّه سمعة إنسانٍ بلا سبب ، فمن الذي حبس ألسنة الخلق عنك ؟ الله جل جلاله ، مَن الذي أسبغ عليك ستره ؟ الله جل جلاله ، من الذي جعلك مكرمًا ؟ الله جل جلاله ، فالإنسان ما دام بقوته فهو محترم ، فإذا أصبح طريح الفراش ، ومضى على شلله عشرون عاماً ، يسمعه أقرب الناس إليه كلمات لا تحتمل ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 إن كنت تملك مكانةً فهي ملك الله ، مَلَّكَكَ إيَّاها ، إن كنت تملك محبة الناس ، فمحبة الناس بإلهام الله عز وجل ..

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

( سورة طه : من آية " 39" )

 لا أجد في اللغة العربية كلمة أوسع من كلمة ( مالك الملك ) ، أي شيء يُمَلَّك فمالكه هو الله ، معك مفتاح بيت فالملك لله ، ملكك إياه ، تركب مركبة الله ملكك إياها ، عندك زوجة الله ملكك إياها ، عندك أولاد أبرار الله ملكك إياهم ، تتمتع بصحة طيبة الله ملَّكك إياها ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 تشرب كأس الماء فيخرج بشكل لطيف هذه مُلك ، جهاز الإفراز ملك ، ولو كان مسدوداً لأصبحت الحياة جحيماً لا تطاق ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 الجهاز الهضمي يعمل بانتظام ..

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 ماذا أحدثكم عن هذه الآية !! أي شيء تتمتع به ، وتنعم به إنما هو ملك الله ملكَّك إياه ، بل إن هذا الأعرابي الذي بيده قطيع من الإبل ، فسُئِل لمن هذه الإبل ؟ قال : لله في يدي ، وما من كلمة أبلغ من هذه الكلمة ( لله في يدي ) ؛ بيتك ، واختصاصك ، وحرفتك ، ودكانك ، وزوجتك ، وأولادك ، وسمعتك ، وكرامتك ، وراحة بالك ، وحريتك التي أنت تتمتع بها ، قد تُلْصَق بالإنسان تهمة هو بريء منها فيفقد حريته لسنوات طويلة ..

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 هذا هو التوحيد ، المؤمن الصادق لا يرى إلا الله ، لا يرى نعمة إلا من عند الله ، يرى المُنعم من خلال النعمة ، بينما الكافر تحجبه النعمة عن المنعم ، وفرق كبير بين من يحجب بالنعمة عن المنعم ، وبين مَن لا يرى النعمة إلا من الله عز وجل .
 أيها الإخوة الكرام ، لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا نوعٌ من الشكر ، ولمجرد أن يمتلئ قلبك محبةً لله ، فهذا نوع أرقى من الشكر ، ولمجرد أن تجعل حركتك في الدنيا في خدمة الخلق ، فهذا أرقى أنواع الشكر ، لقوله تعالى :

﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾

( سورة سبأ : من الآية 13 )

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 

لابد من محبة الله وشكر نعمه :

 فكلما ازداد إيمانك يزداد تعلُّقك بالله عز وجل ، كلما ازداد إيمانك ، تزداد محبَّتك لله عز وجل ، لأنك لا شيء ، وأصبحت به كل شيء ..

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1) ﴾

( سورة الإنسان )

 مَن أنت ؟ ذات مرة رأيت في المطار طفلاً صغيراً ، يبدو أن السفر طويل ، من شدة الاحتياطات أصبح وسطه كالكرة ، هكذا الإنسان يوم كان صغيراً ، فإذا كبر ، ونسي الله الذي جعله من أب أو أم ، وأكرمه بمحبتهما له ، وأكرمه بعناية بالغة ، هذا الإنسان حينما ينسى أصله ، وينسى ضعفه ، وينسى جهله ، صار يحمل شهادةً عليا ، أو صار ذا مكانة مرموقة ، أو صار ذا ثروة بالغة ، هذا الذي ينسى أصله ليس من الشاكرين.
 كان عليه السلام تعظم عنه النعمة مهما دقَّت ، كان إذا شرب كأس ماء له دعاء خاص ، كان إذا أفرغ ما في بطنه له دعاءٌ خاص ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ))

[ ابن ماجه ]

 هذا هو المؤمن ، المؤمن يرى أن الله عز وجل مالك الملك ، لأنه يرى أن مالك الملك هو الله فهو لا يتجه لأحدٍ غير الله ، ولا يعلِّق أملاً إلا على الله ، ولا يعقد الرجاء إلى على الله ، ولا يرجو غير الله ، ولا يخاف من غير الله ، ولا يسعى بغير الله ..

﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾

تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ

1-سلب النعم من حكمة الله :

 من تشاء بحكمتك يا رب ، الله عز وجل حكيم ، المقولة الشهيرة : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ..

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 بحكمتك يا رب ، برحمتك يا رب ، بعدلك يا رب ، تؤتي الملك : أي شيء يُمَلَّك ، فلان عنده مأوى ، ملك ، فلان عنده خبرة ، يعيش من ريعها ، فلان عنده معرفة بالله ، هذا ملك يُمَلَّك ، بدليل قوله تعالى :

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(82) ﴾

( سورة الواقعة )

 فالتصديق رزق ، والتكذيب نوع من الرزق السلبي ، فأنا لا أعمم بقدر ما أعمِّق ، هذه الآية تغطِّي كل شيء ، تغطي ؛ صحةً ، تغطي علماً ، تغطي أمناً ، تغطي مكانةً ، تغطي أسرة ، تغطي أجهزةً ، تغطي معرفةً ..

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

 مرة ضربت مثلاً : أن في معامل الحديد رافعاتٍ ضخمةً أساسها المغناطيس الكهربائي ، فهذه الروافع تحمل عشرات الأطنان ، وليس من قوة تستطيع نزعها من هذه الرافعة ، ولكن العامل الذي على الرافعة ، إذا ضغط زراً في مكان ما مقدار عُشر المليمتر ، وقطع الكهرباء عن الرافعة ، كل شيء في الرافعة يقع ، والله عز وجل أي جهة تراها قوية ، مَن الذي قوَّاها هو الله ، وفي أية لحظة يحرمها من هذه القوة ، فإذا هي في الحضيض ، وليس عنكم ببعيد أنه من أقوى الدول قبل سنوات لا تزيد على عشر ، من أقوى الدول أصبحت من أضعف الدول ، تداعت كبيت العنكبوت ..

 

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

 فهذا المعنى : إنك إن تمتَّعت بقوة ، أو إن تمتعت بصحة ، أو إن تمتعت بعقل ، أو إن تمتعت بذكاءٍ ، أو إن تمتعت بخبرة ، أو إن تمتعت بأهل ، أو إن تمتعت بأولاد ، أو إن تمتعت ببيت ، إن تمتعت بمركبة ، إن تمتعت بخبرة ، كله من الله ، فكلما تعمَّقت في الإيمان وجدت أن الله هو كل شيء ، وأن الله منحك كل شيء ، وأن الله قادر على أن يسلبك كل شيء .

2 ـ احذروا نقمة الله :

 والله سمعت قصةً لغرابتها لا تصدق ، أنّ أحد خمسة أغنياء في تركيا ، كل ثروته في الأبنية ، يعد خامس غني في تركيا ، له رأي : أن أمواله كلها موزعةٌ في أجمل مناطق تركيا ؛ أبنية ، وفيلات ، ومنشآت ، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة ، جاء الزلزال الأخير في مدينة إزمير ، صور في الأخبار أنه يسكن في خيمة ، ويأكل مما يجود عليه أهل الخير ، وفقد ثروته كلها ، كل ثروته أصبحت أنقاضاً ، كل ثروته أصبحت أنقاضاً ، فالله عز وجل إذا أعطى أدهش ، وإذا سلب أدهش فجأة .
 والله مرة قال لي رجل : بيتي مع حدائقه يزيد على ألف متر ، عندي ثلاث مركبات ؛ مركبة للسفر فخمة وغالية جداً ، ومركبة للمدينة ، ومركبة للمعمل ، وقال : والله ما دخل بيتي من الطعام إلا أغلاه ، ومن الفواكه إلا أطيبها ، ومن الحلويات إلا أغلاها ، والله وجدته في دكانٍ في أحد شوارع دمشق المتخلِّفة يأكل من علبة سمك ، من دون صحن ، وينام على طاولة التفصيل ، ويذهب إلى سوق الهال ، فينقب في نفايات القمامة لعله يجد شيئاً يأكله ، إذا أعطى أدهش ، وإذا أخذ أدهش ، لذلك ، قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( يا عائشة ، أكرمي مجاورة نعم الله ، فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود ))

[ ورد في الأثر ]

 إنسان تكلم كلمة كبيرة جداً قبل شهر ، بين كلمته وانتقام الله منه أربعٌ وعشرون ساعة ، والآن عنده شلل رباعي ، وفقد النُطق ، تكلَّم كلمة كبيرة جداً ، وهو في ريعان قوته ، وشبابه ، وجبروته ، وغناه ، ووسامته ، بين الكلمة التي قالها وانتقام الله منه أربع وعشرون ساعة ..

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 أنت لا تملك شيئاً .
 والله زرت أحد الأشخاص في العيد ، من أعلام المجتمع ، ولكن جاءت خثرة في بعض أوعية المخ فتكلم كلامًا غير معقول أبداً ، أين ذكاؤه ؟ أين حنكته ؟ أين حكمته ؟ أين شخصيَّته المتألقة ؟ كلام ليس له معنى ، كلام مضحك ، لا يقوله طفل ، حتى إذا تكلَّمت كلاماً واضحاً جلياً منطقياً ، مترابطاً متسلسلاً ، فهذه من نعمة الله لك .
 وهناك نعمة مَن يعرفها ؟ إذا خرجت من بيتك تعود إليه ، فقد حدثني ابن أحد الإخوة الكرام قال لي : اتصل بي والدي ، وقال لي : يا بني أين بيتي ؟ لا أعرف بيتي ، أصيب بفقد ذاكرة جزئي ، نسي بيته ، قد يدخل عليك ابنك فترحب به : أهلاً يا بني ، هناك من لا يعرف أولاده ، أنا عاصرت ، وشاهدت بعض الأقارب اختل توازنه العقلي ، كلامه مضحك ، يستحي به أهله ، يتمنَّون موته ، وانتهاء حياته ..

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 قد يمشي إنسان في الطريق بلا هدف ، قد ينسى أين بيته ، فذاكرتك ، سمعك ، بصرك ، محاكمتك ، عقلك ، قوتك بيد الله ، والله سمعت عن إنسان يدفع عشرة آلاف ليرة في الشهر لمن ينزع منه فضلات الطعام من مستقيمه ، لأن مستقيمه أصيب بالشلل ، أن تخرج هذه الفضلات براحة من دون جهد ، من دون مساعدة من أحد من نعمة الله ..

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 هناك مَن يحمل بوله إلى جنبه ، قال لي : كل كيس ثمنه ثلاثمئة ليرة ، مشكلة ، ولا أعلم متى أخرج ، ما دام المستقيم أصيب بورم خبيث حوّل المخرج إلى طرف الخاصرة ، معها كيس ، هذا الذي يقضي حاجته بانتظام ، ينام ملء جفونه ، يستيقظ في الوقت المناسب ، هذه نعم لا تعد ولا تحصى ، كان عليه الصلاة والسلام كما يقول :

(( اللهم أرنا نعمك بوفرتها لا بزوالها ))

[ ورد في الأثر ]

 في الجسم أجهزة وأعضاء وأنسجة ، كل مكان في الجسم لو أصابه العطب لأصبحت الحياة لا تطاق ، لأصبحت الحياة جحيماً ، هناك آلام لا تحتمل .

 

ثلاث نِعَمٍ لا تعدلها نِعَمٌ :

 إخواننا الكرام ، مع كل هذه الشرح ، ثلاث نعم لا تعدلها نعم :نعمة الهدى ، فأنت تعبد الله ، هذه نعمة كبيرة ، هناك من يعبد البقر ، هناك من يعبد الحجر ، هناك من يعبد الشمس والقمر ، هناك من يعبد المَدَر ، هناك من يعبد ذكر الرجل في اليابان ، هناك من يعبد الموج ، هناك من يعبد الجرذ في الهند ، الجرذان آلهة ، وأنت تعبد الله ، هذه نعمة لا تعدلها نعمة ، نعمة الهدى ، و
 نعمة الصحة ، ونعمة الكفاية ، فمن هداه الله إليه ، ومَلَك صحَّته ، وعنده قوت يومه ، فكأنما ملك الدنيا بحذافيرها ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[ الترمذي ، وابن ماجه ]

 وعندما الملك سأل وزيره :
 ـ من الملك ؟
 ـ قال : أنت .
 ـ قال : لا ، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا ، له بيت يؤيه ، وزوجة ترضيه ، ورزق يكفيه ، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا ، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه .

 

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ

 إنها لحظة بين أن تكون مسيطراً ، مهيمناً ، أمرك نافذ في أي جهةٍ من الأمكنة ، وقد سمعت قبل يومين أن أحد الحراس الشخصيين أطلق طلقة على سيده فأرداه قتيلاً ..

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

 فالقوي قواه الله ، وإذا نزعت هذه القوة فقد سمح الله أن تنزع ، فكل إنسان ينسب القوة إليه فهو أحمق ، وكل إنسان ينسب الضعف إلى ظروف صعبة ، فهو أحمق . .

 

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

ربما منعك فأعطاك ، وربما أعطاك فمنعك :

 ولكن أيها الإخوة لا بد هنا من تعليق : ربما منعك فأعطاك ، وربما أعطاك فمنعك ، والله عز وجل حكيم ، إذا نزع منك المُلك ، ثم كُشِفَت لك حكمة نزع هذا الملك فينبغي أن تذوب محبة لله ، إن أعطاه الملك فلحكمة ، وإن نُزِعَ منك الملك فلحكمة ، قد تكون عقوبة ، والعقوبة نوع من التربية ، وقد تكون وقاية ، والوقاية نوع من التربية ، وقد تكون ابتلاء ، والابتلاء رفع درجات ، على كل يجب أن تعتقد أن كل شيءٍ فعله الله هو محض حكمةٍ ومحض فضل .

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

 مرة أحد كبار ملوك الأندلس كان يمشي في حديقته ، وكان شاعراً ، فرأى بركة الماء ، وقد هبَّت عليها نسائم لطيفة ، فجعلت على سطح الماء كالزرد ، أيْ كالسلسلة ، موجات ناعمة ، فقال :
نتج الريح على الماء زرد
 ولم يستطع متابعة هذا البيت ، فسمع وراءه جارية تقول :

يا له درعاً منيعاً لو جمد
* * *

 أعجب بها إعجاباً شديداً لأنه شاعر وهي شاعرة ، وتزوجها وأصبحت في القصر ، اشتاقت مرة إلى أيام الفقر ، كانت تدوس في الطين ، فجاء لها بالمسك والعنبر وجبلهما بماء الورد ، فقال : هذا هو الطين ، ثم نزع منه الملك فجأة ، وأودع في السجن ، وبعد حين خرج من السجن ، وعاش معها في كوخٍ حقير ، وساءت العلاقة بينهما ، فكانت تقول له أحياناً : لم أر منك خيراً قط ، يقول لها : ولا يوم الطين !!
 ورد في بعض الأحاديث أن النساء ـ طبعاً غير المؤمنات ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أُرِيتُ النَّارَ ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ ، يَكْفُرْنَ ، قِيلَ : أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ))

[ من مسند الإمام الشافعي ]

 فكان يقول لها : ولا يوم الطين !! مِن إنسان يسكن في قصر إلى إنسان فقير ، فالإنسان عليه ألا يتكبر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

[ أبو داود ]

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 الله يرفع ويخفض ، يعطي ويمنع ، يبسط ويقبض ، يعز ويذل ، يكرم ويهين ، ومن يهن الله فما له من مكرم .
 والله مرة رأيت في الطريق إنسانًا تلقى صفعة ، قلت : والله لو مات لا ينساها ، أمام جمع غفير من الناس ، وهو يرتدي أجمل ثيابه ، قد خالف بعض المخالفات ، فجاء إنسان أرعن فصفعه على وجهه ، وهو في الخمسين ، الله عز وجل يهين أحياناً ، وقد يتجرَّأ عليك ولدك فيضربك ، لكن إن أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق ، فخدمك أعداؤك ، وإن غضب الله ألهم لأقرب الناس إليك يتطاولون عليك ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

كن مع الله تر الله معك  واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه ؟  ثم من يعطي إذا ما منعك ؟
***
هذه ملَّة طه خذ بها
* * *

﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 

وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ

 فهذه الدنيا كل حال يزول ، قد تصيب عزاً ، وقد يذل الإنسان ، هذا يحيى البرمكي كان الرجل الأول في الدولة العباسية ، إذا هو في السجن يعذب ، فقال لبعض مَن حوله : " لعل دعوة مظلوم أصابتنا ، ونحن عنه غافلون " ..
وهذا فرعون ، كان له ملك مصر ..

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى(24) ﴾

( سورة النازعات )

 تورط ، وتبع سيدنا موسى في البحر ، ثم أدركه الغرق ، ولولا أن الموج لفظه إلى الشاطئ لتوهم أتباعه أنه صعد إلى السماء ، فإمعاناً في إذلاله قذفه الموج إلى الشاطئ ..

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾

( سورة يونس : من الآية 92 )

 أحد الذين أسلموا في أمريكا بدأ يقرأ القرآن قراءة تفحُّص لا قراءة تعبُّد وفهم ، وعثر على آية ، فقال : هذه أول غلطة بالقرآن ، وهي قوله تعالى :

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾

( سورة يونس: من الآية 92 )

 له صديق بفرنسا من كبار العلماء ، اتصل به ، وقال له : هذه أول غلطة في القرآن ، فقال له : هذا الذي تذكره في متحف في مصر ، وموجود حتى الآن ، فرعون موسى الذي أدركه الغرق موجود في مصر ، وقد جيء به إلى باريس لترميم جثته ، نجاه الله ليكون لمن خلفه آية .
 وبعد ذلك أيها الإخوة ، هناك مواعظ معاصرة لا ينقضي عجبها ، كم من جبَّار قصمه الله ، كم من إنسان يزهو بماله أفقره الله ، كم من إنسان يزهو جماله ، فالله عز وجل ساق له مرضاً خبيثاً ، فعلى كل الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 أجمل ما في الآية ، بحسب السياق :

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 إيتاء الملك خير ..

﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾

 نزع الملك شر ..

﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 الإعزاز خير ..

﴿ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 الإذلال شر بمفهوم الأرض ، كان ينبغي بحسب السياق أن تكون الآية : بيدك الخير والشر ، لكن الله عز وجل قال :

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

 

بِيَدِكَ الْخَيْرُ

1 ـ إيتاء المُلك خير ، وأن نزع الملك خير :

 فقط ، ماذا يستنبط ؟ يستنبط أن إيتاء المُلك خير ، وأن نزع الملك خير ، وأن الإعزاز خير ، وأن الإذلال خير ، فالإنسان شارد ، تائه ، غافل ، غارق في المعاصي ، جاءه ذلٌ شديد فتاب إلى الله .
 والله هناك أخ من إخواننا الكرام قال بالحرف الواحد : أنا كنت شارداً عن الله ، منحرفًا انحرافًا شديدًا ، ما صليت في حياتي ، ولا صمت ، وأنا مع أهل الضلال والغَيّ ، والفسق والفجور ، فجأة أصيب بمرض عضال ، فدخل المشفى ، وناجى ربه وقال : يا رب ألقاك وأنا عاصٍ ؟! أي أعطني مهلة يا رب كي أتوب إليك ، وتبت ، الله أعطاني فرصة ، وتبت إليه ، لزمت دروس العلم ، صلَّيت ، شعرت بسعادةٍ لا توصف ، فمرة ناجيت ربي فقلت له : يا رب إذا كانت كل هذه السعادة من الإنابة إليك ، لِمَ لَمْ ترسل لي هذه المصيبة قبل عشر سنوات ؟! كأنه عتب على الله ، كل هذه السعادة في القرب منك ، لمَ لمْ ترسل لي هذه المشكلة قبل عشر سنوات ؟!
 الله عز وجل يعطي وهذا خير ، و يمنع ، وهذا خير ، يرفع ، وهذا خير ، يخفض ـ وهذا خير، يعز ، وهذا خير ، وَعِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ :

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ ، فَقَالَ : مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ ؟ قَالَتْ : الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا ، فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ))

[ مسلم ]

2 ـ المؤمن الصادق يستقبل قضاء الله وقدره بالصبر :

 المؤمن الصادق يستقبل قضاء الله وقدره بالصبر ، وبالبِشر ، وبالرضا ، ولعل النبي الكريم قمَّةٌ في هذا الموضوع ، حينما ذهب إلى الطائف ، واعتدى عليه أهلها اعتداءً ماديا ـ هكذا تروي الروايات ، فقال :

(( يا رب ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

 ماذا كان بعد الطائف ؟ كان الإسراء والمعراج ، جاء التكريم الإلهي عرف أنه سيد البشر قاطبة ، وأنه سيد ولد آدم ، وأنه سيد الأنبياء والمرسلين ، وأنه حبيب رب العالمين ، وأن الله أقسم بعمره الثمين .
 كل محنةٍ أيها الإخوة وراءها منحة ، للمؤمن طبعاً ، وكل شِدَّة وراءها شَدَّة إليه ، فلا تيأس ، وإياك أن تتشائم ، أو أن تقنط من رحمة الله ، أو أن ترى أن المصيبة جفوة من الله لك ، لا ..

﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15) ﴾

( سورة الفجر )

 هو يقول :

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16) كَلاْ ﴾

( سورة الفجر)

 ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، فهذا أب طبيب ، وجد أن ابنه يعاني من التهاب في المعدة ، وثمة أكلة يحبها الابن محبة شديدة ، والأب بقسوة بالغة منع ابنه من هذه الأكلة ، خوفاً من أن تنشأ مضاعفات هو في غنى عنها ، هل يعد هذا الابن المريض الذي منع من هذه الأكلة أنه لذيذة عند أبيه مهانًا ؟ لا والله ، من هنا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا ، كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة ))

( من الجامع الصغير عن حذيفة )

 لذلك المؤمن راضٍ عن الله عز وجل ..

هم الأحبة وإن جاروا وإن عدلوا  فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله وإن فتتوا في حبهم كبـدي  باق على حبهم راض بما فعلـوا
* * *

 فأعلى كلمة يقولها المؤمن : يا رب أنا راض ، والله حدثني أخ ـ طبيب من إخواننا ـ فقال : جاءنا مريض مصاب بورم خبيث في أمعائه ، غرفته عجيبة ، فيها بِشر ، فيها سرور ، فإذا ضغط على الجرس يأتي بعض الأطباء ، بل جُلُّهم ، والممرضون يلبون طلبه ، وكلما دخل عليه شخص يقول : يا رب إنني راض عنك ، فاشهد يا أخي أنني راض عن الله ، هذا المؤمن ، يرى يد الله الرحيمة الحكيمة تعمل في الخفاء .
 فيا أيها الإخوة الكرام ... بيدك الخير ..

فليتك تحلو والحياة مريـرة  وليتك ترضى و الأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر  و بيني وبين العالمين خـراب
* * *
فلو شاهدت من حسننا الــذي  رأوه لما وليت عنا لغيـــرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ  لمت غريباً واشتياقاً لقربـــنا
ولو لاح من أنوارنا لك لائـح  تركت جميع الكائنات لأجلــنا
* * *

 أن تصل إلى محبة الله هذه غاية الغايات ، وهذا هو العطاء الذي لا يُحَد ، أن يحبك الله ، وطريق محبة الله أمامك بين يديك .

﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾

وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ

1 ـ التفسير الاجتماعي للآية :

 فبعضهم فسر هذه الآية تفسيرًا اجتماعيًّا ، قد تجد إنسانًا شارب خمر فاسقًا ، فاجرًا ، كافرًا ، يأتي من صلبه ابن صالح ، وقد سمعت أن رجلاً من الصالحين وهب أرضاً لتكون مسجداً في أحد أحياء دمشق ، والابن الذي أنجبه شارد ، بل كان يؤمن بأنه ( لا إله ) فقط ، ولم يرض أن تبنى هذه الأرض مسجداً ، وعطَّل وصية والده ، هذا الابن الملحد أنجب ابناً ولياً ، قال لأبيه مرة : إن لم تنفذ وصية جدي فلست ابنك ، ولن ترني بعد اليوم ، فاضطر الأب المنحرف أن يبني هذه الأرض مسجداً ، أساسه هكذا ، إنسان حي ، حيٌّ بمعرفة الله أنجب ملحداً ، وهذا الملحد أنجب ولياً ..

﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾

 هذا المعنى الاجتماعي .

 

2 ـ التفسير المادي :

 وهناك معنى مادي ؛ أن امرأة تموت ، فيُفتح بطنها ، وتلد طفلاً حيًّ ، قد تجد طفلاً حياً في بطن امرأةٍ ميتة ، وقد تجد ميتاً في بطن امرأةٍ ترزق ، وتعيش ، فإما أن تأخذ المعنى المادي ، أو أن تأخذ المعنى الصحي ، كلاهما وارد .

﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ ﴾

 

وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ

 إذا أعطى الله أدهش بغير حساب ، فالله عز وجل خلقك ورزقك .

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾

( سورة الروم: من آية " 40" )

 فعل ماضٍ ، هو الرزاق .

 

1 ـ الرزق أداة لتأديب الإنسان :

 أيها الإخوة ، الله عز وجل رزَّاق ، ورازق ، وحينما خلق الإنسان تكفَّل له برزقه ، ولكن ربنا جل جلاله قد يتخذ من الرزق أداةً لتأديب الإنسان ، فقد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية ، والدليل :

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

( سورة الجن)

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 96" )

 ففي آيات كثيرة تربط بين الرزق والإيمان .

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

( سورة المائدة: من آية " 66" )

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود: من آية " 6" )

 (على) تفيد الإلزام ، يعني الله عز وجل ألزم ذاته العلية برزق العباد.

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾

( سورة هود: من آية " 6" )

 طبعاً ( ما ) و ( من ) من تفيد استغراق أفراد النوع ، أية دابة ، ولو أنها نملة سمراء على صخرة صماء ، في ليلة ظلماء ، لها رزق عند الله ، وقد تجد وعلاً ، يعيش في قمم الجبال ، وفي قمم الجبال ماء نبع ، مستودعه في جبل أعلى منه ، من أجل هذا الوعل .
 الحديث عن الرزق شيء لا يوصف ، ما دام الله قد خلقنا ، فهو متكفِّلٌ لنا برزقنا ، أما وصول هذا الرزق إليه فباختيارك .
 مرة قلت : تفاحة في مكان معين ، في بستان معين ، على الشجرة معين ، على غصن معين ، هذه لفلان ، قد يأكلها فلان سرقةً ، وقد يأكلها تسوُّلاً ، وقد يأكلها ضيافةً ، وقد يأكلها شراءً ، وقد يأكلها هديةً ، الطرق تعددت ، أما هي له..

(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب ، واستجملوا مهنكم ))

[ من الدر المنثور عن سعد ]

 كما ورد في بعض الروايات ، فالله عز وجل يقول :

﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

2 ـ رزق الله بغير حساب :

 الأب يحاسب ، أعطيتك كذا وكذا ، الدولة تحاسب ، آخذ تعويضات ، وآخذ أجور سفر ، وآخذ رواتب ، وآخذ ، وآخذ ، أما الله فبغير حساب ، لذلك العطاء من الله مريح ، أما من العباد فصعب ثقيل ، كلما ألقى نظرةً عليك ذكَّرك بفضله عليك ، هذا إن لم يقل للناس : أنا أعطيته ، لحم كتفك من خيري ، هكذا يقول بعض المُمْتَنِّين ، ولكن الله إذا أعطاك عزيزاً كريماً ، أعطاك وسترك ، أعطاك ورفعك ، أعطاك وكرَّمك ، فالمؤمن لا يسأل إلا الله ، اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك ، ودلنا بك عليك ..

﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

3 ـ من حكمة الله تحريكُ الرزق والصحة :

 آخر فكرة : الله عز وجل ثبت أشياء كثيرة ، استقراراً للنظام ، وحرَّك الرزق والصحة ، هذه من أجل تربية الإنسان ، الله يربينا بصحتنا وأرزاقنا ، أما دورة الأرض حول الشمس ، حركة الشمس ، حركة القمر ، خصائص المعادن ، خصائص النباتات كلها ثابتة استقرارا للنظام ، أما الله عز وجل فقد حرَّك الرزق ، وحرك الصحة ، فسماءٌ لا تمطر ؛ تجف الينابيع ، تجف الأنهار ، يموت الزرع ، يجف الضرع ، يرحل الإنسان ، قد تأتي المياه كأفواه القرب ، فالرزق متبدِّل ، بيد الله عز وجل يسوق هذا المطر لمن يشاء من عباده ، ويصرفه عمن يشاء ، فنحن علينا أن نعتقد أن الله هو الرزاق ، وأن استقامتنا على أمره ، وطاعتنا له ، أحد أكبر أسباب رزقنا ، إيماننا به ، واستقامتنا على أمره ، من خلال آيتي القرآن ..

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 96" )

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16) ﴾

( سورة الجن)

 إذاً الرزق متعلق بالإيمان ، والاستقامة من خلال هاتين الآيتين ، وقد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتقل في الدرس القادم إلى قوله تعالى :

﴿ لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾