اللقاء الثاني مع الشعراوي - فقرات الكتيب : 10 - جراحة التجميل

2000-01-10

تفاوت الخلقة دليل القدرة :

الأستاذ راتب :
 هناك مشكلة حول جراحة التجميل جائزة أم غير جائزة ؟
الشيخ الشعراوي :
 والله فيه نص " من عمل الشيطان " .. تفاوت الخلقة دليل القدرة .. فقد قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾

[ سورة الروم : 22 ]

 أي لا يوجد قالب بحيث لو جمعت النّاس كلها لا تجد واحداً مثل الآخر في الشبه إنّما قريب منه ، وليس هو نفسه .. يبقى كل واحد له ذاتية مميّزة .. لماذا ؟ .. إذاً اختلاف الخلقة مقصودٌ للحق ،.. وجود العاهات مقصودٌ للحق ؛ أي هذا خُلق أعمى، وهذا خُلق أعور، وهذا كسيح ، فانظر كم هي نسبة المعاقين في الكون !! بلد فيه مئة ألف نسمة كم أعمى فيه ؟
الأستاذ راتب :
 قليلة .
الشيخ الشعراوي :
 وكم أعور فيه ؟ وكم كسيح فيه ؟.. - هذه النسبة وسائل إيضاح ولنعمة منسية - فساعة ما الإنسان يرى أعمى ومتعثراً .. يقول : الحمد لله .. لا .. لا .. ويمسك عينه .. الله .. ، لكن وما ذنبه هذا لكي يكون وسيلة إيضاح !؟ . نقول له : أنت لا تعرف ماذا عوَّضه الله عن هذه العاهة ؟.. أنت نظرت لهذه العاهة ولم تعرف ماذا عوضه عنها .. ولو نظرت إلى ما عوِّض تلتفت و تقول : هو أعطاه أحسن مما أخذ منه ، هل تسمع بباخ الذي دوّخ الدنيا و الموسيقيين ، كان أصم ، التي هي آلة السماع .. الله!! أصم ، تيمور لنك الذي دوخ الدنيا كان أعرج .. الله !! يبقى إذاً كلّ مسلوب نعمة من النعم التي هي عامّة لهؤلاء الناس - معوّض شيئاً - ولكننا لا نفتش على العِوض وننظر فقط لهذه العاهة ، ولذلك حتى عند الفلاحين الأُمّيين يقولون : كلّ ذي عاهةٍ جبّار ، ما معنى جبّار؟ .. أي له ناحية متميز فيها لماذا ؟ لأنّه ولو عنده نقص في هذه فهو يحاول أن يعوّضه ، .. شاخت واضع الاقتصاد الألماني عندما ذهب للجيش الألماني ليجنّد لأنَّ رجله معطوبة - معاق - لم يقبل ، لكنّه قعد يدرس .. قال : إن الحرب سوف تتعب ألمانيا اقتصادياً فوضع النظام الاقتصادي لما بعد الحرب - نظام شاخت - وعندما انتهوا من الحرب وحدث لهم ما حدث فيها .. ابتدأ النظام الاقتصادي ، انظر بعدما انهزموا في سنة ألف و تسعمئة و سبع عشرة عبّدوا الدنيا في سنة ألف و تسعمئة و تسع و ثلاثين بسبب النظام الاقتصادي ، فإنسان واحد ماذا أعطاه الله !! .. ولذلك يقول لك: مركّب النقص وسيلة الكمال الاجتماعي أي مركّب النقص في شيء يحاول إبرازه في شيءٍ آخر.
الأستاذ راتب :
 وعبروا عن هذه الحقيقة إن المجموع ثابت .

الحاجة تربط الناس مع بعضهم :

الشيخ الشعراوي :
 ولذلك أنا أقول : إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان .. يبقى هذا آخذ عشرة على عشرة في هذه .. وصفر في حاجةٍ ثانية .. لماذا ؟! .. حتّى نتعشّق مع بعضنا البعض ، لأننا لو كنّا متساويين في الدرجة سوف نستغني عن بعضنا البعض .
الأستاذ راتب :
 نتنافر.
الشيخ الشعراوي :
 آه .. لأنّ الحاجة هي التي تربطنا معاً ، نحن كان عندنا شيخ اسمه موسى كان يدرّس لنا التفسير ، فيكون قاعداً وغير مشغول قبل أن يبدأ الدرس يدعو ويقول : يارب .. يا الله أغني العلماء ، و يا رب أفقر العمال والصنّاع .. ونحن صغار في السنة الثالثة فنقول له : لماذا ؟ يقول : اقعد يا جاهل .. يا ولد العالم عندما لا يكون غنياً تحوِّله الدنيا إلى أن يُلحن في فتواه ، إنما العالم الغني لا أحد يتجرّأ أن يغيّر همَّته ، والعامل والصانع كذلك و سوف تجربون ذلك ، يا أولاد من لا يملك المال لا يتقن عمله ولا يأتي إلى العمل ، وفي هذا الوقت الدنيا تشتكي من هذا العامل وهو مدوّخ رب العمل ، يجلس على القهوة ولا يحضر ويعطلنا ، هذا نظام معمول .. تلك الأيام نداولها بين الناس .
 لذلك أنا قلت في الماضي : الذي يشقى ويرضى بقدر الله ، حالة فقره تكون عشر سنوات ، ثم يرتاح طوال العمر ، وإن تعب في عمله ، عمل عشرين سنة يرتاح أولاده طوال العمر، وإن تعب ثلاثين سنة يريّح أحفاده ، لأن الدنيا كما قال تعالى :

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 32 ]

 إذا سمعت تفسير هذه الآية .. قلت لنفسي : كلمة بعض هذه تعني أن كلنا بعض ، أي بعضنا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر لكي يتكون الالتحام الضروري ، لا يوجد أحد يتطوّع لكي يكنس شارع إنما عندما يكون عنده فقر وعنده عيال وأولاد يريدون أن يأكلوا تجده يذهب ليعمل في تنظيف غرف تفتيش السياقات – ريغار - ويمسح دورات المياه ، أليس كذلك ؟ ويصحو في الصباح يقول : يارب يا فتّاح يا عليم ... أي والله ..فتجد إنساناً يعمل في محل تصنيع عطور ، والثاني يشتغل في دورات المياه ، الاثنان في بيت واحد يسكنون .. أحدهم يشم رائحة العطر والآخر يشم المجاري ، أيام الرئيس عبد الناصر رُويَت نكتة : اثنان نزلوا في المجاري ليقوموا بإصلاحات داخل حجرة التفتيش في الشارع سمعوا أصوات عالية ، فأحدهم قال : سأرى ما هذه الضجة؟ فصعد للأعلى ينظر فقال له الآخر : ماذا رأيت ؟ قال له : الريّس مار في موكبه . فقال له الموجود في الأسفل : انزل بلا قرف . أي أن هذا هو القرف .
 لذلك انظر بعين الاستقراء هكذا الذي رضي بحاله ولم يحقد وابتدأ يتقن أي عمل تجده بعد فترة أصبح صاحب عمل ، حتى عندما يبقى الإنسان خاضعاً هكذا في داخله وهو يتعلم لا يضن ، لا يبخل عليه معلّمه بالمعلومة ، أما إن كان عاملاً متكبراً معلمه يعمل دون أن يراه المتعلم.
 أنا كنت أبني هذا البيت وعندي كثير من العمال يبنون ، عندما أراقبهم من بعيد هكذا أجد العامل يضرب بالفأس ضربة ثم يستريح ثم يرفعها ويستريح .. فقمت بجمعهم وقلت لهم : أنا أرى ما تعملون ولن أحاربكم في أرزاقكم ، وستشتغلوا كذلك عندي ، إنما أنا أسألك يارب أن تعطيهم من الأجر الذي أعطيه لهم على قدر عملهم .. والباقي الذي لا يستحقونه أجعله هبة منّي لأولادهم .. فاستمعوا إلي : الذي سوف يعمل ويبذل جهداً هنا والله لن ينتهي من العمل هنا إلا وسيبني بيتاً .
 وأقسم بالله .. والله لم يعمل أحد في البناء هنا إلا وقد بنى بيتاً له قبل أن ينتهي من عمله في هذا البيت ، حتى محمد عارف الذي كان مشرفاً على العمال وجدته يبني عمارة له .. وقال لي : البيت ليس على قدر دعوتك .

للكون نظام محدد :

 الكون مخلوق بنظام فإذا نحن صنعنا تروساً - أي مسننات - فكل الآفات محصورة للحق ، فلنأخذ الشيطان ، عندما جاء يتكلم مع ربنا جاء متكبراً لأنه مخلوق من النار - ولكنه في النهاية لا شيء .. آه .. لأنه أظهر خطتة التآمريّة على بني آدم ومن يريد أن يمكر بغيره فلا يظهر خطة التآمر التي سيعملها له . قال تعالى :

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

[ سورة الأعراف:16]

 فماذا نقول نحن إذاً للناس ؟ عندما الشيطان يأتي لك في الصلاة يريد أن يفسدها لك .. ولا يذهب إلى الخمّارة لأن الذي في الخمّارة لا يحتاج له.. قال لله : لأقعدن لهم صراطك المستقيم . هذه واحدة ، ثانياً : قال له :

﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾

[ سورة النساء : 119 ، 120]

 ولآمرنهم فليغيرن خلق الله أي الذي لا يعجبه خلقه يذهب فيغيّر ، وتجد أشخاصاً كثيرين يعملون هذه العملية فيفقدون جاذبيتهم .
 يقولون : إنه يمكن أن تكون جاذبية كليوباترا في أنفها فلو زاد نصف سنتيمتر لتغيّر وجه التاريخ .

جراحة التجميل :

 كل شيء هكذا خلق .. فالجاذبية معمولة في الشكل هذا ، لا أريد مالاً أو أي شيء من هذا ، ولذلك أنا قلت قضية : من رضي بقدري أعطيته على قدري . إنما يجرون عمليّات ليشدوا الجلد ويغيّروا خلق الله .
الأستاذ فرحات :
 بعض العلماء يا مولاي يقولون : إذا كان ربنا هداني إلى تحسين هذه الخلقة أو إلى نقلها ....
الشيخ الشعراوي :
 ولذلك أنا قلت للنساء اللواتي قمن بسؤالي ، قلت لإحداهنّ : أنت فعلت ما فعلت في شكلك أخفيتي شيئاً ووضعت شيئاً آخر مصنوع ، فو الله العظيم هذا تخصيم لله كأنّك تقولين له : يا رب لماذا لم تخلقني في هذه الحياة جميلة ؟ لماذا ؟ وبهذا التعديل كأنّك تقولي لله: أنت يا رب لست بحكيم ، فهل زوجك لا يعرف أن هذا الذي تضعينه دهان وطلاء ، فإن لم يكن يعلم فهو إذاً كثير الغباء .
الأستاذ فرحات:
 ترى أن جارتها أجمل يا مولانا .
الشيخ الشعراوي:
 أليس الذي خلق هذه المرأة الجميلة يجعلها تعمل شيئاً تتميز به .

كل شيء من خلق الله عز وجل و صنعه :

الأستاذ راتب :
 الآن هناك بحوث حول الهندسة الوراثية ، كأن يوجد طفل بشكل معين ولون معين ، استخدام هذه البحوث جائز ؟
الشيخ الشعراوي :
 من أين أخذوها ؟.. أخذوها من صنع الله .. من خلق الله.. فالذي وصل إلى أرقى النظريات من أين أتى بها ؟ أتى بها من واقع سابق فمثلاً الهندسة .. أنا أُبرهن على النظرية رقم مئة هل أقول كذا يساوي كذا حسب النظرية كذا ، وتمارين حسب نظرية كذا ، وماذا بعد ذلك ؟ .. وهكذا .. فالنظرية الأولى ماذا تكون ؟ .. قال : هذه النظرية حسب البديهة الموجودة في الكون ، كل شيء له بديهة ، الله عمل بها وسائل لكي نصل إليها ، لذلك العلماء المهذبون عندما يأتون بشيء جديد يقولون لك : هذا كشف .. كشف أي كأنّها كانت موجودة وظهرت على يده ، أي أنها ليست اختراعاً ، إنما هي كشف ، أي أن العالم أزاح عنها الستار.