الدرس : 22 - سورة التوبة - تفسير الآيات 25-26 ، التوحيد والافتقار هو أدب وواقع ويوقي الإنسان من شرك خفي.

2010-10-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

التوحيد هو الدين :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس سورة التوبة، ومع الآية الخامسة والعشرين، وهي قوله تعالى:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾

 أيها الأخوة الكرام، هذه الآية لها معنىً متعلقاً بالتوحيد، والتوحيد هو الدين، والتوحيد ألا ترى مع الله أحداً، والتوحيد أن توقن أنه لا فاعل إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا رافع إلا الله، ولا خافض إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، وما من خطأ متعلق بالشرك الخفي إلا ويعالج من قبل الله جلّ جلاله معالجة سريعة، فهؤلاء الصحابة الكرام على علو قدرهم، وعلى أنهم نخبة البشر، وعلى أنهم صحابة سيد البشر، حينما اعتدوا بعددهم ولم يوحدوا جاء التأديب الإلهي مع أنهم في أعلى درجة من القرب من الله عز وجل.

 

الافتقار إلى الله ليس أدباً فحسب بل هو واقع أيضاً :

 الله عز وجل يقول:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾

 أي في بدر، في بدر افتقر الصحابة إلا الله:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[سورة آل عمران الآية:123]

 بمعنى مفتقرون إلى الله، إن أردت أن تأخذ من الله كل شيء افتقر إليه، الافتقار ليس أدباً فحسب بل هو واقع، نحن لا شيء، أنت بالله عالم، وبالله قوي، وبالله غني، وبالله حكيم، أما إذا اعتددت بما توهمته قوةٍ لك فأنت لست قوياً، ولا حكيماً، ولا عالماً، ولا غنياً.

 

من رأى فضل الله عليه فهو أقرب المخلوقات إلى الله عز وجل :

 أخواننا الكرام، لو تتبعنا آيات القرآن الكريم في أكثر مواطنه نجدها تحوم حول محور واحد ألا وهو التوحيد، وقد قيل: ما تعلمت للعبيد أفضل من التوحيد، أي من هؤلاء الذين عالجهم ربنا جلّ جلاله؟ هم أصحاب سيد الخلق، هم نخبة البشر، هم الذين اصطفاهم الله عز وجل ليكونوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك حينما ـ في ساعةٍ من الساعات ـ توهموا أنهم كثر، وأن عددهم كبير، وأن النصر حليفهم، جاء التأديب الإلهي فجاءت الآية الكريمة:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

 آية أخرى وهي أيةُ اليوم:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾

 وكل واحد منا له أيام مع الله، وحين قال الله عز وجل:

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

[سورة إبراهيم الآية:5]

 أيها المؤمن في يوم ما رجوت الله أن يوفقك فوفقك، رجوت الله أن يشفيك من هذا المرض فشفاك، رجوت الله أن يرزقك زوجة صالحة فأجابك، أن يرزقك أولاداً صالحين فاستجاب لدعائك، فالمفروض بالمؤمن أن يتذكر فضل الله عليه، فالمؤمن شكور، وشاكر، شاكر اسم فاعل، وشكور كثير الشكر، فحينما ترى فضل الله عليك أنت أقرب المخلوقات إلى الله، هناك إنسان يتذكر قوته، يعتد بقوته، يعتد بنسبه، يعتد بماله، يعتد بمنصبه، أما المؤمن وهو في أعلى درجات القوى فيرى افتقاره إلى الله.

 

التولي والتخلي :

 الحقيقة أن الإنسان بين التولي والتخلي، التولي والتخلي حالان يرافقان كل مؤمن في أي وقت، في أي وقت تقول: الله يتولاك الله، وفي أي وقتٍ تقول: أنا يتخلى الله عنك، مهما ارتقيت في مراتب الإيمان، حينما تتفهمُ لدقيقةٍ واحدة أن هذا الفعل الذي أجراه الله على يديك هو من اختصاصك، أو من خبرتك، أو من ذكائك، أو من حكمتك، يأتي التأديب الإلهي، لذلك المؤمن لا يشهدُ عمله ولكنه يشهد فضل الله عليه، فإذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، في دراستك يمكن أي طالب ألا ينجح بالامتحان على الرغم من دراساته المتعمقة جداً، يمكن لأي مريض أن يكون مرضه سبب موته، يأتي الشفاء الإلهي، يمكن أن ترزق بزوجة تريك النجوم ظهراً كما يقال، ويمكن أن يرزقك الله زوجةٍ صالحة تسرك إن نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، وتطيعك إن أمرتها، فأنت حينما توحد، حينما تتبرأ من حولك وقوتك، وتلتجئ إلى حول الله وقوته، والدعاء الذي ينبغي أن تقوله قبل كل عمل: "اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين".
 الحقيقة هذه الآيات التي أمامنا تعلمنا التوحيد، تعلمنا التوحيد ونحن بحاجة إليه، أنا لا أبالغ في كل دقيقة من دقائق حياتنا، أنت أمام مشكلة يجب أن تحل، أمام عقبة يجب أن تتجاوزها، أمام ضائقة يجب أن تنجو منها، أمام عدو حاقد يجب أن تنجو من حقده، فهناك أخطار محيطة بالإنسان في كل وقت، وفي كل زمان، وفي كل مكان، وهذه الأخطار هي محفزات للتوحيد، محفزات لمعرفة الله، أقول ولا أبالغ: إن هذا الدرس اليوم يحتاجه كل واحد منا في كل يوم، بل في كل ساعة، إما أن يعتد بقوته، أو بعلمه، أو بخبرته، أو بمنصبه، أو بشهادته، أو بنسبه، أو بإمكاناته، أو بماله، حينما يعتدُ بهذا الذي بين يديه، وينسى فضل الله عليه، يقع في مطبةٍ اسمها الشرك الخفي، وقد ورد في بعض الآثار النبوية:

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقولُ إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية وأعمالٌ لغير الله))

[ورد في الأثر]

التوحيد ألا يرى الإنسان مع الله أحداً :

 أخواننا الكرام، الشرك الجلي واضح، أن تعبد بوذا مثلاً كما يفعل من في بعض البلاد في شرقي آسيا، أن تعبد صنماً، أو حجراً، أو شمساً، أو قمراً، أو إنساناً، ولكن التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[سورة هود الآية:123]

 التوحيد أن ترى كما في قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[سورة الصافات]

 فكل الدين ولا أبالغ يدور حول التوحيد، والإيمانُ بالله خالقاً هذا الإيمان موجود عند معظم البشر، حتى إبليس آمن بالله خالقاً، والدليل قال:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

[سورة ص]

﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

[سورة ص]

 فقضية أن تؤمن أن الله موجود هذه قاسم مشترك بين كل البشر، عدا قلة قليلة جداً عطلت عقولها، ولكن الإيمان الذي نقصده في كل هذه الدروس الإيمان التوحيدي، أي ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى أن رزقك بيد الله، وأن سعادتك بيد الله، وأن الشقاء بيد الله، وأن الحكمة بيد الله، وأن التفوق بيد الله، كلما رأيت أمور الدنيا منوطة بالله عز وجل كنت موحداً، فالتوحيد أن تجعل همومك هماً واحداً، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى أنّ يد الله تعملُ وحدها،

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

المؤمن يعترف دائماً بفضل الله عز وجل عليه :

 أيها الأخوة، الله عز وجل يذكّر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ لهم:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾

 الصحابة الكرام شبابٌ ضعاف فقراء، واجهوا قريشاً، واجهوا صناديد قريش، واجهوا الأغنياء، واجهوا الأقوياء، واجهوا من سيطروا على الجزيرة العربية بأكملها، لكن الله معهم، وإن كان الله معك فمن عليك؟ وإن كان عليك فمن معك؟ ويا ربي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾

 وأنت أيها المؤمن أنا أتمنى أنك إذا قرأت آية في كتاب الله بالتعبير المعاصر أن تسقطها على نفسك، أنت كشاب وقعت في عدة مواقع محرجة، كيف نجاك الله منها؟ لك طلبات عند الله بدت لك في وقتٍ ما مستحيلة، كيف تحققت؟ كنت بحاجة إلى عمل، إلى زوجة، إلى بيت، إلى أولاد، الله يسر لك زواجك، يسر لك عملك، رزقك أولاداً، حينما ترى أن ما أنت فيه ليس بذكائك، ولا بخبرتك، ولا بحنكتك، ما أنت فيه فضل الله عليك، هذه الرؤية هي محض الإيمان، أن ترى دائماً فضل الله عليك.

﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾

[ سورة النمل الآية: 40]

 دخلت إلى البيت: "الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له"، استيقظت صباحاً معافى في جسمك، "الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي، وعافاني في بدني، وأذن لي بذكره"، جلست إلى الطعام أكلت فشبعت: "الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وأسقانا فأروانا"، لك زوجة تعتني بك، تطبخ لك، تهتم بشأنك، هذه نعمة كبيرة، في بيتك أولاد صغار، يملؤون البيت فرحةً، هذه نعمة أيضاً، لو أردت أن تعدد نعم الله عز وجل فلن تحصيها.

 

المؤمن يرى فضل الله عليه و غير المؤمن يرى الذي ينقصه فقط :

 الشيء اللطيف:

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 34]

 هل يمكن أن تقول لإنسان خذ هذه الليرة فعدها؟ كأن المعنى أن نعمة واحدة من نعم لو ذهبت تعدد خيراتها وفضائلها لا تنتهي، فأنت غارق في نعمة الله، جسمك، لك بصر ترى به الأشياء، لك سمع تنتهي إليك الأصوات، لك عقل، لك لسان تنطق به، لك رجلان تتحرك بهما، لك يد تسعى بها، لك بيت، لك أهل، لك زوجة، لك أولاد، هذه النعم التي تعد عند الناس، عادة الإنسان غير المؤمن لا يشكر الله عز وجل، يرى الذي ينقصه فقط، والبطولة قبل أن ترى ما ينقصك ينبغي أن ترى ما عندك، مثلاً:

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه ))

[أخرجه الترمذي عن عبيد الله بن محصن ]

 إنسان ليست هناك مذكرة بحث في حقه، لو التقيت مع إنسان عليه مذكرة بحث ينخلع قلبه إذا طُرق بابه، حالة القلق والخوف، أنت من خوف المرض في مرض، ومن خوف الفقر في فقر، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، فأنت معافى من هذا القلق، أنت آمن في سربك.

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

 لا يوجد بحقك مذكرة بحث، لا يوجد عندك ولد معاق، والله هناك أولاد معاقون، ولهم آباء قد يكونوا مؤمنين، ويصبرون على هذه الإعاقة، ولكن الولد الغير معاق أجمل بكثير، ابنك يتحرك أمامك، يتكلم، دخل مدرسة، ارتقى من صف إلى صف، هذه نعمة قد تغيب عن معظم الناس، هناك طفل منغولي، طفل معاق، طفل مشلول، طفل عنده تخلف عقلي، طفل عنده عاهة دائمة، أما إن كان في البيت طفل سليم، طفلة سليمة، زوجة صالحة، مأوى، هذه النعم التي غمرك الله بها ينبغي أن تذكرها.

 

العالم شرد عن الله شروداً كبيراً و المؤمن أنعم الله عليه بنعمة التوحيد :

 مرة ثانية: المؤمن يرى فضل الله عليه، بالحد الأدنى أنه منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد.
 في الحد الأدنى دلك عليه، لم تكن شارداً، هناك ملايين مملينة، مئات الملايين يعبدون حجراً، الآن في شرق آسيا يعبدون بقرة، يعبدون جرذاً، عندي موضوع في مجلة فرنسية عن قبائل كثيرة في آسيا يعبدون الجرذ، وهناك معابد، و تحقيقات طويلة جداً، هناك من يعبد النار، هناك من يعبد موج البحر، وهناك من يعبد شهوته وما أكثرهم.

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

[ سورة الفرقان الآية: 43]

 العالم شرد عن الله شروداً كبيراً، فأنت الله عز وجل أنعم عليك بنعمة التوحيد، تعبد الله عز وجل خالق السماوات والأرض:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 185]

 أنزل على عبده الفرقان، الفرقان بين يديك تقرأه، قدم لك الفرقان أو قدم لك القرآن تصوراً عن الكون، وعن الحياة، وعن الإنسان، وعن سرّ وجودك، وعن غاية وجودك، وماذا بعد الموت، وعن الجنة والنار، هذه كلها حقائق تبعث في النفس الراحة، أنت تعرف من فقد العقيدة في ضياع، عنده ألف سؤال وسؤال، وألف استفهام واستفهام، و عنده قضايا عالقة، وقضايا ليس لها جواب، هذا الدين العظيم قدم لك تصوراً دقيقاً، عميقاً، شمولياً، عن الكون والحياة والإنسان.

 

من اشتغل بمعرفة نعم الله عليه كان أقرب الناس لله عز وجل :

 لذلك تذكر فضل الله عليك، من هذا الفضل الذي أُشير في هذه الآية، إلى الصحابة الكرام:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾

 أنا أقول في قوله تعالى:

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

 كل مؤمن ولا أستثني واحداً له أيام مع الله، وقع في ضائقة فسأل الله مخلصاً فاستجاب الله له، كان على مشارف امتحان مصيري، والمادة صعبة جداً، والله وفقه في هذه المادة وتخرج، وتعين بوظيفة، وتزوج، واشترى بيتاً، واستقر، هذا من فضل الله عليك، هناك نعم قد ترونها بديهية، لك أب وأم، لو التقيت بلقيط لوجدت عنده آلام تسحقه، من أبوه؟ لا يعرف، هناك آلام تسحقه، من أسرة، لك أب، لك أم معروفة بصلاحها، فلو ذهبت تعدد فضل الله عليك لذبت محبة لله عز وجل.
 والله أنا أقول حتى لمن أصابته مصيبة، أقول له: لو كشف الغطاء يوم القيامة عن الحكمة من سوق هذه المصيبة لك إن لم تذب محبة لله فأنا مسؤول عن هذا الكلام.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 26]

 أي شيء مألوف جداً أن لك عينين، لكي ترى الألوان، ترى الجبال، ترى الأنهار، ترى البحار، ترى السماء، ترى الأطيار، ترى الأسماك، ترى زوجتك، ترى أولادك، ترى من حولك، ترى من فوقك.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[ سورة البلد]

 وهناك إنسان فاقد البصر، جعلك تنطق تعبر عن مشاعرك، عن أفكارك، عن مبادئك بلسان فصيح، هذه نعمة كبرى، أنا أذكر نعماً بشكل غير متسلسل، كيفما تحركت هناك نعمة أنت مغمور بها.
 لذلك إذا اشتغلت بتعدد أو بمعرفة نعم الله عليك كنت أقرب الناس لله عز وجل.
 أيها الأخوة، الآية الخامسة والعشرون من سورة التوبة:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾

 الوضع الطبيعي هناك نعم أنت مغمور بها، لكن أحياناً تكون في نعمة كبرى ساقها الله إليك، وتوهمت أنت أنها من جهدك، ومن بطولتك، ومن إمكاناتك، هنا وقعت في شرك خفي.

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

شروط تلاوة القرآن الكريم :

 أخواننا الكرام، لا يغيب عن أذهانكم أن الله سبحانه وتعالى حينما وصف المؤمنين بأنهم:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 121]

 وأذكركم أن من حق التلاوة أن نقرأه بلغة عربية صحيحة، لذلك سيدنا عمر قال:" تعلموا العربية فإنها من الدين".
 ومن حق تلاوته أن تقرأه قراءة مجودة إن أمكن، شيء جميل جداً أن تتعلم قواعد التجويد، ومن حق تلاوته أن تفهمه، ومن حق تلاوته أن تطبقه، والتدبر أن تعرض نفسك على كل آية تقرأها أين أنت منها؟ هل أنت مطبق لها؟ هل أنت مقصر؟ هل أنت ينبغي أن تستكمل بعض الأعمال كي تنطبق عليك؟

 

من وقع في الشرك الخفي استحق التأديب :

 فلذلك هذه الآية التي بين أيدينا هل تذكرت فضل الله عليك؟ في دراستك، في زواجك، في عملك، في أولادك، في علاقتك الطيبة بأهلك، فهناك نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى.
 لذلك الآية الكريمة هي موجهة للصحابة، ونحن أيضاً ينبغي أن نسقطها على أنفسنا

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾

 هنا، هذا الدرس البليغ أن قمم البشر، أصحاب رسول الله وقعوا في شرك خفي حتى استحقوا التأديب، فأنت من؟ من أنت أمام سيدنا سعد؟ سيدنا عمر؟ سيدنا الصديق؟ هؤلاء كانوا نخبة البشر، و لكن عندما اعتدوا بعددهم وقالوا في أنفسهم:

((ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 الله عز وجل ساق لهم درساً لا ينسى، في بدر انتصرتم لأنكم افتقرتم، أما في حنين خذلتم فلأنكم اعتدتم بعددكم، فإذا كان هذا الدرس البليغ ينطبق على أصحاب رسول الله وهم قمم في الكمال فلأن ينطبق على كل مسلم من بابِ أولى،

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ﴾

 لذلك قيل: يؤتى الحذر من مأمنه، مثلاً طبيب ـ رئيس قسم الأمراض الباطنية في الجامعة ـ أمضى ثلاثين عاماً في الأمراض الباطنية، أحياناً يتوهم أنه محصن من هذه الأمراض، والشيء الغريب كأنه يعتد أن هذا اختصاصه، يصابُ أستاذ الأمراض الباطنية بقرحة في المعدة أحياناً.

 

المؤمن لا يرى عمله يرى فضل الله عليه :

 أحياناً الإنسان دون أن يشعر يعتد باختصاصه، فيؤتى من مأمنه، البطولة أن تفتقر إلى الله، البطولة ألا ترى مع الله أحداً، البطولة أن ترى ما أنت فيه فضلٌ من الله عليك، لذلك أقول دائماً: المؤمن لا يرى عمله، يرى فضل الله عليه، الله وفقك بالدعوة، ليس بذكائك، ولا بقوة شخصيتك، ولا بطلاقة لسانك، ولا باتساع علمك، ولا بحكمتك، هذا التوفيق الذي أنت فيه من فضل الله عليك، تدخل إلى بيتك تجد زوجة صالحة، و أولاداً أصحاء، معك ثمن طعامك، معك مأوى، "الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له"، عود نفسك أن ترى نعم الله عليك، عود نفسك إذا استيقظت أن تقول ـ هناك ستة آلاف مليون إنسان كل يوم يستيقظون ـ كما كان يقول النبي عندما يستيقظ:

(( الحمد لله الذي ردّ لي روحي ))

 أنا أعرف شخصاً نام فلم يستيقظ صباحاً، وجد ميتاً، فالإنسان إذا استيقظ:" الحمد لله الذي ردّ لي روحي"، بعد ذلك وقف، مشي، توضأ:"وعافاني في بدني"، وبدأ يومه بالذكر، وبالصلاة.

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 مرة إنسان تبرع ببيت لجمعية خيرية، أقيم به حفل، عريف الدخل ألقى به كلمة، قال له: أيها المحسن الكريم كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، وأن تقف في صف كبير معك الهوية، وينبغي أن تبصم لثلاثمئة ليرة قبل العيد، ولكن الله أغناك، وسمح لك أن تقدم هذا البيت لوجه الله، حتى الذي يعطي لولا أن الله امتن عليه بالعطاء لما أعطاه، التوحيد أن ترى فضل الله عليك.

 

من اتجه إلى غير الله عز وجل تخلى الله عنه :

 لذلك ،

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ﴾

 أحياناً تعجب بعلمك، هناك طبيب بمدينة بقطر مجاور، يعد الأول في اختصاصه، فزاره زميله الطبيب باختصاص آخر، فقال له: أنا أقوى طبيب بالمنطقة، ارتكب خطأ مع مريض لأول مرة في تاريخ هذا القطر تسحب من طبيب شهادته، صدر قرار بسحب الشهادة من هذا الطبيب، لا تقل أنا قل الله، أنت بين التولي والتخلي، تقول: أنا يتخلى عنك، تقول: الله يتولاك، قمم البشر الصحابة الكرام، قالوا في بدر الله فانتصروا، وقالوا في حنين:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 فلم ينتصروا،

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ﴾

 والله إذا جاء القدر كما يقال عمي البصر، إذا جاء القدر لا تنتفع لا بعلمك، ولا بمكانتك، ولا بعلاقاتك، ولا بالأقوياء الذين يقدرونك، ولا تنفع إلا بفضل الله عز وجل.

﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾

 أي هناك تأديب من الله لطيف أنه في أية لحظة تعتد بها بقوتك كل المنافذ الأرضية تغلق أمامك، جميع الأبواب تصبح مغلقة إلا باب السماء.
 قال لي أخ فقد حريته، قال لي بقيت سنة وشهرين، السنة بأكملها أحاول أن أوسط أشخاصاً كي يطلق سراحي، بعد مضي اثني عشر شهراً لم تنجح كل محاولاتي، فتركت البشر واتجهت إلى خالق البشر، صار يصلي، يقوم الليل، يسأل الله في جوف الليل، حتى امتن الله عليه بإطلاق سراحه.
 أي هذا درس بليغ، حاول أن تتجه إلى الله وحده، حاول أن ترجع الأمور إلى فضل الله وحده.

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

 حكمة بالغة، عددهم كبير، عشرة آلاف مقاتل يولون مدبرين، لكن العلاج الإلهي جاهز:

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾

 الراحة النفسية، الثقة بالله، الافتقار إلى الله، الاعتماد على الله.

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾

 هذا الدرس صدق ولا أبالغ يمر به المؤمن في اليوم عدة مرات، لمجرد أن يعتمد على ما يتوهم أنه من قدراته، اختصاص، شهادة، منصب، ذكاء، حكمة، أقارب، شركة، علاقات، يتخلى الله عنه، وكل من حوله يفاجئونه بتخليهم عنه، فإذا اتجه إلى الله وحده، الله عز وجل وفقه.

 

على المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:

 هذا الدرس درس بليغ ويحتاجه كل واحدٍ منا، اعتمد على الله وحده، خذ الأسباب وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، طبعاً سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، وأن تنسى الله، والأسهل منه ألا تأخذ بها وتتواكل على الله، وكلاهما طريقٌ غير صحيح، البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾

 وهذه السكينة تسعد بها ولو افتقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، الراحة النفسية، الثقة بالله، الشعور بالاعتداد بالله عز وجل.

﴿ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾

 هذا الدرس مرّ به أصحاب رسول الله، ويحتاجه كل مؤمن إلى يوم القيامة، بأي مجال، أحياناً بالتجارة، أحياناً بالصناعة، أحياناً بالوظيفة، أحياناً بالدراسة، أحياناً بالمعالجة الصحية، تتجه إلى أطباء وتنسى خالق الأطباء، تجد الطرق كلها مسدودة، ثم تتجه إلى الله تفتح لك الأبواب، فأنت استفد من هذه التجربة التي مرّ بها الصحابة الكرام، وحاول أن تعقد الأمل على الله، وأن تتوكل على الله، وأن ترجو الله، وأن تستقيم على أمر الله، تمهيداً للدعاء الذي يقبله الله جلّ جلاله.