القضاء - الدرس : 6 - الشاهد.

1993-08-29

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من صفات الشاهد :

1 ـ العدالة :

 أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، ولا زلنا في بعض موضوعاته الكبرى، ألا وهو الشهادة، وقد تحدثنا في الدرس السابق عن أن الشاهد يشترط فيه أن يكون مسلماً، وأن يكون الشاهد أيضاً ذا عدالة، وبينت لكم أن العدالة صفة نفسية بينما الضبط صفة عقلية، العدالة - وهذا موضوع ذكرته كثيراً من قبل لكن متصل بموضوعنا- العدالة إما أن تسقط، وإما أن تجرح:

((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))

[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]

 أما الكذاب فتسقط عدالته، الظالم تسقط عدالته، المخلف وعده تسقط عدالته، وإذا سقطت عدالته فقد اعتباره، وفقد مكانته، وفقد حقوقه الاجتماعية، يكفي أن تقول: فلان لا تقبل شهادته، أي ساقط، ساقط اجتماعياً، لأنه كاذب، أو لأنه ظالم، من هو الظالم؟ لو عرف الله لما ظلم، هو لا يعرف الله إطلاقاً، لو أن عرف الله سبحانه وتعالى قيوم السموات والأرض، وأن عدله مطلق، وأنه لا بد من أن يعاقبه ما ظلم، إذاً الذي يظلم هو لا يعرف الله إطلاقاً، فالذي يكذب.

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]

 أي ممكن أن يكون المؤمن اجتماعياً، أو انعزالياً، أو منفتحاً، أو منغلقاً، أو حريصاً، أو ينفق كثيراً، يتحمل الإيمان آلاف الطباع، وكلهم على العين والرأس، مؤمن حاد الطبع، مؤمن هادئ جداً، مؤمن عصبي كما يقولون، مؤمن عنده راحة نفسية، هذه كلها طباع مقبولة:

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]

 فالكذب يتناقض مع الإيمان، مرة ذكرت أو سألني أخ كريم، شيء عجيب، يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؟

(( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 أي هناك معاص كثيرة يغفرها الله عز وجل، أما مثقال ذرة من كبر فتدخل النار؟ الجواب لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل.
ضربت مثلاً كيلو حليب يتحمل كيلو ماء، وشرب الحليب مع الماء مقبول، طبعاً من دون أن تشتريه مغشوشاً، لو أنت أضفت الماء للحليب ممكن، ألا تضيف الماء للبن لتعمل لبناً عيراناً؟ يا ترى الماء الكثير مع اللبن هل يفسده؟ لا يفسده، شراب طيب، أما  قطرة كاز في إناء الحليب فتلقيه في المجاري، انتهى.

 

أشياء تفسد العمل :

 هناك أشياء تفسد العمل، الخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، انتهى الأمر، فالعدالة:

((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))

[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]

 أنا أرى أن الإنسان لو كان فقيراً من المال لكنه ظاهر العدالة فهو في أعلى عليين، ولو كثر ماله وسقطت عدالته فهو في أسفل السافلين، البطولة أن تتعامل من مقاييس رب العالمين، ابتغوا الرفعة عند الله، أنت تتعامل مع ما جاء به القرآن والسنة، فالظلم يسقط العدالة، والكذب يسقط العدالة، وإخلاف الوعد يسقط العدالة، أي إسقاط العدالة كأن تأتي بكأس من البلور وتأتي بمطرقة وتحطمه، هذا الكأس تحطم، لكن هناك أعمال لا تسقط العدالة، لكنها تجرحها، أحياناً الكأس لا يتحطم لكنه يشعر، هنا العلماء عدوا أكثر من ثلاثين حالة تجرح العدالة، الأكل في الطريق يجرحها، الحديث عن النساء يجرحها، التنزه في الطرقات يجرحها، صحبت الأراذل تجرحها، من علا صوته في البيت يجرح عدالته، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، أكل لقمة من حرام تجرحها، من أطلق لفرسه العنان، السرعة الزائدة في قياس المركبات تجرح العدالة، الطائش، أرعن، مجروح العدالة، من قاد جرذوناً - حيوان مخيف- كلب عقور، يربي الكلاب، هذا يجرح العدالة، وهناك حالات كثيرة تجرح العدالة، فالشاهد ينبغي أن يكون ضابطاً عدلاً، أي واع، عنده وعي وعدل، وعنده ورع، وعنده استقامة، هذه العدالة.

 

2 ـ البلوغ و العقل :

 ثم البلوغ والعقل، هنا يوجد موضوع لطيف أنه لو أن أطفالاً صغاراً يلعبون، فجرح بعضهم بعضاً، هل تقبل شهادة الصغار؟ العلماء وقفوا عند هذا السؤال وقفة لطيفة جداً، فقالوا: هؤلاء الصغار إذا اجتمعوا جميعاً على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا، لو أنهم تفرقوا، وذهبوا إلى أهليهم ربما الأهل أوحوا إليهم بشهادة معينة لعلاقات قديمة، أما الأطفال الصغار، إن اجتمعوا على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا إلى أهليهم، فشهادتهم أقوى من شهادة الكبار لماذا؟ لأن الكبار ما كانوا يلعبون في ملعب، شهادتهم إن اتفقت، وقبل أن يتفرقوا أقوى من شهادة الراشدين، الغائبين عن ملعبهم، هم يحضرون، لذلك بعض العلماء أخذ بشهادة الصغار خلافاً لهذه القاعدة في موضوعات الصغار في ملاعبهم، في لهوهم، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يدعو إلى اللعب، كان يقول: أنا لم أخلق لهذا، فقلت اليوم في حديث: يا رب هو حينما كان صغيراً عرف مهمته، نحن الكبار هل نعرف مهمتنا في الحياة؟ هل نعرف رسالتنا؟ هل نعرف ما يصلح لنا وما يفسدنا؟ هل نعرف الهدف الكبير من خلقنا؟

3 ـ الكلام :

 الآن من شروط الشهادة الكلام، لا بد من أن ينطق، أما إذا كان أخرساً فشهادته مرفوضة ولو تكلم، أي سبحان الله هناك إعجاز في القرآن الكريم.

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة النمل: 80]

 الأصم يفهم، أما إذا أدبر فلا يفهم، الأصم يفهم بالإشارة، على كلٍّ الأخرس ولو أشار، ولو فهمت إشارته لا تقبل شهادته، لأنها قضية حقوق، إلا أن بعض العلماء أجاز أن الأخرس إذا كتب فشهادته مقبولة فشهادة كتابية، أنه يتمتع بوعي.

 

4 ـ الضبط :

 ولا تقبل أيضاً شهادة من عرف بضعف الضبط، الضبط صفة عقلية، أي نساء، كثير النسيان، ضعيف الملكات، محدود الإمكانات، مثل هذا الإنسان لا يفرق بين رجل ورجل، بين حادث وحادث، فهذا الضعيف في ملكاته كثير النسيان، المحدود في إمكاناته، العلماء لا يقبلون شهادته، قلنا لكم مرة: إن إنساناً ذهب لطبيب يشكو له مرض النسيان، حدثه عن مرضه طويلاً، فلما انتهى سأله الطبيب هذا المرض منذ متى كان معك؟ قال له: أي مرض هذا؟ طبعاً نسي ماذا قال له فكثير النسيان لا تقبل شهادته .

5 ـ ألا تكون له علاقة حميمة مع المتهم :

 لكن سبحان الله ما أعظم هذا الشرع، من أبرز شروط الشاهد في القضاء الإسلامي أن تنفى عنه التهمة، أية تهمة هذه؟ الإنسان لا تقبل شهادته لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، ولا شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة المنفق على المنفق عليه، لأن المنفق له يد بيضاء، فإذا أوحى إلى المنفق عليه اشهد هكذا، ربما خاف على رزقه فشهد، فحيثما كانت علاقة بين رجلين، علاقة حميمة، وطيدة، متينة، تقتضي المحاباة، فالشهادة عندئذ لا تقبل.

6 ـ عدم قبول شهادة العدو على عدوه :

 كذلك لا تقبل شهادة العدو على عدوه، أيعقل أن يكون الخصم حكماً؟ ألم يقل الشاعر:

يا أعدل الناس إلا في معاملتــي  فيك الخصام وأنت الخصم والحـكم
أعيذها نظرات منــــك صادقة  أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
***

 الخصم لا يكون حكماً، كما أنه لا يكون شاهداً، لذلك الشرع الحنيف رفض شهادة الخصم على خصمه.
 بالمناسبة حينما أقول شهادة، إذا أضفت لها اللام، هي شهادة له أما إذا أضفت على، عليه، شهدت له أي صدقته، شهدت عليه أي كذبته، فشهادة العدو على عدوه لا تقبل، لأنه عدو، ولصالحه أن يوقع بعدوه الضر، لكن دقة الشرع دقيقة جداً قال: إذا كان بين رجلين خصومة دنيوية، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة، أما إذا كان بين الرجلين خصومة أخروية، فالشهادة مقبولة، كيف؟ لأن الرجل إذا كان خصماً عقائدياً لرجل معناها رجل مؤمن، والمؤمن يخاف الله عز وجل، وهو مظنة الصدق والصلاح، لذلك لو سألت مؤمناً صادقاً أن يشهد على عدوه لا يشهد إلا بالحق، لذلك شهادة الخصم الأخروي مقبولة ولو على عدوه، أي إنسان معروف بالصلاح، والتقى، والورع، يبيع دينه بعمل بسيط؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو قطع إرباً إرباً ما باع دينه، لا يشهد إلا بما رأى، شخصية المؤمن شخصية فذة، إنسان متميز، إنسان رائع، المؤمن رجل مبادئ، التبر عنده كالتراب، الدنيا كلها تحت قدمه إذا تعارضت مع مبادئه، لذلك إذا كان بين رجلين خصومة أخروية أي الرجلان أحدهما رجل مؤمن، تقي، متمسك بالدين، ورع، يخاف الله عز وجل لو شهد على عدوه شهادة فهي مقبولة، أما في خصومة دنيوية، مثلاً مختلفين على محضر، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة.

 

عدم قبول الشهادة للقريب أما عليه فمقبولة :

 هناك نقطة دقيقة: قلت قبل قليل: إنه لا تجوز شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة الزوجة لزوجها، ولا شهادة المنفق للمنفق عليه، لكن تجوز الشهادة عليهما فهمتم؟ الشهادة لهما لا تجوز، أما عليهما فتجوز، لو أن إنساناً شهد على ابنه أنه هو المتسبب بإيذاء هذا الرجل، معنى هذا أنه أب ورع جداً، أنه واع جداً، شهد على ابنه أنه هو المتسبب، هذه مقبول، لا تقبل الشهادة له، أما عليه فتقبل.

7 ـ ألا يكون خائناً أو مجلوداً بحدٍّ :

 وقد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمرٍ على أخيه المسلم.

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، وَلا مُجَرَّبِ شَهَادَةٍ، وَلا الْقَانِعِ أَهْلَ الْبَيْتِ لَهُمْ، وَلا ظَنِينٍ فِي وَلاءٍ وَلا قَرَابَةٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ الْقَانِعُ التَّابِعُ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ وَيَزِيدُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَلا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلا مِنْ حَدِيثِهِ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ وَلا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ جَائِزَةٌ لِقَرَابَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ عَدْلا فَشَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَهَادَةِ الأَخِ لأَخِيهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ كُلِّ قَرِيبٍ لِقَرِيبِهِ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ لا تَجُوزُ شَهَادَةٌ لِرَجُلٍ عَلَى الآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلا لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ إِحْنَةٍ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ،وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ غِمْرٍ لأَخِيهِ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ ))

[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

 قال الغمر: هو صاحب الحقد، هناك إنسان حقود، المؤمن غر كريم، سليم الصدر، نظيف القلب، يألف ويؤلف، ينسى العداوة، يسامح، ويتجاوب، لكن غير المؤمن أو بعض المؤمنين المقصرين فعنده حقد، فقال: صاحب الحقد هو ذو الغمر، والعداوة تظهر في الأقوال والأفعال، ومن مظاهر العداوة أن تفرح بمصيبة ألمت بأخيك، وبالمناسبة هذا الكلام قد يكون خطيراً إذا أنت إنسان، وألمت بأخيك المسلم مصيبة، وفرحت بهذه المصيبة، ادمغ نفسك بالنفاق ولا تحابي نفسك، هذه صفات المنافق، أنت كمؤمن ينبغي أنت تفرح بالخير يصيب إخوانك المؤمنين، أخوك تزوج، لماذا تزوج قبلي؟ أرجو الله ألا يوفقه بهذا الزواج، هذا ليس مؤمناً، هذا إنسان بعيد عن الدين، حقود، حسود، أما المؤمن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ يتبدى إيمانك بفرحك الشديد بالخير يصل إلى أخيك، وهناك أدلة كثيرة من هذه الأدلة أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾

[ سورة النساء: 29]

 ما قال: لا تأكلوا أموال إخوانكم، ما قال: لا تأكلوا مال أخيكم قال:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

  لأن الله سبحانه وتعالى يشير بهذه الآية إلى أن مال أخيك هو مالك، كأنه مالك، تفرح به، وتحرص على صيانته، وعلى تنميته، فحينما تشعر أن مال أخيك هو بمثابة مالك لا من حيث أن تأكله بل من حيث أن تحرص على سلامته، وأن تحرص على تنميته، وأن تحرص على حفظه، هذا معنى:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

 إنك إذا أكلت مال أخيك كأنما أكلت مالك.

 

الإسلام دين المحبة و التآلف :

 نحن لا نذوق عظمة الإسلام إلا إذا عشنا بالإسلام، إلا إذا عشنا الإسلام في بيوتنا، في أعمالنا، في علاقاتنا، أي أروع ما في الإسلام هذا المجتمع الإسلامي الذي يسعد به المسلمون، أنت لست وحدك في الحياة، لك مئة أخ وأخ، لك ألف أخ، كلما تعاونا، وتكاتفنا، وتسامحنا، وعذر بعضنا بعضاً، وتعاون بعضنا مع بعض، أصبحنا نحب بعضنا أكثر، لذلك يد الله مع الجماعة، يد الله على الجماعة، لذلك ربنا عز وجل إن رأى شريكين مخلصين يبارك لهما في أعمالهما، أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، شركة على التأبيد، بنية خالصة مباركة تجد أن هذه الشركة بارك الله بها، وحفظها، ونماها، إذاً قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، .... وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، ... ))

[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

 أما له فلا تجوز، وقد قال عليه الصلاة والسلام حديثاً اعتمده الإمام الشافعي: "لا تجوز خصم على خصمه".

 

جواز شهادة الأخ لأخيه و الصديق لصديقه :

 العلماء بعضهم قال: شهادة الأقرباء تجوز، أي نحن استثنينا الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، والأب لابنه، والابن لأبيه، لأن علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، بضعة منه، ماذا قال النبي الكريم؟ "فاطمة بضعة مني، من أكرمها فقد أكرمني، ومن أغضبها فقد أغضبني"، علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، كذلك الابن بابيه علاقة حميمة، علاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الزوجة بزوجها، أما على مستوى الأخوة فربما قبلت شهادة الأخ لأخيه أو على أخيه، على أخيه مقبولة، أما لأخيه العلماء فأجازوا هذه الشهادة، وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه، الأخ لأخيه تجوز، والصديق لصديقه تجوز.

8 ـ ألا يكون مجهول الحال :

 أما شهادة مجهول الحال، شخص لا نعرفه يشهد، هناك قصة رائعة جداً، وهذه القصة لها دلالات كثيرة، حصلت في عهد عمر بن الخطاب، فقد شهد عند عمر بن الخطاب رجل فقال له عمر: يا هذا لست أعرفك؟- أنت قد تكون أنزه إنسان، أعلم إنسان، لكن الشخص لا يعرفك، اعذره، ما عرفني، أنا معروف بين الناس كلهم، وقال لي: ما اسمك؟- قال له: يا هذا لست أعرفك، لكن من أدب سيدنا عمر، قال له: ولا يضرك أني لا أعرفك، هذا شيء لا يضرك، لأن بعض الغزوات القاسية جاء رسول من هذه المعركة الحاسمة يخبر سيدنا عمر أن هناك شهداء كثر، فقال عمر من هم؟ قال الرسول: يا أمير المؤمنين لست تعرفهم، فصار يبكي سيدنا عمر، قال: وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ انظر إلى هذا الأدب، وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ فالإنسان كلما ارتقى إيمانه يرتقي أدبه، قال له: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، أنت بمكانتك العلية.
 وأنا كنت أقول دائماً إن الإنسان أحياناً يكون معه كيلو معدن أنا أقول: معدن لأن لي هدفاً، لو أنه بذكاء، وبحنكة، وبطلاقة لسان، وبأسلوب دعائي أوهم أن هذا المعدن ذهب خالص، أربع وعشرون و هو تنك، هو الخاسر، والناس صدقوه، وظنوا أن معه ذهباً، هذا الذهب العظيم، ولو أن إنساناً آخر معه كيلو معدن وهو ذهب حقيقي والناس يظنونه معدناً خفيفاً هو الرابح.
 خيرك منك، وشرك منك، وعلاقتك بالدرجة الأولى مع نفسك، قال: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك لأني لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، نريد شاهداً، ومن يعرف بهذا الشاهد أنه رجل عاقل، مستقيم، من أهل الصلاح، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، فقال له سيدنا عمر: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، شيء جميل، قال: هل هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم والدينار الذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، إنسان ذهب معك في سفر، صرفت كذا و كذا ما قال لك ما الحساب؟ إذاً يوجد حساب، ونفقات، وطعام، وأجور، أنت ساكت وهو ساكت، هو من دون سفر إنسان راق جداً، بالسفر كشف، إنسان يسكن إلى جانبك، جارك، يا ترى هذا الجار مؤمن؟ ورع؟ مستقيم بصلاته؟ بغض بصره؟ في بيته هل هناك ملهيات؟ لا يوجد ملهيات، تعرفه جارك الجانب بك، قال: لا، لا أعرفه، قال: هل رافقته بالسفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: يا هذا إنك لا تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك هذا لا يعرفك، سيدنا عمر أخذ السفر، وأخذ الجوار، وأخذ التعامل بالدرهم والدينار، لذلك أقرب الناس لك جارك، أحياناً الشخص لا تعرفه إطلاقاً، تلتقي به في مجلس، في بيت، في زيارة، في العيد، إذا نظرت إليه لا تعرف ما اسمه، ولا عمله، ولا ثقافته، ولا شهاداته، لا تعرفه إلا من هندامه، من قوامه، ومن شكله، قال: إذا تكلم تنسى شكله، ولباسه، وهندامه، فإذا عاملك تنسى حديثه، إذا تكلم بالقيم، والدين، والورع، أو تكلم بالدعوة إلى الله، و عندما عاملته بالدرهم والدينار كان بلا ذمة و لا أمانة، كل كلامه سقط، لذلك الإنسان عندما يخطئ، إذا كان معه شيء من العلم، وألقاه على الناس، ثم أساء معاملتهم، يا ليته يسقط هو وحده، لكن المشكلة أن كل الذي ألقيته على الناس من علم ومن حقائق تسقط مع سقوط المتكلم، الملاحظ أن الإنسان إذا تكلم بالعلم، وله مواقف أخرى غير مقبولة، تكلم بما ليس قانعاً به، الكلام الثاني يبطل الأول.

أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي من يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح :

 نحن عندنا في اللغة العربية أثناء التصحيح قاعدة، لو إنسان قال: مفعول به صح مفعول به، لكنه مرفوع، بالسلم إذا قال: مفعول به علامة، ومنصوب علامة ثانية، أصبح له علامتان، لو قال: مفعول به مرفوع، كلمة مرفوع تذهب صحة أول قسم، إذا قال: مفعول به منصوب يأخذ العلامتين، إذا قال: مفعول به علامة، إذا قال مفعول به مرفوع يأخذ الصفر، قال: مفعول به لكن الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، هذه القاعدة نفسها إذا تكلمت كلاماً صحيحاً، وأتبعته بكلام سيئ، فالكلام السيئ يذهب قيمة الكلام الصحيح، لذلك أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي هو الذي يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 دعا وعمل صالحاً، لو دعا إلى الله ولم يعمل صالحاً تسقط دعوته.
 إذا إنسان قال لك: هذا كتاب، وهذا إبريق، هذا ليس إبريقاً، لكن قال لك: هذا إبريق ليكون هذا أيضاً ليس كتاباً، انتبهت إلى أول الكلام، مادام ارتكب حماقة في وصف هذا الكأس وقال: هذا إبريق كبير، وهو كأس صغير، أنت الآن تشك بأول وصف.
فإذا دعوت إلى الله إياك أن تقول كلاماً في موضوع آخر غير صحيح، لأن الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول.
 لذلك أنا أشعر كثيراً في حالات زواج هناك شيء مؤلم جداً، أنه سألت عنه؟ سألنا عنه، قال: آدمي، ما معنى آدمي؟ سألوا شخصاً لا علاقة له، فتبني أسرة على شكل غير صحيح، ثم يفاجؤون أنه يشرب الخمر، أو أنه لا يصلي، لذلك القصة هي دقيقة جداً ويجب أن نأخذ بها، الجار يعرف حقيقة جاره، والذي يحتكك معك بالدرهم والدينار يعرف ورعك، واستقامتك، والذي يسافر معك يعرف مكارم أخلاقك.

 

عدم جواز شهادة البدوي على الحضري إلا إذا كان عدلاً مرضياً :

 بعض العلماء قالوا: لا تجوز شهادة البدوي على الحضري، هذا موضوع خلافي أي في الحياة الحضرية هناك ملابسات، أمور متداخلة، تعقيدات، البدوي عاش بالصحراء، حياته بسيطة، لا يوجد فيها تعقيدات، بعضهم قال: إن البدوي لا يجوز أن يشهد على الحضري للمفارقة الحادة بين الحياتين، حياة فيها بساطة، وحياة فيها تعقيد، لكن الصحيح كما قال بعض العلماء: جواز شهادته إذا كان عدلاً مرضياً، وهو من رجالنا، من أهل ديننا، والعموميات في القرآن الكريم الدالة على الشهادة تسوي بين البدوي والحضري، إذا كان بدوي مؤمن، أنا لي كلمة أقولها دائماً أتمنى أن تكون دقيقة عندكم: و الله أيها الأخوة لا يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، لا يجوز أن يضاف على كلمة مؤمن كلمة، مؤمن، إن كان بدوياً مؤمن، إن كان حضرياً مؤمن، إن كان يحمل شهادة عليا مؤمن، إن كان لا يحمل شهادة مؤمن، يقرأ القرآن، أي من أجل أن يقوى الإسلام، أقول أنا كلمة: لو أن المسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا كالمسلمين الآن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الإسلام لا يخرج من مكة، أما لأنه خرج من مكة، ووصل إلى أطراف الدنيا، معنى ذلك أن الصحابة كانوا في مستوى رفيع جداً من إنكار الذات، واحد من الصحابة رآه النبي يبكي - سيدنا بلال الحبشي- قال له: ما يبكيك يا بلال؟ قال له: غرابة نسبي، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً، بالمقابل ولو كان هاشمياً قرشياً ولم يكن مؤمناً فلا علاقة له بي، والدليل الله عز وجل قال:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

[ سورة المسد: 1-2 ]

 وقال النبي الكريم: سلمان منا آل البيت.

 

مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة :

 لن تكون مؤمناً إلا إذا تخليت عن كل أنواع العنصرية فيك، كل إنسان يعتز بأسرته، ببلده، بحيه، بوالده، باختصاصه، إنسان عنصري.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

 بدوي، حضري، مدني، ريفي، من هذه الأسرة، من هذه الفئة، هذه كلها عنعنات جاهلية.
 سيدنا عمر لما جاءه بدوي من فزارة يشتكي جبلة، قال له: يا بن أيهم أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن يكتم شيا أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال أرض الفتى لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك- ملك من ملوك الغساسنة جبلة بن الأيهم - قال له: أرض الفتى أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال له سيدنا عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد، بالصعلوك تساوى.
 مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو كنت مديراً عاماً لأكبر مؤسسة، وعندك مستخدم مسلم من إخوانك، إن رأيت نفسك فوقه فأنت لا تعرف الله، قد يكون فوقك يوم القيامة.

((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الإنسان العاقل والموفق هو الذي يكتفي قبل فوات الأوان، المقياس الذي يقيس الله به عباده هو الطاعة، الله يقيس عباده بالطاعة، يقيس عباده بالإخلاص، يقيس عباده بخدمة الخلق، الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، هناك عنعنات جاهلية، التمايز الأسري، التمايز المالي، الاجتماعي، أنا من بيت فلان، هناك كثير من الأسر لها نظرة فوقية ليعض الأسر، هذه كلها من الجاهلية.
 مرّ أحد الصحابة يبدو أنه تغاضب مع سيدنا بلال، قال له: يا بن السوداء، يا لطيف، يا لطيف، القيامة قامت ولم تقعد، قال له عليه الصلاة والسلام: إنك امرؤ فيك جاهلية، هذا الصحابي ما قبل إلا أن يضع خده على الأرض ليأتي ابن السوداء و يضع رجله فوق خده، لعل الله يغفر له، مجتمع المسلمين مجتمع الطبقة الواحدة:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

المقاييس التي يتعامل الله بها مع عباده :

 النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى المرات قال: يدخل عليكم رجل من أهل الجنة- بشارة- أحد الصحابة من شدة رغبته بالتفوق والتنافس الشريف بين الصحابة الكرام ادعى أنه على خلاف مع زوجته، وأراد أن يضيف عند هذا الصحابي الذي بشره النبي بالجنة، نام عنده، ووجده أنه عادي، صلاة زائدة لا يوجد، نام، طبعاً صلى الفجر بوقته، هو تصور أنه يصلي مئة ركعة بالليل، وجده شخص عادي جداً، إذاً كيف بشره النبي بالجنة وعباداته لا تزيد عما هو مألوف بين الصحابة الكرام؟ ثم عرف هذا الصحابي أن هذا الذي بشره النبي بالجنة لا يحمل غلاً في قلبه لأحد، هذا مقياس.
 مرة قلت لكم: شخص رأى النبي الكريم، هو رجل له دعوة، وإمام مسجد، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، كان جاره سمان، له قصة مع زوجته، فأنت إذا كنت عاقلاً وتمكنت أن تضع يدك على المقياس الذي يقيس الله به عباده، هذا المقياس هو أهم مقياس، الله يقيس عباده بالإخلاص، بالطاعة، بخدمة الخلق، قال: لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا، هناك شخص صلاته في أول صف، لكن لا يمكن أن يقدم خدمة، ينسحب فوراً، وهناك إنسان معطاء، حياته مبنية على البذل.
 لذلك أيها الأخوة موضوع المقياس الدقيق الذي ينبغي أن نقيس به أنفسنا هو مقياس أساسه الإخلاص، أول نقطة تكلمتها أساسه خدمة الخلق، لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا، المقياس الثاني الورع:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))

[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]

(( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

[ ورد في الأثر ]

 درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، دع خيراً عليه الشر يربو، أعتقد ست كلمات، الورع، والإخلاص، وخدمة الخلق هذه المقاييس الله جل جلاله يتعامل بها مع عباده.
 هناك مقاييس أخرى الشيخ أحمد الشامي رحمه الله خرج في جنازته خمسين ألفاً، وخمسة آلاف امرأة، كلهن كن مطلقات فأفتى لأزواجهن بإرجاعهن، وفاء له خرجن في جنازته، ما بقي إنسان في القطر ما قدم تعزية، و هو كان قصير القامة جداً، مقياس العلم والعمل فقط، هذا المقياس الوحيد، شيء والله لا يصدق الذي حدث بعد وفاته.
 إذاً الإخلاص، والورع، وخدمة الخلق، وأن يكون طعامك حلالاً، إذا الإنسان في عمله كذب فالأكل حرام، طعامه أصبح حراماً إذا كان هناك غش، أو تدليس، أو كذب، لذلك يقول العبد: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له، اجعل أن يكون طعامك حلالاً، أي من عمل مشروع، من عمل لا يوجد به كذب، أو تدليس، أو غش، أو إيهام، واحرص على أن تكون ورعاً، واحرص على أن تكون مع الورع مخلصاً وعندئذٍ ترى أنك في أعلى مقام.

 

نصاب الشهادة :

 بقي موضوع لا أحب أن أرجئه للدرس القادم من لوازم الشهادة فاسمحوا لي أن أتابعه، أولاً: نصاب الشهادة، هناك موضوعات لابد من أربعة شهود.

﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾

[ سورة النساء: 15]

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة النور: 4]

 إذا إنسان اتهم امرأة بالزنا، ودبر ثلاثة، يجلد، يجب أن يكون هناك أربعة شهود، لأن الإنسان شرفه وسمعته أثمن ما يملكه، ممكن أن تأكل خبزاً يابساً، لكن لك اسم متألق بالبلد، هذه المرأة قد تكون أفقر امرأة بالبلدة، لكن اسمها نظيف، أما أن تتهمها بعرضها، بشرفها، لابد من أن تأتي بأربعة شهود، فإن جئت بثلاثة فلابد من أن تجلد، كم هي المرأة عند الله غالية:

﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾

[ سورة النساء: 15]

ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر :

 الآن لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، بالمناسبة ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، لما أنت تنطلق لتمد يدك إذاً أنت قررت أن تكون فقيراً، انتهى الأمر، عندما تتخذ قراراً أن تمد يدك تستجدي، وتتضعضع أمام الأغنياء، أنت الآن حكمت على نفسك بالفقر، ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أنا أنصح كل أخواننا بدل أن تطلب قرضاً وتنوي العمل الله عز وجل سيوفقك، وتصبح دافعاً للزكاة، وأعظم أنواع الزكاة إذا أعطيتها لإنسان جعلته دافع زكاة، كان قابض زكاة صار دافع زكاة، فقال النبي الكريم:

(( لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة ))

[ مسلم عن قبيصة]

 صار معه حادث دهس، والدية مئتا ألف، و لا يملكهم، تحمل شيئاً لا يطيقه، بيته انهار مثلاً، تحمل شيئاً فوق طاقته، بضاعته احترقت، فلس، هناك أحياناً كوارث طبيعية، فهذا الإنسان تحل له المسألة، فلس، بضاعته تلفت، أو أسعارها أصبحت بالحضيض، عليه ديون للناس، انكشف، عمل حادثاً مثلاً، والسيارة ليست له تغرم بتصليحها، مئتا ألف فرضاً، صار هناك حادث دهس خطأً دفعوا له مئتي ألف، هذا أمر قاهر، قال:

((...حلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً، من عيش أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجة من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة))

 الإنسان يقبل أن يأكل مالاً وهو قوي، شديد، عتيد، كاسب، شاب، شيء لا يحتمل، والله أنا أحياناً أنظر إلى شخص يمتلئ قلبي أدباً منه، شاب في مقتبل حياته يمد يده على مواقف السيارات، أنت مؤمن؟ لا ورب الكعبة، كل إنسان الله عز وجل آتاه صحة، وشباباً، عليه أن يكسب ماله، إذاً أربعة شهود لمن؟ لحالات الزنا، ثلاثة لحل المسألة، وتقبل شهادة رجلين دون النساء في جميع الحقوق والحدود.

 

شهادة النساء في الحدود غير جائزة :

 بالمناسبة شهادة النساء في الحدود غير جائزة، ما السبب؟ لأن المرأة أساسها تستحي، طبيعة المرأة طبعاً المرأة الشريفة، المرأة الكاملة، المرأة كما أرادها الله، طبيعتها أساسها الحياء، هل بإمكان امرأة أن تبحلق في جريمة أو في حادث زن؟ لا تستطيع، طبيعتها أساسها الحياء، لذلك لأنها يغلب عليها الحياء لا تستطيع أن تملك نظرها في جريمة أخلاقية، لذلك لا تقبل شهادة النساء في الحدود، عند عامة الفقهاء، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾

[ سورة الطلاق: 2]

 في الحقوق المدنية تجوز شهادة.

﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾

[ سورة البقرة: 282]

 المرأة طبيعتها انفعالية، عاطفية، تهتم بالانفعالات، والعواطف، الأمور الدقيقة الدقيقة هذه من اختصاص الرجال، فامرأتان يقومان بمقام رجل في الشهادة.

 

قبول شهادة الرجل الواحد في العبادات :

 أما شهادة الرجل الواحد في العبادات، أخبرت النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أني رأيت الهلال فصام، يمكن أن يدخل مئة مليون مسلم في العبادة بشهادة رجل واحد، أربعة ثلاثة، اثنان، واحد، واحد في العبادات، الأحناف أجازوا شهادة الرجل الواحد في بعض الحالات الاستثنائية، على الولادة، شهادة المعلم وحده في شهادة الصبيان، شهادة الخبير وحده في تقييم المتلفات، أحياناً القاضي يكلف خبيراً ليقدر مقدار الخسارة، السيارة عملت حادثاً كم خسرت من ثمنها؟ خبير واحد، هذا شاهد، وتقبل شهادة الواحد في تزكية الشهود وجرحهم، والحاكم معه سياسة شرعية، معه حرية حركة، قال: يجوز للحاكم الحكم بشهادة رجل واحد إذا عرف صدقه، وورعه، وعدالته، وضبطه في غير الحدود طبعاً، الله عز وجل ما أوجب على الحكام القضاة أن يحكموا بشاهدين، لكن أوجب علينا أن نحفظ حقنا بشاهدين، هناك فرق أحياناً القاضي له قناعة، قنع أن هذا الإنسان لا يكذب، وأدلى بشهادة صحيحة فحكم على شهادته.

جواز شهادة امرأة مسلمة ورعة في القضايا الاختصاصية :

 وقبل عند الفقهاء شهادة امرأة واحدة أي مسلمة، ورعة، في قضايا النساء أحياناً يصير خلاف يا ترى هذه الزوجة بكر أم بنت؟ بنت أم امرأة؟ من يحكم على هذا؟ امرأة خبيرة، امرأة واحدة تكفي، امرأة واحدة ورعة تقدم تقريراً أنها بكر، لا كما ادعى زوجها.
الخلاصة إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد قبلت شهادته، والمرضعة وحدها تكفي شهادتها، أنا أرضعت فلاناً، حرم على أخته من الرضاعة، المرضعة تكفي، وتجوز شهادة القابلة في الاستهلال، ما الاستهلال؟ إذا الطفل ولد وقال: واع أي بكى، أحياناً كلمة واع تغير مليون ليرة إن كان هناك ميراث، إذا ولد بكى وتوفي بعد ذلك، يتغير كل الميراث، إذا ولد ميت ليس له ميراث، إذا ولد حي وعلامة أنه حي إذا بكى، بعد أن بكى مات فوراً، هذا الطفل ورث، وسوف يورث في قضايا الإرث يجوز بالملايين، بمئات الملايين، تقبل شهادة القابلة في قضايا الاستهلال.
 عند الحنابلة ما لم يطلع عليه الرجال غالباً تقبل فيه شهادة امرأة عدل، القضايا النسائية المحضة، أحياناً يكون هناك عيب بالزوجة، يوجب الفراق، والطلاق، والقاضي كيف يتأكد من هذا العيب؟ يجب أن يستخدم امرأة خبيرة، مسلمة، ورعة، عدل، تقبل شهادتها وحدها، طبعاً هذا موضوع اختصاصي، لكن إجمالاً الشهادة شيء مهم جداً، لأن الشهود بهم تستخرج الحقوق.
 عندنا أربع شهادات للقذف، للاتهام بالزنا، إن لم يؤمن أربعة شهود بل ثلاثة فسيجلد، و هناك ثلاثة شهود في موضوع المسألة، شاهدان في الحقوق العامة، غير الحدود، رجل وامرأتان في بقية الحقوق، ممكن رجل عدل واحد وامرأة عدل واحدة، في قضايا اختصاصية، كالخبرة، والقضايا النسائية، وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى موضوع جديد من موضوعات القضاء وهو اليمين.