صور من حياة التابعين - الندوة : 23 - التابعي عامر بن عبد الله التميمي

2000-12-13

 أيها الإخوة و الأخوات بالخير طابت أوقاتكم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أهلاً بكم و مرحباً ندعوكم لمتابعة هذه الحلقة الجديدة من صور من حياة الصحابة و التابعين يسعدنا أن نكمل الحديث ما بدأناه بالأمس مع سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
فضيلة الشيخ كنت قد أتحفتنا أمس بحديث شيق و رائع عن تابعي جليل اسمه عامر بن عبد الله التميمي و اليوم حبذا أن نكمل الحديث عن هذه الشخصية الفذة.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أستاذ جمال لقد كان عامر من أولئك المجاهدين الذين يكثرون عند الفزع، و يقلون عند الطمع، بينما معظم الناس يقلون عند الفزع و يكثرون عند الطمع، هو يغشى الوغى كما لا يغشاه أحد سواه، و لكنه يعف عند المغنم، كما لا يعف عنده أحد غيره هذا سعد بن أبي وقاص هذا صحابي جليل قال العلماء: ما فدّ النبي واحداً من أصحابه كما فدّ سعداً، كان يقول له في ساحة الوغى، ارمِ سعداً فداك أبي و أمي، و سعد أيضاً كان يداعبه النبي يقول إذا دخل عليه هذا خالي، أروني خالاً مثل خالي، و مع ذلك قال له عمر مرة: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه و بينهم قرابة إلا طاعتهم له، أرأيت إلى هذا الدين العظيم ؟ فسيدنا سعد بن أبي وقاص ينزل بعد القادسية في إيوان كسرى، و يأمر عمرو بن مقرن أن يجمع الغنائم و يحصيها ليرسل خمسها إلى بيت مال المسلمين بحسب القرآن الكريم، و يقسم باقيها على المجاهدين، فاجتمع بين يديه من الأموال و الأعلاق و النفائس ما يفوق الوصف و يعز على الحصر، فهنا سلال كبيرة مختمة بالرصاص مملوءة بأنية الذهب و الفضة كان يأكل بها ملوك فارس، و هنا صناديق من نفيس الخشب كدست فيها ثياب كسرى و أوشحته و دروعه المحلاة بالجوهر و الدر، و هذه أصفاط مملوءة بنفائس الحلي و روائع المقتنيات، و تلك أغماد فيها سيوف ملوك الفرس ملكاً بعد ملك، و سيوف الملوك و القواد الذين خضعوا للفرس خلال التاريخ، و فيما كان العمال يحصون هذه الغنائم على مرأى من المسلمين و مسمع أقبل على القوم رجل أشعث أغبر و معه حقٌّ كبير الحجم ثقيل الوزن حمله بيديه كلتيهما فتأملوه فإذا هو حق لم تقع عيونهم على مثله قط، و لا وجدوا فيما جمعوا شيئاً يعدله أو يقاربه، فنظروا في داخله فإذا هو قد ملأ بروائع الدر و الجوهر، فقيل للرجل: أين أصبت هذا الكنز الثمين؟ فقال: غنمته في معركة كذا، في مكان كذا، فقالوا: و هل أخذت منه شيئاً ؟ قال: هداكم الله، و الله إن هذا الحق و جميع ما ملكت ملوك فارس لا يعدل عندي قلامة ظفر، و لولا حق بيت مال المسلمين فيه ما رفعته من أرضه، و لا آتيتكم به، فقالوا: من أنت أكرمك الله ؟ لا و الله لا أخبركم لتحمدوني و لا أخبر غيركم لتقربوني، و لكني أحمد الله تعالى و أرجو ثوابه ثم تركهم و مضى فأمروا رجلاً منهم أن يتبعه حتى يأتيهم بخبره، فمازال الرجل يمضي وراءه و هو لا يعلم حتى بلغ أصحابه فلما سألهم عنه قالوا: ألا تعرفه ؟ إنه زاهد البصرة عامر بن عبد الله التميمي صاحب هذه الحلقة.
 ثم إن هذا التابعي الجليل وقع في مشكلة أدى إلى أن الخليفة خليفة المسلمين كلف واليه على البصرة أن يدعو عامراً إلى مجلسه و أن يسأله عما نسب إليه، و أن يرفع له خبره فاستدعى والي البصرة عامراً و قال: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أمرني أن أسألك عن أمور نسبت إليك، فقال: سل عما أمر به أمير المؤمنين ؟ فقال: مالك تعزف عن سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و تأبى أن تتزوج ؟ فقال: ما تركت الزواج عزوفاً عن سنة النبي صلى الله عليه و سلم فأنا أشهد أنه لا رهبانية في الإسلام، و إنما أنا امرؤ رأى أن له نفساً واحدة فجعلها لله عز وجل و خشي أن تغلبه الزوجة عليها، فقال: مالك لا تأكل اللحم؟ فقال: بل آكله إذا اشتهيته ووجدته، أما إذا لم اشتهيه أو اشتهيته و لم أجده فإني لا آكله، فقال: مالك لا تأكل الجبنة ؟ قال: إنا بمنطقة فيها مجوس يصنعون الجبن و هم قوم لا يعرفون الحلال و الحرام و لا يفرقون بين الميتة و المذبوحة و إني لأخشى أن تكون المنفحة التي صنع منها الجبن من شاة غير مزكاة فما شهد شاهدان من المسلمين على أنه جبن صنع بمنفحة شاة مذبوحة أكلته. قال: ما يمنعك من أن تأتي الولاة و أن تشهد مجالسهم ؟ فقال: إن في أبوابهم كثيراً من طلاب الحاجات فأدعوهم إليكم و اقضوا حوائجهم أنتم و اتركوا من لا حاجة له عندكم.
 سأل أبو جعفر المنصور أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه قال: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا أي لو زرتنا، فقال أبو حنيفة: و لمَ أتغشاكم و ليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، و هل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء ؟ إنك إن أكرمتني فتنتني و إن أبعدتني أزريت بي فمالي حاجة في أن أتغشاكم.
 رفعت أقوال عامر بن عبد الله إلى أمير المؤمنين فلم يجد فيها نبذاً لطاعة أو خروجاً عن السنة و الجماعة، غير أن ذلك لم يطفئ نار الشر، و كثر القيل و القال حول عامر بن عبد الله، أي إذا طعنت في الظهر فاعلم أنك في المقدمة، و قد قيل مرة و هذا على ذمة الراوي أن في مناجاة موسى عليه السلام لربه، سأل موسى ربه أن يا رب لا تدع لي عدواً ؟ فقال الله عز وجل لموسى: هذه ليست لي يا موسى، إذاً شأن الحياة أن فيها معركة بين الحق و الباطل، و هذه معركة أزلية أبدية، فالبطولة أن تكون مع الحق، و كل الحمق و الغباء أن تكون في خندق مناهض للحق، لأن الحق هو المنتصر و لأن الله هو الحق، و قد قال الله عز وجل:

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 12]

 ثم قال:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

 

 

[سورة الأنفال: الآية 36]

 لم يكن في أقواله ما ينبئ أنه مخالف للسنة و أهل الجماعة، فأمر عثمان رضي الله عنه بتسييره إلى بلاد الشام و اتخاذها دار إقامة له، و أوصى واليه على الشام معاوية أن يحسن استقباله و أن يرعى حرمته، و في اليوم الذي عزم فيه عامر على الرحيل عن البصرة خرج خلق كثير من إخوانه و تلاميذه لوداعه و شيعوه حتى بلغوا معه ظاهر المربد و هناك قال لهم: إني داعٍ فأمّنوا على دعائي فاشرأبت إليه أعناق الناس و سكنت حركاتهم و تعلقت به عيونهم، فرفع يديه و قال: اللهم من وشى بي و كذب علي و كان سبباً في إخراجي من بلدي والتفريق بيني و بين صحبي، اللهم إني صفحت عنه فاصفح عنه، و هبه العافية في دينه و دنياه، و تغمدني و إياه و سائر المسلمين برحمتك و عفوك و إحسانك يا أرحم الراحمين.
 ثم وجه مطيته نحو ديار الشام و مضى لسبيله، عامر بن عبد الله التميمي أمضى بقية حياته في بلاد الشام، و اختار بيت المقدس رده الله إلينا داراً لإقامته و نال من بر أمير الشام و إجلاله و تكبيره ما هو جدير به، فلما مرض مرض الموت دخل عليه أصحابه فوجدوه يبكي فقالوا ما يبكيك و قد كنت و كنت ؟ فقال: و الله ما أبكي حرصاً على الدنيا أو جزعاً من الموت و إنما أبكي لطول السفر و قلة الزاد و قد أمسيت بين صعود و هبوط إما إلى جنة و إما إلى نار فلا أدري إلى أيهما أصير؟ ثم لفظ أنفاسه و لسانه رطب بذكر الله، و هناك في أولى القبلتين و ثالث الحرمين و مسرى رسول الله ثوى عامر بن عبد الله التميمي نور الله لعامر في قبره و نضر في جنات الخلد وجهه.
هذه الشخصيات الجليلة سماحة الشيخ تعطينا دروساً و عبر أن الإنسان إذا التزم طريق الخير و الحق كان جليلاً في دنياه و عظيماً في آخرته.
 الحقيقة أن الإنسان إذا عرف الله صار بطلاً، المؤمن شخصية فذة، المؤمن عرف سر وجوده و غاية وجوده، المؤمن يحمل رسالة كبرى شرفه الله بها و أنا أقول كلمة دقيقة للإخوة المستمعين: أيها الأخ المسلم لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، إن الله قادر أن ينصره بالفاجر و بأعدائه، و لكن اقلق ما إذا سمح الله لك أم لم يسمح أن يعطيك شرف نصرته:

 

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾

 

[ سورة العنكبوت: الآية 69]

 في الواقع لا يسعنا أيها الأعزاء إلا أن نشكر باسمكم جميعاً فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و خطيب جامع الشيخ العارف بالله عبد الغني النابلسي و المدرس في مساجد دمشق، فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.