صور من حياة التابعين - الندوة : 22 - التابعي عامر بن عبد الله التميمي

2000-12-12

 أيها الإخوة و الأخوات السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته أسعد الله أوقاتكم جميعاً بكل خير ندعوكم لمتابعة هذه الحلقة الجديدة من صور من حياة الصحابة و التابعين، و يسعدنا أن يكون ضيف هذه الحلقة فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و خطيب جامع عبد الغني النابلسي بدمشق فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته.
من هي الشخصية الإسلامية التي هي كالشخصيات الأخرى تتميز بعطاءاتها و جلالها و علمها و أدبها و جهادها ؟ من هي الشخصية التي هي محور حديثنا لهذا اليوم ؟
 إنه عامر بن عبد الله التميمي من التابعين الأجلاء و له خصائص سوف نراها من خلال هذا الحديث، فعامر بن عبد الله فتى في بواكير الصبا، غض الإهاب، ريان الشباب وضيء الوجه، زكي النفس، تقي القلب، و كانت البصرة على حداثتها من أغنى بلاد المسلمين غنىً و من أوفرها ثروة لما كان يتدفق عليها من غنائم الحرب، و ينصب فيها من الذهب النضار لكن الفتى التميمي عامر بن عبد الله لم يكن له أرب في ذلك كله فقد كان زهاداً بما في أيدي الناس رغاباً بما عند الله، معرضاً عن الدنيا و زينتها، مقبلاً على الله و مرضاه، و هذا يذكرنا بأن الإنسان إذا كان زاهداً شعر بقوة، بل إن في الضعف قوة بل الغارق في ألوان النعيم يجبن عن مواجهة العدو و يخشى على ما بيديه، لذلك إن في الضعف قوة، و إن في الزهد في الدنيا لغنية سيدنا أبو عبيدة بن الجراح كان قائد المسلمين في الشام دخلوا على بيته رأوا فيه سيفاً معلقاً و قدر ماء مغطى برغيف خبز و جلد غزال يجلس عليه، فقالوا: ما هذا يا أمير الفتوح ؟ قال: هو للدنيا و على الدنيا كثير، و كان رجل البصرة الأول الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه و نضر في الجنة وجهه هو والي المدينة الزاهرة و هو قائد جيوش المسلمين المنطلقة منها إلى كل اتجاه و هو إمام أهلها و معلمهم و مرشدهم إلى الله عز وجل، بالمناسبة أستاذ جمال النبي صلى الله عليه و سلم ربى أبطالاً عظاماً و هذه شهاداته الحقيقية، و الدعاة إلى الله اليوم أنا أرى أن يقاسوا بتلاميذهم أين وصلوا و ماذا فعلوا ؟
 لزم عامر بن عبد الله التميمي أبا موسى الأشعري في سلمه و حربه و صحبه في حله و ترحاله، فأخذ عنه كتاب الله رطباً طرياً كما نزل على فؤاد محمد صلى الله عليه و سلم و روى عنه حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم صحيحاً موصولاً بالنبي الكريم، و تفقه على يديه في دين الله عز وجل، فلما اكتمل له ما أراد من العلم جعل حياته أقساماً ثلاثة فشطر في حلقات الذكر يقرئ فيه الناس القرآن في مسجد البصرة، و شطر في خلوات العبادة ينتصب فيه قائماً بين يدي الله عز وجل يصلي و يتهجد، و شطر في ساحات الجهاد يسل فيه سيفه غازياً في سبيل الله، و لم يترك في حياته موضعاً لشيء غير ذلك، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

[ سورة المؤمنون ]

 و قال بعض المفسرين اللغو ما سوى الله، حتى دعي بعابد البصرة و زاهدها، و العبادة كما تعلمون هي علة وجود الإنسان في الأرض، هي طاعة طوعية تسبقها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، و كان من أخبار عامر بن عبد الله ما حدث به أحد أبناء البصرة قال: سافرت في قافلة فيها عامر بن عبد الله فلما أقبل علينا الليل نزلنا بغيضة فجمع عامر متاعه و ربط فرسه بشجرة و طول له زمامه و جمع له من حشائش الأرض ما يشبعه و طرحه أمامه ثم دخل الغيضة و أوغل فيها فقلت في نفسي و الله لأتبعنه و لأنظرن ما يصنع في أعماق الغيضة في هذه الليلة فمضى حتى انتهى إلى رابية ملتفة الشجر مستورة عن الأعين فاستقبل القبلة و انتصب قائماً ليصلي فما رأيت أحسن من صلاته ولا أكمل و لا أخشع، فلما صلى ما شاء أن يصلي طفق يدعو الله و يناجيه، فكان مما قال: إلهي لقد خلقتني بأمرك، و أقمتني في بلايا هذه الدنيا بمشيئتك، ثم قلت لي استمسك، فكيف أستمسك إن لم تمسكني بلطفك يا قوي يا متين ؟ إلهي إنك تعلم أنه لو كانت لي هذه الدنيا بما فيها ثم طلبت مني مرضاة لك لوهبتها لطالبها فهب لي نفسي يا أرحم الراحمين، إلهي إني أحببتك حباً سهّل علي كل مصيبة و رضاني بكل قضاء فما أبالي مع حبي لك ما أصبحت عليه و ما أمسيت عليه، فقال الرجل البصري: ثم إنه غلبني النعاس فأسلمت نفسي إلى الكرى ثم مازلت أنام و أستيقظ و عامر منتصب في موقفه ماضٍ في صلاته و مناجاته حتى تنفس الصبح، ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 فلما بدا له الفجر أدى المكتوبة ثم أقبل يدعو فقال: اللهم ها قد أصبح الصبح و طفق الناس يغدون و يروحون يبتغون من فضلك، و إنّ لكل منهم حاجة و إنّ حاجة عامر عندك أن تغفر له، اللهم فاقضِ حاجتي و حاجاتهم يا أكرم الأكرمين، اللهم إني سألتك ثلاثاً فأعطيتني اثنتين و منعتني واحدة، اللهم فأعطينيها حتى أعبدك كما أحب و أريد، ثم نهض من مجلسه فوقع مجلسه عليّ فعلم بمكاني منه في تلك الليلة فجزع لذلك أشد الجزع و قال لي في أسى أراك كنت ترقبني الليلة يا أخا البصرة فقلت: نعم، فقال: استر ما رأيت مني ستر الله عليك، ورد في بعض الأحاديث أن أفضل الذكر إخفاء الذكر، هناك من يتاجر بذكره لكن الذاكر الحقيقي لا يحب أن يشيع عنه ذلك لئلا يقع في الرياء.
فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي جلال الذكر برأيكم هل هو التفكر بآلاء الله ؟
 و الله إن الذكر يدور مع الإنسان في كل شيء، إن تلاوة القرآن ذكر، و إن الاستغفار ذكر، و إن الدعاء ذكر، و إن التسبيح ذكر، و إن الحمد ذكر، و إن التهليل ذكر، و إن التكبير ذكر، و إن التفكر في خلق السماوات و الأرض ذكر، و إن طلب العلم الشرعي ذكر، فكل ما يتصل بالله عز وجل بشكل أو بآخر يعد ذكراً و الله عز وجل يخاطب المؤمنين فيقول:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 41]

و قال علماء التفسير: هذا العلم ينصب لا على الذكر بل على كثرة الذكر لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، هم يذكرون الله لكن الله نعى عليهم ذكرهم القليل.
 إذاً و ما زلنا في رحاب ذاكر لله عز وجل التابعي الجليل عامر بن عبد الله التميمي و نجمل ختام هذه الحلقة بشيء عن هذا التابعي الجليل؟ الحقيقة أن الذكر شحنة روحية، كيف أن السيارة تحتاج إلى وقود كيف أن الجهاز الكهربائي يحتاج إلى كهرباء و إلى طاقة، فالإنسان عقل يدرك و قلب يحب، غذاء العقل العلم و غذاء القلب الذكر، و الذاكر هو القريب من الله، أي من هو الذي يتقي الله حق تقاته ؟ قال الذي يطيعه فلا يعصيه و يذكره فلا ينساه و يشكره فلا يكفره.
 قال: استر علي ما رأيت ستر الله عليك، فقلت: و الله لتحدثنّي بهذه الثلاث التي سألتها ربك ؛ أو لأخبرن الناس بما رأيت منك، قال: ويحك لا تفعل، فقلت: هو ما أقول لك فلما رأى إصراري قال: أحدثك على أن تعطيني عهد الله و ميثاقه ألا تخبر بذلك أحداً، فقلت لك عليّ عهد الله و ميثاقه ألا أفشي لك سراً ما دمت حياً، فقال: لم يكن شيء أخوف عليّ في ديني من النساء فسألت ربي أن ينزع من قلبي حبهن فاستجاب لي حتى صرت ما أبالي امرأة رأيت أم جداراً، فقلت هذه واحدة فما الثانية ؟ قال الثانية: أني سألت ربي ألا أخاف أحداً غيره فاستجاب لي حتى أني و الله ما أرغب شيئاً في الأرض و لا في السماء سواه، فقلت: فما الثالثة ؟ فقال: سألت ربي أن يذهب عني النوم حتى أعبده في الليل و النهار كما أريد فمنغني هذه الثالثة فلما سمعت منه ذلك قلت له: رفقاً بنفسك فإنك تقضي ليلك قائماً و تقطع نهارك صائماً و إن الجنة تدرك بأقل مما تصنع، و إن النار تتقى بأقل مما تعاني، فقال: إني لأخشى أن أندم حيث لا ينفع الندم، و الله لأجتهدن في العبادة ما وجدت إلى الاجتهاد سبيلاً فإن نجوت فبرحمة الله، و إن دخلت النار فبتقصيري، غير أن عامراً بن عبد الله لم يكن راهباً من رهبان الليل فحسب و إنما كان فارساً من فرسان النهار أيضاً، فما أذن مؤذن الجهاد في سبيل الله إلا كان في طليعة من يجيب نداءه، و كان إذا نهض إلى غزوة من الغزوات مع المجاهدين وقف يتوسم الناس ليختار رفاقه فإذا وقع على رفقة توافقه قال لهم: يا هؤلاء إني أريد أن أصحبكم على أن تعطوني من أنفسكم ثلاث خلال، فيقولون ما هم ؟ فيقول: أولاهن أن أكون لكم خادماً فلا ينازعني أحد منكم في الخدمة أبداً، و الثانية أن أكون لكم مؤذناً فلا ينازعني أحد منكم النداء للصلاة، و الثالثة أن أنفق عليكم بقدر طاقتي فإن قالوا نعم انضم إليهم، و إن نازعه أحد منهم شيئاً من ذلك رحل عنهم إلى غيرهم.
 رضي الله تعالى عز وجل عن سيدنا التابعي الجليل عامر بن عبد الله التميمي، أهلاً و مرحباً بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، نشكركم سماحة الشيخ إلى الملتقى