صور من حياة التابعين - الندوة : 21 - التابعي الأحنف بن قيس 2

2000-12-11



 أيها الإخوة و الأخوات السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ندعوكم لمتابعة هذه الحلقة الجديدة من صور من حياة الصحابة و التابعين، في هذا اللقاء يسعدنا أن نلتقي فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و خطيب جامع عبد الغني النابلسي بدمشق فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته.
كنا فضيلة الشيخ أمس قد تحدثنا عن التابعي الجليل الأحنف بن قيس و توقفنا عند الهرمزان كيف نتابع طبعاً حديث شيق عن هذا التابعي ؟
 الحقيقة أن الهرمزان من أشد قواد الفرس بأساً، و أقوى أمرائهم شكيمة، و أمضاهم عزيمة، و أوسعهم مكيدة في الحروب، وقع أسيراً و لقد ألجأته انتصارات المسلمين إلى مصالحتهم أكثر من مرة غير أنه كان يغدر بهم كلما سنحت له الفرصة و ظن أنه قادر على النصر، كان غداراً، فلما أطبقوا عليه في تستر تحصن منهم في برج من أبراجها الممنعة و قال لهم: إن معي مئة سهم و والله ما تصلون إلي مادام في يدي شيء منها، و أنتم تعلمون أني رام لا تخطئ له رمية، فما جدوى أسركم إياي بعد أن أصيب منكم مئة بين قتيل و جريح ؟ فقالوا: ماذا تريد ؟ فقال: أريد أن أنزل على حكم خليفتكم عمر و ليفعل بي ما يشاء؟ فقالوا: لك ذلك، فرمى بقوسه على الأرض و نزل إليهم مستسلماً فشدوا وثاقه و أرسل إلى المدينة مع وفد من أبطال الفتح، و كان على رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه و سلم، و الأحنف ابن قيس تلميذ المدرسة العمرية، مضى الوفد يحث الخطا بالهرمزان نحو المدينة ليبشر أمير المؤمنين بالفتح، أي بين الانتصار و بين البشارة يوجد شهر أو شهران، و يحمل إلى بيت مال المسلمين خمس الغنائم، و ليسلم ناكث العهود، خوان الذمم إلى الخليفة ليحكم عليه بحكمه، فلما بلغوا حواشي المدينة أعدوا الهرمزان ليعرضوه أمام المسلمين على هيئته الحقيقية، فألبسوه ثيابه المنسوجة من ثمين الديباج الموشاة بخيوط الذهب، و وضعوا على رأسه تاجه المرصع بالدر و الجواهر، و قلدوه صولجانه المصنوع من الإبريز المكللة باليواقيت و اللآلئ، فما إن وطأت أقدامهم أرض يثرب حتى تجمع الناس عليهم شيباً و شباناً، و جعلوا ينظرون إلى أسيرهم و يعجبون من هيئته و زيه أشد العجب، توجه الوفد بالهرمزان إلى دار عمر فلم يجدوه، فسألوا عنه فقيل لهم: إنه مضى إلى المسجد ليستقبل وفداً قدم عليه، فانطلقوا إلى المسجد فلم يروه هناك، و كانوا كلما طال بهم البحث عن الخليفة تكاثر الناس عليهم و اشتد زحامهم و فيما هم في حيرتهم هذه رآهم صبية صغار يلعبون، فقالوا لهم: ما شأنكم نراكم ذاهبين آيبين لعلكم تريدون أمير المؤمنين ؟ فقالوا: نعم نريده، فقالوا: إنه نائم في ميمنة المسجد متوسد برنسه، و كان عمر رضوان الله عليه قد خرج للقاء وفد من أهل الكوفة في برنس له، فلما انصرف الوفد خلع البرنس و وضعه تحت رأسه و أسلم جفنه إلى الكرى، فانطلق الوفد بالهرمزان إلى ميمنة المسجد فلما رأوا الخليفة نائماً جلسوا دونه و أجلسوا أسيرهم معهم، لم يكن الهرمزان يفقه شيئاً مما حوله و ما كان يعلم العربية، و ما كان يخطر بباله أن هذا النائم في ناحية المسجد هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حقاً إنه كان قد سمع عن تقشف عمر و زهده في زخارف الدنيا و زينتها لكنه ما كان يتخيل مجرد التخيل أن ينام قاهر الروم و كاسر الأكاسرة في طرف المسجد من غير غطاء، و لا وكاء، و لا حرس، و لا حُجّاب، و لما رأى القوم يجلسون صامتين ظنهم يتأهبون للصلاة و يترقبون قدوم الخليفة، و لكن الأحنف بن قيس جعل يشير إلى الناس أن يمسكوا عن الكلام و يكفوا عن الجلبة لكي لا يوقظوا الخليفة، فقد كان يعلم من صحبته له أنه قلما يغمض له جفن من ليل، فهو إما قائم في محرابه يعبد الله، أو متخفٍ في ثيابه يجوب أحياء المدينة ليعرف أحوال الرعية، أو عاس يحرس بيوت المسلمين في الطرقات، فأثارت إشارات الأحنف للناس انتباه الهرمزان فالتفت إلى المغيرة بن شعبة و كان يعرف الفارسية و قال: من هذا النائم ؟ فقال له المغيرة: إنه أمير المؤمنين عمر، ففغر الهرمزان فمه دهشة و قال: عمر، أين حرسه و حجابه ؟ قال له المغيرة: ليس له حارس و لا حاجب، قال الهرمزان: ينبغي أن يكون نبياً فقال المغيرة: بل يفعل فعل الأنبياء، إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه و سلم، ثم كثر الناس و ارتفعت الجلبة فاستيقظ عمر و استوى جالساً و نظر إلى الناس في دهشة فرأى الأمير الفارسي و على رأسه تاجه المتوهج تحت أشعة الشمس و في يده صولجانه الذي يخطف الأبصار، فحدق فيه و قال الهرمزان ؟! فقال له الأحنف: نعم يا أمير المؤمنين إنه الهرمزان، فتأمل عمر ما عليه من الذهب و اللآلئ و اليواقيت و الحرير ثم أشاح بوجهه عنه و قال: أعوذ بالله من النار، و أستعين به على الدنيا، الحمد لله الذي أذل هذا و أشياعه للإسلام، ثم قال: يا معشر المسلمين ـ دقق في هذه الكلمة لأننا في أمس الحاجة إليها في هذه الأيام ـ ثم قال: يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين و اهتدوا بهدي نبيكم الكريم و لا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة، فلما فرغ من كلامه بشره الأحنف بن قيس بالفتح المبين، فقال: لا أكلمه حتى تخلعوا ما عليه من مظاهر البطر و الأشر، فخلعوا عنه حليته و تاجه و أخذوا منه صولجانه، و ألبسوه ثوباً صفيقاً يستر جسده عند ذلك التفت إليه عمر و قال: إيه يا هرمزان كيف وجدت وبال الغدر و عاقبة أمر الله ؟ فأطرق الهرمزان في ذلة ثم قال: يا عمر لقد كنا في الجاهلية نحن و إياكم و لم يكن الله معنا و لا معكم فغلبناكم ـ و الله كلام بليغ ـ فلما أسلمتم و صار الله معكم غلبتمونا، فقال له عمر: لقد غلبتمونا لهذا الذي ذكرت و لأمر آخر هو اجتماعكم و تفرقنا، ثم نظر إليه بشدة و قال: ما عذرك في انتقاضك المرة تلو المرة يا هرمزان، فقال الهرمزان: أخاف أن تقتلني، فقال عمر لا بأس عليك حتى تخبرني، فلما سمع الهرمزان ذلك من عمر هدأ روعه بعض الشيء و قال إني عطشان، فأمر عمر له أن يشرب، فأوتي له بماء في قدح غليظ فتأمله و قال: و الله لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب في مثل هذا الإناء، فأمر عمر فأوتي له بماء في إناء يرضاه، فلما أخذه في يده جعلت يده ترتجف، فقال له عمر: ما بك ؟ فقال: إني أخاف أن أقتل و أنا أشرب هذه الجرعة من الماء، فقال له عمر: لابأس عليك حتى تشربها، فما كان من الهرمزان إلا أن كفأ الإناء و سفح الماء، فقال عمر: أحضروا له ماء غيره و لا تجمعوا عليه القتل و العطش فقال الهرمزان: لا حاجة لي بالماء و إنما أردت أن أستأمن به على نفسي من القتل، فقال له عمر: إني قاتلك، فقال الهرمزان: لقد أمنتني، فقال عمر: كذبت، فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ويحك يا أنس أؤمن قاتل أخيك البراء بن مالك هيهات ؟ فقال أنس: لقد قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني، و قلت لا بأس عليك حتى تشرب الماء و أيد الأحنف قول أنس و أقر الحاضرون بأن أمير المؤمنين قد أمن الهرمزان، فنظر عمر إلى الهرمزان مغضباً وقال: لقد خدعتني و إني و الله لا أنخدع إلا لمسلم، فأسلم الهرمزان و فرض له عمر ألفين، لقد كان يقلق بال عمر كثرة نقض الفرس لعهودهم مع المسلمين و انقلابهم عليهم، فجمع رجال الوفد الذين قدموا مع الهرمزان و قال لهم: أيؤذي المسلمون أهل الذمة و يسيئون معاملتهم فينتقض عليهم ؟ فقال رجال الوفد: و الله يا أمير المؤمنين ما نعلم أن أحداً أساء لهم معاملة أو خفر لهم ذمة أو غشهم في عقد، فقال عمر: فما لهم ينقلبون عليكم كلما سنحت لهم الفرصة على الرغم مما بينكم و بينهم من عهود، فأجاب الوفد بكلام لم يقنع عمر، و لم يسترح له، عند ذلك قام الأحنف بن قيس و قال: أنا أخبرك بما سألت عنه يا أمير المؤمنين، فقال هات ما عندك ؟ قال: إنك يا أمير المؤمنين قد نهيتنا عن الانسياح في بلاد الفرس و أمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا من أراضيهم و مدنهم و إن الفرس مادام لهم ملك حي و مُلك قائم فسيقاتلوننا الكرة تلو الكرة لاسترجاع ما في أيدينا من قومهم و ديارهم، و سينضم إليهم من عاهدنا كلما دعاه الداعي، ولاحت له فرصة النصر، و إنه يا أمير المؤمنين لا يجتمع ملكان في أرض واحدة.
 و رضي الله تعالى عز وجل عن سيدنا الأحنف بن قيس التابعي الجليل و أهلاً و مرحباً بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، نشكركم فضيلة الشيخ، و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.