الدرس : 2 - أمراض القلوب حوار مع الشيخ نبيل العوضي

2010-02-10

مقدمة :

الشيخ نبيل :
 معنا في هذه الليلة من الليالي الدينية الروحانية، في شهر فبراير، في هذه السنة الثانية، التي نتواصل بكم عبر شاشة تلفزيون الوطن، حياكم الله، في هذه الليلة نحن على موعد مع شيخين جليلين فاضلين، أحدهما ليست زيارته الأولى للكويت، هو الشيخ محمد حسين يعقوب، من جمهورية مصر العربية، وهو بالنسبة لأكثرنا غني عن التعريف وهو داعية جليل، عرفه أكثركم عبر الفضائيات، نسأل الله أن يثبته على ذلك، ومعنا أيضاً الدكتور محمد راتب النابلسي من سوريا وفي بلاد الشام، حيث ينتشر عبقه، وعبيره، وكلامه الرائع الذي لا يمل سامعه، أكثرنا عرفه عبر الفضائيات، صارت الفضائيات رحمة بعد أن أرادوها عذاباً، ربما من صنعها أرادها لغاية في نفسه، لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، لقد انتشر عبر الفضائيات نور الله عز وجل في الأرض.
 سوف نبدأ هذه الليلة مع الدكتورين، مع الشيخين الفاضلين، نعدكم أن الكلام كله سيكون متواصلاً، ومكتملاً، وربما أحد الشيخين يقطع على الآخر، ويدخل في حديثه وحواره، لأننا لا نريد أن تكون محاضرة على صوت واسم واحد، بل سوف يتداخل الحديث بإذن الله كله سوف يتحدث عن القلب، شعارنا: ريح قلبك بطاعة ربك، أنا أذكر يوماً من الأيام اتصلت بي إنسانة تريد أن تنتحر، ومعنا الدكتور مصطفى، ومعنا الشيخ صالح النهام، وكل الحضور حياكم الله.
 هذه المرأة عندها كل ملهيات الدنيا، وعندها كل شيء مباح، طبعاً ما ألزمت نفسها بشيء، لكن مع هذا عندها الإباحية بكل شيء، قلبها متعب وليس جسدها، اليوم محور حديثنا عن هذا القلب، ومتى يمرض وأحياناً يموت؟ وكيف نعالج هذا القلب ليحيا ويطمئن؟ لنبدأ مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، فليتفضل.

 

الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك :

الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، ندعو فنقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أيها الأخوة الأحباب، الإنسان يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، إن لبى حاجات عقله، وجسمه، وقلبه معاً، تفوق، فإذا لبى واحدة تطرف، حاجات العقل العلم، هناك أوهام، هناك ترهات، هناك أباطيل، هناك ضلالات، هناك طروحات، تتناقض مع كتاب الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 ومن أجمل ما قرأت عن تفسير القلب السليم، أنه القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد غير الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يحتكم إلا لله، البطولة أن نغذي عقولنا بالحقائق اليقينية، والحق ما وافق الواقع، علاقة بين متغيرين، مقطوع بصحتها، يؤيدها الواقع، عليها دليل، لو ألغيت الدليل لكان هذا العلم تقليداً، وإن لم توافق الواقع كانت جهلاً، وإن لم تكن يقينية كانت شكاً، ووهماً، وظناً، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، وخط النقل الصحيح، إذاً هو عقل يدرك يحتاج إلى غذاء، وقلب يحب يحتاج إلى حب، هناك حب يسمو بنا، وحب يهوي بنا، الحب الذي يسمو بنا أن تحب الله، ومن فروع محبة الله أن تحب أنبياءه جميعاً، أن تحب النبي عليه الصلاة والسلام، أن تحب صحابته جميعاً، أن تحب التابعين المؤمنين، أن تحب العلماء الصادقين الربانيين، أن تحب بيوت الله، أن تحب العمل الصالح، هذه كلها فروع عن محبة الله، فهذا الحب يسمو بك، وأن تحب زوجتك فرع من محبة الله، لأن هذا الحب وفق منهج الله، وأما الحب مع الله أن تحب جهة ليس على ما ينبغي لكن جاءك منها نفع، لذلك قال العلماء: الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، فالعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب.

من لم يستقم على أمر الله فلن يقطف من ثمار الدين شيئاً :

 أيها الأخوة الأحباب، على سطح الأرض ستة آلاف مليون ما منهم واحد إلا وهو حريص على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده.
 أيها الأخوة الكرام، للتقريب، التجارة فيها عشرات بل مئات بل آلاف النشاطات، لكن يمكن أن تضغط بكلمة واحدة إنها الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً، والدين نشاطات لا تعد ولا تحصى، ولكن أصدقكم القول الدين يضغط بكلمة واحدة إنها الاستقامة، فإن لم تستقم لن تستطيع أن تقطف من ثمار الدين شيئاً، لذلك إن لم تستقم يغدو الدين ثقافة، عادات، تقاليد، يقال: فلان له أرضية دينية، خلفية إسلامية، اهتمامات إسلامية، طموحات دينية، مشاعر دينية، لكن ما لم نستقم على أمر الله ـ وأنا سامحوني في هذا اللقاء الطيب وأشكر من دعاني إلى هذا اللقاء الطيب ـ الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح، إذا إنسان معه شيك بمئة ألف دينار مزيف، إن عرف أنه مزيف لصالحه، فإن ظنه صحيحاً يقع في إحباط ما بعده إحباط، الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح، فالدين يضغط بأكمله بكلمة واحدة هي الاستقامة.

من آثر الدنيا على الآخرة خسرهما معاً :

 لكن بالمناسبة الإنسان حريص على سلامة وجوده، فلم لا يستقيم؟ أزمة أهل النار و هم في النار هي أزمة علم فقط، والدليل:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه علم فقد جهل، طالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، هذه مقدمة وإن شاء الله نتابع الحديث بعد قليل.
الشيخ نبيل :
 نحن المفروض أن نتواصل مع الدكتور محمد حسين يعقوب، لكن كما قلت لكم: سوف نقطع المحاضرة إلى عدة مقاطع لقضية فنية.
 هناك مقدمة مهمة جداً قبل أن ندخل إلى القلب، حقيقة القلب هل يمرض أم لا يمرض؟ أحدنا إذا أصيب بحرارة، أو بصداع يذهب إلى طبيب، بعضنا إذا أصابه وجع بسيط يسافر إلى الخارج، وإن لم يكن فيه شيء يعمل فحصاً كاملاً، هل هو سليم؟ والجسم إذا مرض يموت وانتهى الأمر، أما القلب فمصيبة القلب الذي بين أضلعنا هذا إذا مرض سواء مرض شبهات، أو شهوات، ومات، الخسارة ليست في الدنيا بل الخسارة في الدنيا والآخرة.
 أهلاً بكم من جديد في هذه الليلة الدينية، وهذه الحملة التي شعارها شعارنا: ريح قلبك بطاعة ربك، والآن ينتقل الميكروفون إلى الشيخ محمد حسين يعقوب، ليبدأ بدايته عن القلب، وحقيقة القلب، وأمراض القلب، حتى كل واحد جالس لا يظن أن الحديث موجه إلى غيره، دائماً اتهم نفسك، وحاول أن تصحح هذا القلب، لأنه لا ينفع يوم القيامة مال ولا بنون، تفضل سيدي محمد حسين يعقوب.

 

الإنسان في الأصل مخلوق من حفنة تراب ونفخة روح :

الشيخ محمد حسين يعقوب:
 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم صلِّ على محمد النبي، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
 أخوتي في الله أنا أحبكم في الله، وأسأل الله عز وجل أن يجمعني وإياكم بهذا الحب في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعل عملنا كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل فيه لأحد غيرك شيئاً، أحبتي في الله أحب أن أشير في البداية إلى أن الدكتور محمد راتب النابلسي هو أكثر مني علماً بهذه المسألة، وتفضله في بداية الحديث يوجب عليّ أن أنسج على منوال الشيخ وأسير في خطه، أتسلم منه الكلام في قضية هل القلب يمرض؟ والأمر ثابت بالكتاب، والسنة، وبالإجماع، وبالعقل الصحيح، فبالقرآن يقول الله عز وجل:

﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾

 فثبت صحيحاً أن القلب يمرض، وأن القلوب يدخلها المرض،

﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

 في الظرفية، ثم في قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يصح بشواهده: "إن هذه القلوب لتصدأ"، ولا شك أن الصدأ يفسد الحديد بل يضيعه، فمن باب أولى أنه يفسد القلب ويقتله بلا شك، ثم أخوتي إذا جئنا إلى العقل فإن الإنسان في الأصل مخلوق من حفنة تراب ونفخة روح، حفنة التراب هي هذا الجسد المخلوق من تراب والروح من أمر ربي،

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

 الشاهد أن هذا الجسد المخلوق من تراب، يجوع، يعطش، ويعرى، ويمرض، ويتعب، ويمل، فكذلك الروح تمر بهذه الأمراض قليلها وكثيرها، هذا الجسد حين يجوع، أو يعطش، أو يمرض، أو يعرى، يكتسب كل مقوماته من الأرض التي خلق منها، فأكله من الأرض، وشربه من الأرض، ولباسه من الأرض، وراحته على الأرض، ومتعته في الأرض، لأنه من الأرض وإليها يعود:

﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾

 فكذلك هذه الروح تتعب، وتمرض، وتكل، وتعرى، وتعطش، ولذلك تحتاج أيضاً أن تأكل، أن تتغذى، أن تشرب، أن ترتوي، أن تكسى، ولكن كما أن الجسد يستقي مراده وما ينفعه من الأرض التي خلق منها، فكذلك تعود الروح إلى الرب الذي أمر بنفخها سبحانه وتعالى، فتستقي كل ذلك من أمره، فلذلك تجد كثيراً من الناس حين يكون جسده مستريحاً فجسده منعماً، جسدها كما ذكر الشيخ نبيل مستريحة على سريرها، تتمتع بالذهب والفضة، والطعام والشراب، وفاخر المسكن، وفاخر المركب، ولكنها معذبة تريد أن تنتحر، لأن المعذب فيها روحها لا جسدها، رغم أنها منعمة الجسد بالظاهر إلا أن باطنها معذب، ثم إنها هي تبحث عن راحة هذا الجسد دائماً ولا تلتفت إلى راحة تلك الروح.

 

الأمراض التي نراها ونسمع عنها أمراض قلبية سببها فقدان الروح لغذائها :

 كثير ممن ينتحرون أو يفكرون بالانتحار، كثير من الأمراض التي نراها في عصرنا من الاكتئاب، والأرق، والهم، والحزن، وغير ذلك من الأمراض التي نراها ونسمع عنها من العقد النفسية، أصلها أمراض قلبية، سببها فقدان هذه الروح لغذائها، هذه الروح حينما تفتقد الغذاء فتعطش فتصرخ وتقول: اسقوني، وهو لا يدري ما الذي يصرخ داخله، حينما تصرخ هذه الروح وتقول: أطعموني في داخله صراخ، وكثيراً ما يشكو فيقول: أشعر أنني مخنوق، أشعر أن في صدري ضيقاً، ماذا تحتاج؟ يقول: لا أدري، أطباء القلوب يدرون، أنه يحتاج نعيم، سجدة يقول فيها: يا رب، يحتاج إلى سعادة، آية من كلام الله عز وجل، يتأملها فيطوف فيها في ملكوت آخر، غير عذاب هذه الأراضين، إنها قضية تحتاج إلى وقفة حقيقة واقعية، والسؤال هل القلب يمرض؟ الجواب بالطبع نعم، أنا لا أدري في صالة التزلج هل يصلون على النبي؟ صلى الله على محمد، كلما سمعت اسم النبي عليه الصلاة والسلام فصلِّ عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخطأ طريق الجنة من سمع اسمي ولم يصلِّ عليّ"، وقال أيضاً:

(( ...تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ))

[متفق عليه عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

أمراض القلوب تجتمع في أربع كلمات؛ دنيا وغفلة وشهوة وهفوة :

 أخي تأمل معي قلباً أسوداً، مُرْبَادًّاً كَالْكُوزِ، مُجَخِّياً، تأمل معي قلباً أسوداً مظلماً كيف يكون عقل صاحبه؟ واللب جزء من القلب بلا شك، تأمل قلباً أسوداً ماذا يفيض على حياة صاحبه إلا السواد، ماذا يفيض إلا الاكتئاب، وسبب هذا القلب نكتة ثم نكتة، فتنة ثم فتنة، اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، هذا القلب الذي نكتت فيه نكتة سوداء ما هذه النكت؟ إنها الأمراض، الفتن:

(( ...تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا))

[متفق عليه عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أو عوداً، عوداً، مرة بعد مرة، تعرض على القلب فتنة النساء فإن أشربها، فتنة المال فإن أشربها، فتنة الجاه والشهرة فإن أشربها، فتنة المظاهر والملبس والمسكن والموقع الاجتماعي فإن أشربها، أشرب هذه الفتنة وتأمل قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ... فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا ))

 شبه القلب بالإسفنجة، وللأسف أقول: إن القلوب الإسفنجية كثرت في عصرنا، التي تتشرب كل شيء، وتمتص كل شيء، ثم تفرز أسوأ شيء في هذا العصر، مع الانفتاح الإعلامي، والغزو الفكري الغربي، تشبعت القلوب بفهم الحياة بالطريقة الغربية، شربت القلوب هذه الفتنة، أشربتها، فلما أشربت القلوب الفتنة فهمت السعادة خطأً، فهمت الحياة فهماً خاطئاً، لم تفهم الحياة بقال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما فهمت الحياة من منظور غربي، قوامه المال والشهوة، فصارت هذه أمراض القلوب، أمراض القلوب تجتمع في أربع كلمات، دنيا، غفلة، شهوة، هفوة.
الشيخ نبيل :
 أحسنت، لأن الشيخ إعلامي، لكن سوف يكون بعد الفاصل الدكتور محمد راتب النابلسي ، ثم الشيخ محمد حسين يعقوب.
 أهلاً بكم من جديد، نتحدث حول القلب، أحياناً حينما نقرأ قصص السلف في سلامة قلوبهم ورقة القلوب، الواحد يسأل نفسه: لماذا هذا الزمان ليس فيه أناس مثل أولئك؟ البشر بشر والخلق واحد، المشكلة أن هناك فتناً دعت عمر بن عبد العزيز الذي يملك الدنيا وما فيها في يوم من الأيام كان في خطبة جمعة، يقرأ أحد السور، فلما وصل إلى قوله جل وعلا" فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى" سكت في الصلاة، فرده الذي خلفه، هو يتذكر ولكنه لا يستطيع أن يكمل، لأن القلب سليم، لأن القلب معافى، لأنه لا يوجد ران على القلب مثلما هو موجود عند الكثيرين الآن، فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لم يستطع أن يكمل حتى قطع السورة وبدأ بسورة أخرى، القلب لم يتحمل هذه الآيات، هي التي جعلت عمر بن الخطاب عندما يسمع:" إن عذاب ربك لواقع"، يسمعها سماعاً يسقط على الفراش شهراً، يظنه الناس مريض جسد، لا، قلبه تعب من هذه الآية، هذه القلوب السليمة، كيف نصل إلى هذه المستويات؟ تفضل دكتور راتب.

 

أخطاء القلوب أخطاء كبيرة جداً :

الدكتور راتب:
 هناك حقيقة خطيرة هي أن هناك خطأ في الميزان وهناك خطأ في الوزن، الخطأ في السلوك خطأ في الوزن لا يتكرر، لكن الخطأ في الميزان لا يصحح، أمراض القلب خطأ في الميزان، الميزان غير الدقيق لو استعملته مليون مرة النتائج كلها خاطئة، أما الخطأ في الوزن مرة واحدة، فالخطأ في الوزن لا يتكرر، لكن الخطأ في الميزان لا يصحح، أخطاء الجوارح خطأ في الوزن، أما أخطاء القلوب فخطأ في الميزان، لذلك أخطاء القلوب كبيرة جداً لأن القلب هو الميزان، فإذا كان مغلوطاً أو منحرفاً جاءت الأوزان غير صحيحة.

الصغائر والكبائر :

 أيها الأخوة، عندنا موضوع متعلق بأمراض القلب موضوع الصغائر والكبائر، أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار ))

[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 كيف؟ طريق عرضه يقدر بستين متراً، عن يمينه واد سحيق وعن شماله واد سحيق، الصغيرة حرفت المقود سنتمتراً واحداً، فإذا ثبت هذا السنتمتر انتهى بك المطاف إلى الوادي، الكبيرة حرفته تسعين درجة، لكن بما أن الطريق عريض بإمكانك أن ترجعه كما كان، فالكبيرة مع أنها كبيرة قد تتوب منها، أما الصغيرة إذا أصررت عليها، وجعلتها جزءاً من حياتك فهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

من أيقن أن علم الله يطوله وأن قدرته تطوله لا يعصيه :

 ولكن :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 قد يسأل أحدكم لماذا اختار الله عز وجل من أسمائه اسمين؛ العلم والقدرة؟ تماماً تركب مركبة، والإشارة حمراء، أنت مواطن عادي، والشرطي واقف، وقانون السير صارم، لا يمكن أن تخالف، لأن واضع قانون السير علمه يطولك، وقدرته تطولك، إذاً لن تعصيه مادمت عاقلاً، ليقينك أن علم واضع قانون السير يطولك من خلال هذا الشرطي، أو هذه الآلة، وأن قدرتك تطولك بحجز المركبة، ودفع مبلغ كبير جداً، فأنت مع إنسان قوي، من بني جلدتك، لا يمكن أن تعصيه إذا أيقنت أن علمه يطولك، وقدرته تطوله، فكيف يعصي الإنسان الواحد الديان؟

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 علمه يطولك، وقدرته تطولك، والإنسان إذا أيقن أن علم الله يطوله وأن قدرته تطوله لا يعصيه.
الشيخ نبيل :
 دكتور نحن نشاهد كثيراً من الذين يقعون في المعاصي يتحجج بحجج، وبعضها يكون صحيح ظاهرها، أنا أقع في بعض الذنوب الصغيرة أحسن من غيري، حتى الذي يقع في بعض الكبائر يقول: أنا مسلم، بل يمكن الذي لا يعمل عملاً بالدين يقول: أنا على الأقل أحسن من الذي لا يؤمن بالله.

 

الله عز وجل عندما خلق الإنسان أعطاه منهجاً ليسير عليه ليدخل الجنة :

الدكتور راتب:
 هذا ميزان من الصعب أن نعتمده إذا اعتمدناه أصبحنا في مؤخرة الركب، لأن الإنسان عندما يكون طالباً لا يوازن نفسه مع طالب تارك المدرسة نهائياً، يوازن نفسه مع طالب آخر، لذلك الله عز وجل قال في آيات كثيرة، الله عز وجل ينتظرنا أن نكون معه:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 بالآية ملمح خطير جداً لا ليبلوكم من الناجح أو الراسب، لا، الأصل أن تنجحوا جميعاً ولكن الابتلاء من هو الأحسن، فالله عندما خلقنا أعطانا المنهج، العقل، الفطرة، الكون، الشهوة، الحرية، أعطانا كيف نفوز بجنة الآخرة، أما عندما يأتي الامتحان فيكون للتفاوت في مراتب الجنة، أما أن نطرح الطرح الآخر هذا بخلاف منهج الله عز وجل .
الشيخ نبيل :
 أنا أريد أن أحول الحديث للشيخ محمد حسين يعقوب الذي يريد فقط النجاة، اليوم الواحد يقول: أنا أريد الجنة فقط، ولا تطالبني بغير هذا من أعمال.

 

للعمل علتان علة دافعة وعلة غائية :

الشيخ محمد حسين يعقوب:
 كما ذكر الشيخ أن الطالب الذي يقيس نفسه بطالب فاشل يفشل، نراها كثيراً بأبنائنا، الطالب الذي يريد أن ينجح وانتهى يرسب، الذي يريد أن يحصل على مئة بالمئة يحصل على تسعين أو ثمانين، الذي يريد أن يحصل على تسعين يحصل على ستين، والذي يريد أن ينجح فقط لابدّ من أن يرسب، ولذلك أريد أن أضيف إلى كلام الشيخ عن الخطأ في الوزن والميزان، أننا ينبغي أن نفهم القضية فهماً صحيحاً، وهذه تتعلق بالذي يريد أن ينجو وانتهى، كيف ينجو؟
أخوتي القضية هل المشكلة في مرض القلب ضعف الإيمان أم ضعف القلب؟ ينبغي أن نفرق بينهما، ضعف الإيمان أي ضعف العمل، أي الكل يصلي، ولكن صلاته ضعيفة، ويصوم وصيامه ضعيف، ويقوم الليل وقيامه ضعيف، ويقرأ القرآن الكريم وقراءته ضعيفة، مواظب على الحسنات حريص عليها لكنه ضعيف، أما إذا مرض بضعف القلب ضعف العضلة نفسها، ضعف الدافع، الذي يقول: أنجو فقط، أنتم تريدون الفردوس الأعلى أنا أنجو فقط، أنا أريد أن أبقى وراء باب الجنة بشبر، هذا الذي عنده هذا الضعف، محال، نحن نؤمن أنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ولكن من هذا الذي يزحزح؟ الذي يرتكب الفواحش، ثم يقول: أنا أدخل الجنة بشبر، من أين تأتيك الجنة وأنت ترتكب الفواحش؟ كما قال ابن الجوزية عليه رحمة الله: يقول أحدهم حسنة وسيئة، ويلك من كيسك تنفق، السيئة تحبط الحسنة التي فعلتها، ثم تقول: أريد أن أدخل الجنة وانتهى، بدون قيام الليل، وبدون ذكر، هذه قصتها ضعف العضلة، ضعف القلب نفسه، ضعف العلة الدافعة، للعمل علتان علة دافعة وعلة غائية، الغاية الجنة، لكن العلة الدافعة التي تدفعه للعمل هذه أمر آخر.
الشيخ نبيل :
 نحن الآن أمراض القلب ما شاهدنا أعراضها، متى يكتشف الإنسان بنفسه أن قلبه مريض؟ متى قد يكون الواحد على السنة ولحيته ما شاء الله أو الإزار أو السواك يطبق بعض مظاهر السنة لكن لا يدري أن قلبه مليء بالأمراض وقد يحتقر بعض الناس يقول: هذا أين وأنا أين؟ أنا الحين طبقت أشياء كثيرة، ولا يعلم أنه ـ وهذا كلام ابن القيم وابن تيمية والكثير ـ من هذا الباب تجده بعيداً عن بعض السيئات وبعض الذنوب، ولسانه لمرض في قلبه يفري في الأحياء والأموات، وهو لا يدري، أريد أن أبدأ مع الدكتور محمد راتب النابلسي يعطينا بعض الأعراض ويشخص لنا المرض، بعض الناس لا يعرف حتى في الأمراض الدنيوية، يقول: مرض فلان له أعراض كذا وكذا، مصاب بذبحة صدرية، احتمال جلطة، يخاف من الجلطة وعنده مرض يودي به إلى جهنم و هو لا يشعر، هذا سوف نبدأ به بعد الفاصل.
 لازلنا في القلب وهو أخطر عضو في الجسد، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ويوم القيامة عليه الفوز أو الخسران، احرص على ما سوف يذكره الشيخان في علامات مرض القلب، ومظاهر مرض القلب، وكيفية علاج هذا الأمراض، ولا عليك إذا رأيت أن الجسد سليم مئة بالمئة، إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فاحرص على هذا الأمر، تفضل دكتور راتب.

القلب القاسي

 أبعد قلب عن الله عز وجل :

 

 

الدكتور راتب:
 بارك الله بك، أيها الأخوة الكرام، الأب ما الذي يسعده؟ أن يلتف أولاده حوله، أن ينصاعوا لأمره، الزوج ماذا يسعده؟ أن تكون زوجته معه، والعلاقة سلسة بينهما، مدير المدرسة ماذا يسعده؟ أن يلتف المدرسون حوله، صاحب المتجر، مدير المؤسسة، رئيس الجامعة، أي منصب قيادي في الأرض يسعده أن يلتف من حوله حوله، أن يحبونه، لماذا تكون المشكلات في أي مجتمع في أي كيان؟ قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً معهم، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك، شيء طبيعي المؤمن المتصل بالله بقلبه رحمة، التف أولاده حوله، معلم التف طلابه حوله، مرشد التف أخوانه حوله، قائد التف أخوانه حوله:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 ما دام القلب منقطعاً عن الله فيه قسوة، أبعد قلب عن الله القلب القاسي:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 أي لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، فانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، والله معادلة رياضية، اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض، هذه الآية يحتاجه الأب، المعلم، صاحب المتجر، مدير المؤسسة، مدير المدرسة، رئيس الجامعة، أي منصب قيادي بحاجة ما دام القلب متصلاً هناك لين، ورحمة، والرحمة شعور داخلي، ينعكس ليناً في المعاملة، هذا اللين يجلب الناس حولك، المقطوع عن الله يمتلئ القلب قسوة، تنعكس القسوة غلظة، ينفض الناس من حوله.

 

من ذكر الله أدى واجب العبودية ومن ذكره الله منحه الحكمة و الأمن و الرضا :

 النقطة الدقيقة، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 قال علماء التفسير: "ذكر الله أكبر ما في الصلاة" والدليل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه:14]

 لكن الإمام ابن عباس قال: "ذكر الله لك أيها المصلي وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له"، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إن ذكرك منحك الحكمة، لكنه إن ذكرك منحك الرضا، إن ذكرك منحك الأمن":

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81]

 إن ذكرك منحك السعادة، إن ذكرك منحك التوفيق، هذه ثمار الصلاة:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه:14]

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له، إذا ذكرك منحك الأمن، الحكمة، القوة، الرضا، التوفيق، السعادة، السكينة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
الشيخ نبيل :
 أحد الصحابة عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ سأله أحد التابعين سؤالاً غريباً قال له: هل كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال، أي لا يغرنك ظاهرهم، تجد إنساناً أشعث أغبر ويضحك ويعيش عادياً لكن في قلبه أمثال الجبال من الإيمان، الدنيا، الغفلة، الشهوة، الهفوة، أربع كلمات تخوف وهي يمكن أن تكون من أسباب أمراض القلب بدأها الشيخ محمد حسين يعقوب، لكن كيف تُمرض القلب؟ يتفضل الشيخ محمد حسين يعقوب، يشرحها.

 

الدنيا أول مرض يصيب القلب :

الشيخ محمد حسين يعقوب:
 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده، ونستعين به، أما بعد:
 أخوتي أنا أحبكم في الله، حرصكم على هذا الدرس وامتلاء هذا المدرج سعادة لنا، وكأنه طلب لمحبة الله، أخوتي القلوب تمرض وتتفاوت الأمراض كأمراض الأجساد، كما أن في الأجساد ما بين صداع ومغص إلى سرطنات وجلطات وكذلك في القلوب، اللهم طهر قلوبنا، اللهم اشفِ قلوبنا، الله ثبت على الإيمان قلوبنا، أول مرض يصيب القلب الدنيا، اللهم إنا نعوذ بك من الدنيا، فتنة الدنيا فتنة شديدة، وقال علماؤنا: من ادعى محبة الله ثم مال بقلبه إلى الدنيا فهو كذاب، الله عز وجل في ثلاث آيات من القرآن لا رابع لها من جنسها خيرنا بين الدنيا وبين الآخرة، إما دنيا وإما آخره، قال تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ*أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة هود: 15 ]

 هو تخيير لك وخيار فاختر لنفسك يا عبد الله، قال سبحانه وتعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾

[ سورة الإسراء: 18 ]

 والآية الثالثة في قوله تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾

[ سورة الشورى: 20 ]

 اختر لنفسك كما قال الله عز وجل :

﴿ أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة فصلت: 40 ]

 حبّ الدنيا يؤدي إلى الغفلة وعلاجه ذكر الله وتعلق القلب بالآخرة :

 وقد يقول قائل: هل معنى قولك أن الدنيا مرض أن نلبس المرقعات ونجلس ونتسول من الناس؟ لا أقصد ذلك البتة، بل أقول: أن تطلب الدنيا للآخرة، أن تُسخر الدنيا للآخرة، لا بأس أن تملك ملايين وبلايين، وفوق ذلك املكها ولا تملكك، استعملها ولا تستعملك، عبّدها ولا تعبدها، الدنيا، سيارة جميلة فارهة، مهما تكن ولكن لماذا؟ لأخلو فيها مع الله، أستطيع أن أذكر الله، وأشكر نعمة الله، لذلك هذه الدنيا قد تصير مرضاً، يمرض إنسان بعشق الجنة، وثمة فرق بين العشق المحرم وبين الحب لله، الذي تراه في هذه الدنيا من العشق المحرم والذي يسمونه في زماننا حباً، وهذا ليس بحب، إنما هو العشق المحرم، الحب لا يطلق إلا على حبك لله، وما ينفصل عنه ويتصل به، حب الله وحب كل شيء يحبه الله لله، فحب الزوجة لله، وحبّ الوالدين لله، وحبّ أي عمل تؤديه حبه لله، فإذا كان هذا فهو حب وإلا فهو عشق، المرض الأول الدنيا وعلاجه أن تسخر الدنيا لله، وألا يتعلق قلبك بها ولا بشهواتها، ولاشك أن حبّ الدنيا يؤدي إلى المرض الثاني والذي هو الغفلة، قال الملك جلّ جلاله:

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾

[ سورة الأعراف: 179 ]

 ذرأنا أي أنشأنا وأوجدنا وخلقنا:

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 179 ]

 أخوتي صحّ عن النبي عليه الصلاة والسلام:

(( حُبُّكَ الشيءَ يُعْمِي ويُصِمّ ))

[أبو داود عن أبي الدرداء ]

 حب الدنيا عمى للقلوب وصمم للآذان، أخوتي علاج هذه الغفلة ذكر الله وتعلق القلب بالآخرة.
الشيخ نبيل :
 سوف نرجع مرة ثانية للشيخ ليكمل الفقرتين الثانيتين، ما علاقة الشهوة والهفوة بأمراض القلوب؟ ونتابع مع الدكتور محمد راتب النابلسي كي نطلع من هذا الباب ندخل إلى أمراض القلوب بين الناس، من حقد، وحسد، وغل، هذه كلها بعض أمراض القلوب المنتشرة في الساحة، لكن كل هذه الأمراض سوف نتواصل بعد الفاصل.
 أهلاً بكم من جديد، دخل رجل على النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة جلوس، قال: يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة، دخل رجل تأبط نعليه، ولحيته تتقاطر من ماء الوضوء، وما هو معروف عند الصحابة، إنسان عادي، ثلاثة أيام قبل أن يدخل النبي يعطيه هذه البشارة، والنبي لا ينطق عن الهوى، أحد الصحابة تبعه، عرف بيته، زاره، بقي عنده أياماً، ليكتشف ما هي العبادة التي أوصلته إلى جنة وهو على الأرض يمشي؟ لم يكن كثير صلاة أكثر من الناس، ولا صيام غير الناس، يصلي كالناس، ويصوم كالناس، لكن فيه علة أدخلته الجنة، قال: أبيت أنام ولا أجد في قلبي على أحد من المسلمين شيئاً، قلب صاف، قلب سليم، لا هو حقود ولا حسود، ولا تجده في الصف الأول يصلي، ولكن ـ والعياذ بالله ـ يحسد الناس كلها، تجد لباسه لا يوجد أجمل منه، لكن قلبه بالحقد والكراهية أقذر منه لا يوجد، تجده في بعض القضايا يتبع السنة لكن لسانه وقلبه مليء بالحقد والكراهية للمسلمين، هذا قلب مريض، وإن ظنّ صاحبه أنه سليم، دكتور راتب في هذا الباب وهذا النوع من الأمراض ماذا تتكلم عنه؟

 

الهلع والضعف والعجلة نقاط ثلاثة في أصل خلق الإنسان :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

 هذه نقطة ضعف في أصل خلق الإنسان لصالحه، خلق هلوعاً، خلق عجولاً، وضعيفاً، لو أن الله خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، على كلٍّ نقاط ثلاثة في أصل خلق الإنسان الهلع، والضعف، والعجلة، نأخذ الهلع:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

 معنى ذلك الذي اتصل بالله يشفى قلبه من الهلع والجزع.

 

معافاة المصلي من أمراض القلوب :

 أيها الأخوة الكرام، أنا مضطر إلى حقيقة منطقية، قال المناطقة: الصفة قيد، أي: قل إنسان، هذه كلمة تغطي ستة آلاف مليون، يكفي أن أضيف صفة للإنسان أقول: إنسان مسلم، من ستة آلاف مليون إلى مليار ونصف، الربع، ضاقت الدائرة، قلت: إنسان مسلم عربي أربعمئة مليون، إنسان مسلم عربي مثقف ضاقت أكثر، قل: طبيب، قل: طبيب قلب، قل: طبيب قلب جراح، كلما أضفت صفة ضاقت الدائرة، اسمعوا الآية:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ ﴾

[ سورة المعارج: 22-35 ]

 لذلك ورد في الأثر النبوي: ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليّ فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها.
 أيها الأخوة، دقق في الكتل الكبيرة في الدين من أجل شفاء القلوب:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

 المصلي معافى من أمراض القلوب.

 

القلب السليم هو القلب الذي تجتمع فيه محبة الله وتعظيمه والخوف منه :

 الصلاة التي أرادها الله لذلك: "ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي"، أي الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي ـ أي بيضوي ـ وهذا الشكل له قطر أصغر وقطر أطول، الآن الأرض تتحرك من القطر الطويل إلى القطر الأصغر، حينما تقل المسافة بينها وبين الشمس بحسب قانون الجاذبية تزداد الجاذبية، احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس، فإذا جُذبت إليها تبخرت في ثانية واحدة، والأرض مادة صلبة غير عاقلة، الله عز وجل يرفع سرعة الأرض، فتنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر : 41 ]

 يد من؟ لمن تواضع لعظمتي، يا رب أيّ عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني وأحبّ من أحبني وحببني إلى خلقه، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني.
 إذاً لابدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن ليكون معافى من أمراض القلوب تعظيم لله من خلال آياته الكونية، ومحبة له من خلال نعمه العظيمة، وخوف منه من خلال البلاء، القلب السليم هو القلب الذي تجتمع فيه محبة الله وتعظيمه والخوف منه.

 

عبادة القلب هي عبادة الإخلاص :

 "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، استقام، ولم يصر على معصيتي ـ كان سريع التوبة ـ وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي ـ إخلاص ـ".
 شيء عجيب، هذا الحديث فيه كليات الدين، التفكر في خلق السماوات والأرض، استقامة على أمر الله، التوبة المستمرة، العمل الصالح، الإخلاص، فإذا فعلنا هذا شفيت قلوبنا من أمراضها والله، لذلك عبادة القلب هي عبادة الإخلاص:

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[سورة الزمر: 2 ]

 الإخلاص يعني القلب.
الشيخ نبيل :
 أحد الرجال أراد أن يفعل الفاحشة مع امرأة وكان هو سيد القصر، وهذه المرأة خادمة ومتزوجة، أمر زوجها أن يذهب إلى بلد بعيد واختلى لوحده مع هذه المرأة، قال لها: أغلقي أبواب القصر، فسألها هل أغلقت الأبواب؟ قالت: نعم إلا باباً واحداً، قال: أي باب؟ قالت: الباب الذي بيننا وبين الله، هذا لا يغلق، فارتجف الرجل وتاب إلى الله، ما الفرق بين المرأة والرجل؟ المرأة تراقب الله، الرجل نسي، غفل، أخذته الشهوة، الآن مع الشيخ سوف نرجع مرة ثانية للشيخ ليكمل الفقرتين الثانيتين الشهوة والهفوة، الآن مع محمد حسين يعقوب، أريد أن يكمل لنا، هو بدأ بالدنيا والغفلة، وهما مرضان من أمراض القلوب، بقيت الشهوة والهفوة.

 

الدنيا غفلة والغفلة تجر إلى الشهوة :

الشيخ محمد حسين يعقوب:
 المحمود هو الله جلّ جلاله، والمصلى والمسلم عليه محمد وآله، وبعد: أستطرد في قضية هذه الأمراض ولكن أخشى أن ينتهي الوقت قبل أن أسأل أحدكم، أن أسأل كلاً منكم، ماذا تشعر في قلبك؟ كيف حال قلوبكم مع الله؟ اللهم أصلح قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا، اللهم نور قلوبنا، إننا بحاجة إلى هذه الوقفة، أن يتوقف كل منا ليسأل كيف حال قلبي؟ هل تستشعر أن في قلبك نوراً؟ هل تستشعر أنه نزل على قلبك فيض رحمة أم أنك تشعر بقسوة قلبك وظلمته؟ اللهم إننا نسألك أن تصلح قلوبنا.
 أخوتي حين ذكرنا الدنيا وهذه هي الشر الذي يتنافس فيه أهل الدنيا، أما أهل الآخرة الذين تعلقت قلوبهم بالآخرة فلا يتنافسون على الدنيا، ولا يلقون لها بالاً، بل شعارهم قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((مالي وللدنيا! إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها ))

[أخرجه الترمذي في الزهد وابن ماجه وأحمد والسيوطي]

 شعارهم فيها نصيحة نبيهم حين قال:

(( كُنْ في الدنيا كأنك غَريبٌ، أو عابِرُ سَبيلٍ ))

[ البخاري عن ابن عمر]

 اعبروها ولا تعمروها، هذه معبرة قنطرة وليست للإقامة، الدنيا غفلة، وهذه الدنيا تجر إلى الغفلة، والغفلة تجر إلى الشهوة.
الشيخ نبيل :
 أنا أعتذر من الشيخ محمد حسين يعقوب، ما أدري دخل علينا الفاصل، أكمل حديثك وهذه آخر فقرة.

 

أخطر شيء في المعاصي أن يستصغرها الإنسان و يحتقرها :

الشيخ محمد حسين يعقوب:
 أخوتي إن أخطر شيء في هذه المعاصي أن تستصغرها وتحتقرها، أخوتي الوقت ضيق جداً وأنا الحمد لله الشاهد، المعاصي نوعان؛ معاصي قلوب، ومعاصي جوارح، ومعاصي القلوب هي الأخطر بلا شك، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق))

[ البخاري عن أبي ذر رضي الله ]

 هذه معاصي الجوارح الزنا والسرقة، وقال :

((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 اللهم احفظ قلوبنا، معاصي القلوب خطر، ذرة كِبر تمنع دخول الجنة، والزنا والسرقة لا تمنع دخول الجنة إذا صحّ التوحيد، فلذلك أقول: إن التوحيد هو علاج كل هذه الأمراض، أن تشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً من قلبك، لا إله إلا الله أحرق لسيئات الموحدين من الشرك لحسنات المشركين، هذا التوحيد يحرق السيئات ويمحوها، ويطهر القلوب، تعلق القلب بالله، هذا القلب كلما امتلأ من إرادة، هم، وحب، طرد هماً، وإرادة، وحباً، لذلك أقول: إنك إذا امتلأ قلبك بالتوحيد طرد كل ما سواه.
 هذه الهفوات، هفوات: معاصٍ صغيرة قد تسميها تافهة، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر، لذلك كلما هان الذنب عندك كلما عَظُم عند الله، وكلما عظم الذنب عندك هان عند الله.

(( إِنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني : غفرتُ لك على ما كانَ مِنكَ، ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ، لو بلغتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم استَغْفَرتَني غَفَرْتُ لك، ولا أُبالي))

[ الترمذي عن أنس]

 الله يحب أن يغفر، يحب أن يعفو، يحب أن يرحم، لكن سبحانه وتعالى لا يضع الأمر إلا عند من يستحقه:

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 156 ]

 الرحمة واسعة جداً، وسعت السماوات والأرض وما بينهما، لكن لمن؟

 

سرعة التوبة علاج الهفوات :

 لذلك هذه الهفوة علاجها سرعة التوبة، سرعة الأوبة:

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾

[ سورة النساء: 17 ]

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا ﴾

[ سورة آل عمران: 135 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 201 ]

 هكذا هم سريعو العودة، و هناك فرق بين من يخطئ وبين من يتعمد، بين من يتوب وبين من يستمر، ثمة فرّق بين من يقع في خطأ غير مقصود وبين من يمكر للمعصية، أختم بهذه: إنسان عنده ذنبان أو ثلاثة كل يوم يقع بهم، ينظر إلى امرأة، دخل فنظر إلى صورة، إلى آخره، جالس على الانترنت لمصلحة وقعت أمامه صورة، هذا يخطئ بخلاف من برمج تلفزيونه على قنوات محرمة، قنوات الزنا والفجور، فرق بين رجل وقعت عينه عرضاً فقال: أستغفر الله وتألم، وبين من يجلس لينتظر الوقت الذي يرى فيه الحرام، لمن برمج كومبيوتره، أو حفظ على هارد ديسكه هذه القذارات والقاذورات والمحرمات يفعلها ويعاودها مرة بعد مرة ثمة فرق، قال الملك جلّ جلاله:

﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ﴾

[ سورة النحل: 45 ]

 مكروا السيئات تختلف عن الذين فعلوا السيئات، الذين ارتكبوا السيئات، الذين وقعوا في السيئات، يختلفون عن الذين يمكرون السيئات، أحبكم في الله وأسأل الله أن يتوب عليّ وعليكم.
الشيخ نبيل :
 شكراً جزيلاً للشيخ محمد حسين يعقوب، وأعتذر عن التقطيعات التي صارت، والخاتمة للدكتور محمد راتب أوجه له سؤالاً في موضوع القلوب .

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

الدكتور راتب:
 أيها الأخوة، نحن في أمس الحاجة إلى الوعي، عندنا في الشام شيخ يلقي درساً، حدثهم عن الفساد الاجتماعي بشكل مسهب، تأتي الفتاة الساعة الثانية بعد منتصف الليل أين كانت؟ عند الحبيب، فكل الحاضرين صلوا على الحبيب، نحتاج إلى وعي لذلك قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 بربكم الحقيقة المرة هل نحن مستخلفون في الأرض؟ لا والله:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 ونحن أيضاً لسنا ممكنين، ونحن أيضاً لسنا آمنين، أتكلم عن العالم الإسلامي بأكمله، لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، مع أن وعود الله قطعية الحدوث، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أين الخلل؟ قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59 ]

 وقد لقينا ذلك الغي، أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها بل يعني تفريغها من مضمونها .

 

من طبق سنة النبي الكريم في حياته فهو في مأمن من عذاب الله عز وجل :

 فلذلك أقول لكم بملء ما أؤمن: مستحيل وألف ألف مستحيل أن نطبق سنة النبي في حياتنا و أن نقلق، أو يأتينا ما لا يرضينا، بدليل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33]

 الآية في حياة النبي لها معنى، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى لها معنى آخر، أي يا محمد ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم فهم في مأمن من عذاب الله، فالحل أن نعود إلى الله عز وجل، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.
 رجل هداه الله إلى الإسلام، زار بريطانيا، والتقى بالجالية الإسلامية وقال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم بهم، ولكن بشرط ـ ما سأقوله بعد قليل ورقات العمل ـ بشرط أن يحسنوا فهم دينهم، ويحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر.
 أن نحسن فهم هذا الدين، وأن نحسن التطبيق، وأن نحسن عرضه على الطرف الآخر، وإذا أردت كلاماً جامعاً مانعاً لحال العالم الإسلامي الآن أقول: هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله.

 

خاتمة و توديع :

الشيخ نبيل :
 في الختام لا يسعني إلا أن أشكر ضيفي الكريمين، الدكتور محمد راتب النابلسي، وضيفنا الحبيب الشيخ محمد حسين يعقوب، على هذه الكلمات، وهذه الفوائد، الآن عرف الواحد منا بعض أمراض القلوب؛ الدنيا، الغفلة، الشهوة، الهفوة، هناك بعض القواعد التي أسسها الدكتور محمد راتب يسير الإنسان عليها في حياته، ابدأ من اليوم، الذكر يجلي القلب، القرآن شفاء لما في الصدور، الصحبة الصالحة تأمنك من أمراض القلوب، احرص على كل طاعة فإنها إن شاء الله تزيل أمراض القلب، وكل معصية نكتة من النكت السوداء التي تمرض هذا القلب، أنت حر هذا قلبك، صفِّه وعالجه إن شئت، وأمرضه إن شئت، فلن يتضرر إلا صاحب القلب المريض، أو القلب الميت.
 هذه الليلة انتهت في إحدى الليالي الدينية، موعدنا إن شاء الله في ليالي قادمة، نعدكم بأمسيات أخرى في المجمعات التجارية، وأيضاً في صالة التزلج، أشكركم جداً على حسن استماعكم، وحضوركم المتميز، مضت أكثر من ساعتين ونحن جلوس مرّ الوقت والله مع الشيخين كأنها دقائق، وبإذن الله يقال لنا بعد هذا المجلس: قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات، أشكركم مرة أخرى.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته