صور من حياة التابعين - الندوة : 17 - عبد الرحمن الغافقي أمير الأندلس2

2000-12-07

أيها الإخوة و الأخوات:
 السلام عليكم و رحمة الله و بركاته نحييكم أطيب تحية ندعوكم لمتابعة هذه الحلقة الجديدة من صور من حياة التابعين ، كنا بالأمس قد تحدثنا عن شخصية إسلامية رائعة عبد الرحمن الغافقي والآن نكمل ما بدأناه بالأمس ومتابعة مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، و المدرس الديني في مساجد دمشق و خطيب جامع العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي بدمشق ، فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
 أمس كان حديثاً شيقاً حول سيدنا عبد الرحمن الغافقي لنا متابعة كما وعدنا الأخوة المستمعين ، تفضل:
بسم الله الرحمن الرحيم:
 من المناسب جداً أن أنقل للإخوة المستمعين وصف جيوش المسلمين من قبل شاعر إنكليزي كتب يصف هذه الجيوش ، جموع لا تحصى يجمعهم إيمان ثائر راسخ الفتوة ، وحمية متلظية كالشرف وأخوة مذهلة لا تفرق بين البشر ولم يكن قادتهم أقل منهم ثقةً بالنصر بعد أن سندوا بحمية الظفر واختالوا بتلك القوة القوية التي لا يقف أمامها شيء وأيقنوا أن جيوشهم لا يمكن أن يلم بها الكلال فهي دائماً فتية مشبوبة كما انطلقت أول مرة ، وآمنوا أن حيثما تحركت مشى في ركابها النصر والغلب ، وأنها ستندفع دائماً إلى الأمام حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق يطأطئ الرأس إجلالاً لاسم محمد ، وحتى ينهض الحاج من أقاسي المتجمد إلى أن يطأ بأقدام الإيمان الرمال المحرقة المنتثرة على صحراء العرب ويقف فوق صخور مكة الصلبة.
 أقول لهذا الشاعر: لم تكن أيها الشاعر بعيداً عن الحقيقة أو هائماً في أودية الخيال في كثير مما قلت ، فقد كانت الجيوش التي قادها المجاهدون لإخراج آبائك من جاهليتهم الجهلاء كما وصفت ، ففيها عرب أقوياء ؛ أقوياء بالله هبوا إليكم من الشام ومن الحجاز ومن نجد ومن اليمن ، ومن كل مكان في جزيرة العرب كما تهب الريح المرسل.
 نعم لقد كان الجيش الذي قاده عبد الرحمن الغافقي فيه الأبيض والأسود والعربي والأعجمي ، لكنهم انصهروا جميعاً في بوتقةِ الإسلام فأصبحوا بنعمة الله إخواناً ، وقد كان همهم كما ذكرت أن يجعلوا البشرية كلها تطأطئ الرأس لإله الناس ، وأن يعم نور الإسلام بطاحكم وأوديتكم ، وأن تشرق شمسه في كل بيت من بيوتكم ، وأن يسوي عدله بين ملوككم وسوقتكم وكانوا قد عزموا على أن يدفعوا أرواحهم ثمناً لهدايتكم إلى الله وإنقاذكم من النار وبعد.
فهذه هي القصة الأخيرة لهذا الجيش وخبر بطله الفذ عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ونحن في الحلقة الثانية.
 رضي الله تعالى عز وجل على سيدنا التابعي عبد الرحمن الغافقي حبذا فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي أن نستزيد حول هذه الشخصية الإسلامية الرائعة.
 تناهت إلى دوق أو كتانية الأخبار المفزعة عن مصرع صهره عثمان ابن أبي مسعى وبلغته أنباء النهاية الحزينة التي صارت إليها ابنته الحسناء ميلين ، فأدرك أن طبول الحرب قد دقت وأيقن أن أسد الإسلام عبد الرحمن الغافقي ممسٍ في دياره أو مصبح ، وتأهب للدفاع عن كل شبر من أرضه دفاع المستميت واستعد للنضال دون نفسه ومملكته استعداد المستبسل ، فقد كان يخشى أن يساق هو الآخر أسيراً إلى دار الخلافة في الشام كما سيقت ابنته أو أن يحمل رأسه على طبق ويطاف به في أسواق دمشق كما طيف برأس نزريق ملك أسبانيا من قبل.
 لم يُكذب عبد الرحمن الغافقي ظن الدوق فانطلق بجيشه اللجب من شمال الأندلس كما ينطلق الإعصار وانصب على جنوبي فرنسا من فوق جبال البرنييه كما ينصب السيل وكانت عدة جيشه مئة ألف مجاهد بين جوانح كل منهم قلب أسد في عروقه عزيمة مارد ، يمم الجيش الإسلامي وجهه شطر مدينة أرل الواقعة على ضفاف نهر الرون ، فلقد كان له معها حساب ، ذلك أن أرل هذه كانت قد صالحت المسلمين على أن تدفع لهم الجزية فلما استشهد السمح بن مالك الخولاني بمعركة طولوز وتضعضع المسلمون لمصرعه نبذ أهل أرل الطاعة ونكثوا العهد وامتنعوا عن دفع الجزية ولما بلغ عبد الرحمن الغافقي ضواحي المدينة وجد أن أود دوق أو كتانية قد عبأ قواته الكثيفة عندها وحشد حول تخومها وتصدى لصد الزحف الإسلامي عليها ثم ما لبث أن التقى الجيشان وجهاً لوجه ، ودارت بين الفريقين معركة طحون قذف خلالها عبد الرحمن الغافقي بكتائب من جيشه تحب الموت أكثر مما يحب أعداءها الحياة فزلزل أقدام العدو ومزق صفوفه ودخل المدينة في هذه المرة حرباً فأعمل السيف في رقاب أهلها وأثخن فيهم إثخاناً وغنم منهم غنائم عزت على الحصر.
 وأما الدوق أود فقد فر بمن بقي حياً من جنوده وطفق يعد العدة للقاء آخر مع جيوش المسلمين ، فقد كان يعلم أن معركة أرل كانت بداية الطريق وليست نهايته ، عبر عبد الرحمن الغافقي بجيشه الجرار نهر الجارون وطفق كتائبه الظافرة تجوس مقاطعة أو كتانية ذات اليمين وذات الشمال وأخذت المدن والقرى تتساقط تحت سنابك خيله كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف فإذا هبت عليها الرياح الهوج، وأضاف المسلمين إلى غنائمهم السابقة غنائم لاحقة لم ترها عين من قبل ولم تسمع بها أذن وقد حاول دوق أو كتانية أن يتصدى لهذا الزحف الكبير مرةً أخرى فاشتبك مع المسلمين في معركة ضروس لكن المسلمين ما لبثوا أن هزموه هزيمةً طاحنة وأنزلوا به نكباً ساحقة مدمرة ومزقوا جيشه شر ممزق وتركوا جنده بين قتيل وأسير وهزيم.
 ثم اتجه المسلمون إلى مدينة بوردو كبرى المدن الإفرنسية آنذاك وعاصمة مقاطعة أو كتانية وخاضوا مع أميرها معركة لا تقل هولاً عن المعارك السابقة استبسل فيها المهاجمون والمدافعون استبسالاً يثير العجب والإعجاب ، لكن المدينة الكبيرة الخطيرة ما لبثت أن سقطت بين أيدي المسلمين كما سقطت أخواتها من قبل وما لبث أميرها أن قتل فأحرز المسلمين من غنائم بوردو ما هون في أعينهم كل ما أحرزوه من غنائم وقد كان سقوط بوردو في أيدي المسلمين فاتحةً لسقوط مدن أخرى كثيرة وخطيرة ، أهمها ليون ، وبزداشنش ، وسان ، وكانت هذه الأخيرة لا تبعد عن باريس أكثر من مئة ميل.
 فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي حديث رائع فعلاً عن سيدنا عبد الرحمن الغافقي من خلال هذه الأحداث التي تكلمت بها اهتزت أوربا من أقصاها إلى أقصاها لسقوط نصف فرنسا الجنوبي كله في يد عبد الرحمن الغافقي وذلك كان في وقت قياسي في بضعة أشهر ، الحديث يحلو عن هذا الموضوع.
 فتح الفرنجة أستاذ جمال أعينهم على الخطر الداهم ودب الصريخ في كل مكان يدعو العجزة والقادرين إلى الوقوف في وجه هذا الهول القادم من الشرق ويحضهم على التصدي له بالصدور إذا عزت السيوف ويدعوهم إلى سد الطريق أمامه بالأجساد إذا انعدم العتاد فاستجابت أوربا إلى دعوة الداعي وأقبل الناس على الانضواء تحت لواء شارل مارتل ومعه الشجر والحجر والشوك والسلاح ، وكان الجيش الإسلامي آنذاك قد بلغ مدينة تور طليعة مدن فرنسا وفرةً في السكان ، وقوةً في البنيان ، وعراقةً في التاريخ.
 أستاذ جمال في العشر الأخير من شهر شعبان سنة أربع ومئة للهجرة زحف عبد الرحمن الغافقي بجيشه اللجب على مدينة بواتييه و هناك التقى مع جيوش أوربا الجرارة بقيادة شارل مارتل و وقعت بين الفريقين إحدى المعارك الفاصلة ، لا في تاريخ المسلمين و الفرنجة فحسب و إنما في تاريخ البشرية كلها ، و قد عرفت هذه المعركة بمعركة بلاط الشهداء ، و كان الجيش الإسلامي يومئذ في ذروة انتصاراته الباهرة لكن كاهله كان مثقلاً بتلك الغنائم الني انصبت عليه انصباب الغيث ، هناك أخ جمال تعليق لطيف جداً ، يقول أحد ملوك الفرنجة: أنعمت النظر في هذا الأمر طويلاً فرأيت ألا نتعرض لهؤلاء القوم في وثبتهم هذه ، فإنهم الآن كالسيل الجارف يختضع كل ما يعترض طريقه ، و يحتمله معه ، و يلقي به حيث يشاء ، ووجدت أنهم قوم لهم عقيدة و نية تغنيان عن كثرة العدد و العُدد ، و لهم إيمان و صدق يقومان مقام الدروع ، و لكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ، و يتخذوا لأنفسهم الدور و القصور ، فعند ذلك تتمكنون منهم بأيسر السبل و أقل الجهد ، قال تعالى:

﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(47)﴾

 قال تعالى:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 أما:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59]

 و هذا ما حصل للمسلمين في بلاد الأندلس ، نرجو الله سبحانه و تعالى أن يعيد لهذه الأمة تاريخها المشرق و أن يجعل هدفها نبيلاً ، و أن يحقق بها هذه الرسالة التي أنيطت بها ، و جعلها الله مشرفة من أجلها.
 في الواقع رضي الله تعالى عز وجل عن سيدنا التابعي عبد الرحمن الغافقي الذي ملأ حلقتين متتاليتين بأمجاده و تاريخه و تاريخ الإسلام ، و أهلاً و مرحباً بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، و خطيب جامع العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي بدمشق و مدرس في مساجد دمشق ، نشكركم سماحة الشيخ ، إلى الملتقى و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته