صور من حياة التابعين - الندوة : 13 - التابعي عروة بن الزبير

2000-12-03

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحييكم أطيب تحية مع بداية هذه الحلقة الجديدة شخصيتنا التي سنتحدث عنها اليوم هي عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه.
 يسعد أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و المدرس الديني في مساجد دمشق، و خطيب جامع العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي بدمشق، فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي كيف نبدأ بالحديث عن ترجمة هذه الشخصية الإسلامية عروة ابن الزبير ؟
يقول الله جل جلاله:

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾

[ سورة الإسراء: الآية 20 ]

 فعروة بن الزبير ولد بسنة واحدة بقيت من خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه، في بيت من أعز بيوت المسلمين شأناً وأرفعها مقاماً، أبوه هو الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من سل سيفاً في الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأمه هي أسماء بنت أبي بكر الملقبة بذات النطاقين، وجده لأمه هو أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، وجدته لأبيه هي صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وخالته هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد نزل إلى قبرها حين دفنت بنفسه وسوى عليها لحدها بيده، أفنظن أن بعد هذا النسب نسباً ؟
 فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي هناك أمنية تمناها سيدنا عروة بن الزبير حبذا أن نتحدث عن هذا الجانب ؟
 أخ جمال: ولكي يحقق عروة بن الزبير أمنيته التي تمناها على الله عند الكعبة المعظمة أكب على طلب العلم، الإمام الشافعي يقول: إذا أردت الدنيا، فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، فهذا التابعي الجليل أكب على طلب العلم وانقطع له واغتنم البقية الباقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق يأم بيوتهم ويصلي خلفهم ويتتبع مجالسهم حتى روى عن علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس، والنعمان بن البشير، وأخذ كثيراً عن خالته عائشة أم المؤمنين حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم في الفتوى، ويستعين بهم الولاة الصالحون على ما استرعاهم الله جل جلاله في أمر من أمور العبادة.
 في ذلك أن عمر بن عبد العزيز حين قدم المدينة والياً عليها من قبل الوليد بن عبد الملك جاءه الناس فسلموا عليه فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة وعلى رأسهم عروة بن الزبير فلما صاروا عنده رحب بهم وأكرم مجالسهم ثم حمد الله جل جلاله وأثنى عليه ثم قال إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون لي فيه أعوان لي على الحق فأنا لا أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم فإن رأيتم أحداً يتعدى على أحد، أو بلغكم عن عامل لي مظلمةٌ فأسألكم بالله عز وجل أن تبلغوني ذلك.
 أذكر أن سيدنا عمر بن عبد العزيز عين أحد كبار العلماء مرافقاً له اسمه عمر بن مزاحي، قال له: يا عمر كن معي، إن رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي وهزني هزاً عنيفاً وقل لي اتقِ الله يا عمر فإنك ستموت.
 فإن رأيتم أحداً يتعدى على أحد، أو بلغكم عن عامل لي مظلمةٌ فأسألكم بالله عز وجل أن تبلغوني ذلك، فدعا له عروة بن الزبير بخير ورجا له من الله السداد والرشاد، وقد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل فقد كان صواماً في الهواجر، قواماً في العتمات، رطب اللسان دائماً بذكر الله تعالى.
 أن يطلب الإنسان العلم شيء وأن يكون عابداً من الطراز الأول شيء آخر، وأن يجمع بينهما شيء... لاشك أن الله عز وجل أعطى الإنسان إمكانات عالية جداً، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 19]

 ويرى نتائج عمله في الدنيا قبل الآخرة، كان هذا التابعي الجليل خديماً لكتاب الله عز وجل، عاكفاً على تلاوته فكان يقرأ ربع القرآن كل نهارٍ نظراً في المصحف ثم يقوم به الليل تلاوةٍ عن ظهر قلب ولم يعرف عنه أنه ترك ذلك منذ صدر شبابه إلى يوم وفاته إلا مرة واحدة لخطب نزل به سيأتيك نبأه بعد قليل.
 ولقد كان عروة بن الزبير يجد في الصلاة راحة نفس وقرة عين وجنته على الأرض فيحسنها كل الإحسان ويتقن شعائرها أتم الإتقان ويطيلها غاية الطول، كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاة إذا أم أصحابه أما إذا صلى وحده يصلي ما شاء.
 روي عنه أنه رأى رجلاً يصلي صلاةً خفيفة فلما فرغ من صلاته دعاه إليه وقال له يا بن أخي أما كانت لك عند ربك جل وعز حاجة، والله إني لأسأل الله تبارك وتعالى في صلاتي كل شيء حتى الملح.
ياليت أن نتكلم عن أهم الصفات التي كان يتحلى بها سيدنا عروة بن الزبير ؟
 من أهم الصفات التي كان يتحلى بها هذا التابعي الجليل أنه كان جواداً، وقد أثر عن جوده أنه كان له بستان من أعظم بساتين المدينة عذب المياه ظليل الأشجار باسق النخيل وكان يسور بستانه طوال العام بحماية أشجاره من أذى الماشية وعبث الصبية حتى إذا آن أوان الرطب وأينعت الثمار وطابت واشتهاها الناس كسر حائط بستانه في أكثر من جهة ليجيز للناس دخول هذا البستان، فكانوا يلمون به ذاهبين آيبين ويأكلون من ثمره ما لذ لهم الأكل، ويحملون منه ما طاب لهم الحمل، وكان كل ما دخل بستانه هذا ردد قوله تعالى:

 

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 39 ]

 عندما تابعنا ترجمة عروة بن الزبير لاحظنا أن الله سبحانه وتعالى ابتلاه بمصيبة وامتحنه، كيف علمنا الصبر من خلال هذا الابتلاء ؟
في ذات سنة من خلافة الوليد بن عبد الملك شاء الله جل وعز أن يمتحن عروة بن الزبير امتحاناً لا يثبت له إلا ذوي الأفئدة التي عمرها الله بالإيمان وأترعها باليقين، فلقد دعا خليفة المسلمين عروة بن الزبير لزيارته في دمشق فلبى دعوته وصحب معه أكبر بنيه، ولما قدم على الخليفة رحب بمقدمه أعظم ترحيب وأكرم وفادته أوفى الإكرام، وبالغ في الحفاوة به، ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ذلك أن ابن عروة دخل إلى اسطبل الوليد ليتفرج على جياده الصافنات فرمحته دابة رمحةً قاضية أودت بحياته، ولم يتب الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابت إحدى قدميه الآكلة، مرض الموات فتورمت ساقه وجعل الورم يشتد ويمتد بسرعة مذهلة فاستدعى الخليفة لضيفه الأطباء من كل جهة وحضهم على معالجته بأية وسيلة لكن الأطباء أجمعوا على أنه لا مندوحة من بتر ساقه قبل أن يسري الورم إلى جسده كله فيكون سبباً في القضاء عليه، فلم يجد بداً من أن يدعى لذلك ولما حضر الجراح لبتر الساق وأحضر معه مباضعه لشق اللحم ومناشره لنشر العظم، قال الطبيب لعروة: أرى أن نسقيك جرعة من مسكر لكي لا تشعر بآلام البتر المبرحة، قال: هيهات لا أستعين بحرام على ما أرجوه من العافية، فقال له: إذاً نسقيك المخدر قال: ما أحب أن أسلب عضواً من أعضائي دون أن أشعر بألمه وأحتسب ذلك عند الله، ولما هم الجراح بقطع الساق تقدم نحو عروة طائفة من الرجال فقال: ما هؤلاء ؟ فقيل له: لقد جيء بهم ليمسكوك فربما اشتد عليك الألم فجذبت قدمك جذبةً أضرت بك، قال: ردوهم لا حاجة لي بهم وإني لأرجو أن أكفيكم ذلك بالذكر والتسبيح.
 ثم أقبل عليه الطبيب فقطع اللحم بالمضبع ولما بلغ العظم وضع عليه المنشار وطفق ينشره به وعروة يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، وما فتئ الجراح ينشر وعروة يهلل ويكبر حتى بترت ساقه بتراً ثم أغلي الزيت في مغارف الحديد وغمست به ساق عروة لإيقاف تدفق الدم وحسم الجراح الجرح فأغمي عليه إغماءةً طويلة حالت دونه وأن يقرأ حصته من كتاب الله وكانت المرة الوحيدة التي فاته فيها ذلك الخير منذ صدر شبابه ولما صحا عروة دعا بقدمه المبتورة فناولوه إياها وجعل يقبلها بيده ويقول: فما والذي حملني عليك في عتمات الليل إلى المساجد إنه ليعلم أنني ما مشيت بك إلى حرام قط، ثم تمثل بأبيات لبعض الشعراء ولقد شق على الوليد بن عبد الملك ما نزل بضيفه الكبير من النوازل، فقد احتسب ابنه وفقد ساقه في أيام معدودات فجعل يحتال بتعزيته وتصبيره على ما أصابه.
وصادف أن نزل بدار الخلافة جماعة من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن سبب كف بصره فقال: يا أمير المؤمنين لم يكن في بني عبس رجل أوفر مني مالاً ولا أكثر أهلاً وولداً، فنزلت مع مالي وعيالي في بطن واد من منازل قومي فطرقنا سيل لم نرَ مثله قط فذهب السيل بما كان لي من مال وأهل وولد ولم يترك لي إلا بعير واحد وطفل صغير حديث الولادة وكان البعير صعباً فند مني فتركت الصبي على الأرض ولحقت بالبعير فلم أجاوز مكاني حتى سمعت صيحة الطفل فالتفت فإذا رأسه في فم ذئب وهو يأكله، فبادرت إليه غير أني لم أستطع إنقاذه إذا كان قد أتى عليه فلحقت بالبعير فلما دنوت منه رماني برجله على وجهي رميةً حطمت جبيني وذهبت ببصري.
 أهلاً ومرحباً بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و المدرس الديني في مساجد دمشق، و خطيب جامع العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي بدمشق.
نشكركم سماحة الشيخ إلى الملتقى