صور من حياة التابعين - الندوة : 10 - التابعي سلمة بن دينار .

1999-12-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته، أهلا و سهلا الأستاذ جمال.
فضيلة الشيخ

 سلمة بن دينار، شخصية فذة من التابعين الذين كانت لهم مواقف طيبة في ظل الإسلام الذ دائما نعتز به من خلال تربيته وسجاياه و ما يقدمه لنا جميعا، حبذا أن نتحدث عن سلمة بن دينار.
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
لابد من مقدمة قصيرة ندخل من خلالها إلى هذا التابعي الجليل.
 في السنة السابعة والتسعين للهجرة شدَّ خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك الرحتال إلى الديار المقدسة، ملبيا نداء أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلامك، ومضت ركائبه تحث الخطى من دمشق عاصمة الأمويين إلى المدينة المنورة، فقد كان في نفسه شوق إلى الصلاة في الروضة المطهرة و توق إلى السلام على محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم، و قد حفل موكب الخليفة بالقراء و المحدثين و الفقهاء و العلماء و الأمراء و القادة، فلما بلغ المدينة المنورة وحد رحاله فيها أقبل وجوهُ الناس وذوي الأقدار بالسلام عليه و الترحيب به، لكن سلمة بن دينار قاضي المدينة و عالمها الحجة و إمامها الثقة لم يكن من عداد من زاروا الخليفة مرحبين مسلمِّين، و لما فرغ سليمان بن عبد الملك من استقبال المرحبين به قال لبعض جلساءه: إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن، إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة و يجلو عنها صدأها، فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: أما في المدينة رجل أدرك طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكرنا ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، هاهنا أبو حازم الأعرج، فقال: ومن أبو حازم الأعرج ؟ فقالوا: سلمة بن دينار، عالم المدينة و إمامها وأحد التابعين الذين أدركوا عددا من الصحابة الكرام، فقال: ادعوه لنا، و تلطفوا في دعوته، فذهبوا إليه و دعوه، فلما أتاه رحَّب به و أدنى مجلسه و قال له معاتبا: - الآن دقِّق الأستاذ جمال -: ما هذا الجفاء يا أبا حازم ؟ قال: و أي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين ؟ فقال: زارني وجوه الناس، و لم تزرني، قال: إنما يكون الجفاء بعد المعرفة، و أنت ما عرفتني قبل اليوم، ولا أني رأيتك، فأي جفاء وقع مني ؟ فقال الخليفة لجلساءه: أصاب الشيخ في اعتذاره، و أخطأ الخليفة في عتبه عليه، ثم التفت إلى أبي حازم فقال: إن في نفس شؤونا أحببت أن أفضي بها إليك يا أبا حازم، فقال: هاتها يا أمير المؤمنين، و الله المستعان، فقال الخليفة يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت ؟ فقال: لأننا عمَّرنا دنيانا و خرَّبنا آخرتنا، فنكره الخروج من العمار إلى الخراب، فقال الخليفة: صدقت، ثم أردف قائلا: يا أبا حازم ليت شعري ما لنا عند الله غدا ؟ فقال: اعرِض عملك على كتاب الله عز وجل تجد ذلك، فقال: و أين أجده في كتاب الله عز وجل؟ قال: تجده في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23)﴾

[سورة المطففين]

 فقال الخليفة: إذًا فأين رحمة الله ؟ فقال أبو حازم: إن رحمة الله قريب من المحسنين، فقال الخليفة: لي شعري كيف القدوم على اله جل و عز غدا ؟ فقال أبو حازم: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالعبد الآبق يساق إلى مولاه سوقا، فبكى الخليفة حتى علا نحيبُه، واشتد بكاؤه ثم قال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح ؟ فقال: تدعون عنكم الصلف، و تتحلون بالمروءة، فقال الخليفة: و هذا المال ما السبيل إلى التقوى فيه، فقال أبو حازم: إذا أخذتموه بحقه ووضعتموه في أهله، و قسمتموه بالسوية، و عدلتم فيه بين الرعية، فقال الخليفة: يا أبا حازم أخبرني من أفضل الناس ؟ فقال: أولوا المروءة و التقى، فقال الخليفة: و ما أعدل القول يا أبا حازم ؟ فقال: كلمة حق يقولها المرءُ عند من يخافه و عند من يرجوه، فقال الخليفة: ما أسرع الدعاء إجابة يا أبا حازم ؟ فقال: دعاء المحسن للمحسنين، فقال الخليفة: وما أفضل الصدقة ؟ قال: جهد المقِل يضعه في يد البائس من غير أن يتبعه منٌّ ولا أذى، فقال الخليفة: من أكيس الناس يا أبا حازم ؟ فقال: رجل ظفر بطاعة الله تعالى، فعمل بها ثم دلَّ الناي عليها، فقل الخليفة: من أحمق الناس؟ فقال: رجل انساق مع هوى صاحبه، وصاحبه ظالم فضاع أخرته بدنياه، فقال الخليفة: هل لك أن تصحبنا يا أبا حازم فتصيب منا و نصيب منك ؟ فقال: كلا يا أمير المؤمنين، فقال الخليفة: و لِم ؟ قال: أخشى أن أركن إليكم قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة و ضعف الممات، فقال الخليفة: ارفع لنا حاجتك يا أبا حازم، فسكت و لم يجب، فأعاد عليه قوله: ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم نقضها لك مهما كانت، فقال: حاجتي أن تنقذني من النار، و أن تدخلني الجنة، فقال الخليفة: ذلك ليس من شأني يا أبا حازم فقال أبو حازم: هل من حاجة سواها يا أمير المؤمنين ؟ فقال الخليفة: ادعُ لي يا أبا حازم، فقال: اللهم إن كان عبدك سليمان من أوليائك فيسّره إلى خيري الدنيا و الآخرة، و إن كان من أعدائك فأصلحه واهده إلى ما تحب و ترضى، فقال رجل من الحاضرين: بئس ما قلت منذ دخلت على أمير المؤمنين، فلقد جعلت خليفة المسلمين من أعداء الله، آذيته، فقال أبو حازم: بل بئس ما قلت أنت فلقد أخذ الله على العلماء الميثاق بأن يقولوا كلمة الحق، فقال تعالى:

 

﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾

 

[سورة آل عمران]

 ثم التفت إلى الخليفة و قال: يا أمير المؤمنين إن الذين مضوا قبلنا من الأمم الخالية ظلوا في خير و عافية، ما دام أمراؤهم يأتون علماءهم رغبة فيما عندهم، ثم وجد قوما من أراذل الناس تعلموا العلم و أتوا به الأمراء يريدون أن ينالوا به شيئا من عرض الدنيا، فاستغنت الأمراء عن العلماء، فتعسوا ونكسوا، و سقطوا من عين الله عز وجل.
الأستاذ جمال

 

أذكر كلمة قالها الإمام عليٌّ رضي الله عنه

(( قيام الدين و الدنيا أربعة رجال ؛ عالم مستعمل علمه، و جاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، و فقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل العالم بماله باع آخرته بدنيا غيره ))

 فقال الخليفة: صدقت: زدني من موعظتك يا أبا حازم، فما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فمه منك، فقال: إن كنت من أهل الاستجابة فقد قلت لك ما فيه الكفاية، و إن لم تكن من أهلها فلا ينبغي لي أن أرمي بقوس ليس لها وتر، فقال الخليفة: عزمت عليك أن توصيني يا أبا حازم، فقال: نعم سوف أوصيك و أوجز، عظِّم ربك عز وجل ونزِّهه على أن يراك حيث نهاك و أن يفقدك حيث أمرك، ثم سلم وانصرف، فقال له الخليفة: جزاك الله خيرا من عالم ناصح، هذا أبو حازم الذي أدى أمانة التبيان.
 يتضح سماحة الشيخ من خلال هذه الشخصية الفذة كيف أن تقوى الله عزوجل دائما في قلوبهم، في أقوالهم، في أعمالهم، و دائما التقوى هي المخافة من الجليل و العمل بالتنزيل و القناعة بالقليل، و كن تقيا تعش قويا، هؤلاء هم الذين نعتز بهم، و نفخر دائما.
 بقي شيء في هذه القصة ؛ إذ ما كاد أبو حازم يبلغ بيته حتى وجد أمير المؤمنين قد بعث إليه بصرة ملئت دنانير، و كتب إليه يقول: أنفقها و لك مثلها كثير عندي، فردَّه و كتب إليه يقول: يا أمير المؤمنين أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا، و ردي عليك باطلا، فو الله ما أرضى ذلك يا أمير المؤمنين لك، فكيف أرضاه لنفسي، يا أمير المؤمنين إن كانت هذه الدنانير لقاء حديثي الذي حدثتك به فالميتة و لحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ منها، و إن كانت حقا لي في بيت مال المسلمين فهل سوَّيت بيني و بين الناس جميعا في هذا الحق ؟
الأستاذ جمال

 

 العلماء مصابيح الدجى، لأنهم أعزوا علمهم، فأعزهم الله عز وجل، الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى سئل: بمَ نلت هذا المقام ؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس و حاجتهم إلى علمي " كان مرة عند والي البصرة وجاءه توجيه من الخليفة، لعل هذا التوجيه إن نفاذه أغضب الله، و إن لم ينفذه أغضب الخليفة، وقع في أمر حرج جدا، فكانة عنده الحسن البصري، قال: ماذا أفعل يا إمام ؟ فقال الحسن البصري كلمة تكتب بماء الذهب، قال له الحسن البصري التابعي الجليل: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " فكانت كلمة رائعة هي مبدأ هام لكل مؤمن، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

[سورة الشعراء