صور من حياة التابعين - الندوة : 09 - التابعي عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز .

1999-12-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 فضيلة الشيخ التنابعي الجليل، الشخصية الفذة، و يسعدنا أن نتابع عنها اليوم الشيء الجديد و المفيد.
الأستاذ جمال

 ما كاد التابعي الجليل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعة من الراحة بعد ذلك الجهد الجاهد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة، لكن عمر بن عبد العزيز ما كاد يسلم جنبه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك، و كان يومئذ يتجه نحو السابعة عشرة من عمره، و قال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين ؟ فقال: أي بني أريد ان أغفو قليلا، فلم تبق في جسدي طاقة، فقال: أتغفو قبل أن ترد المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين، فقال: أي بني إني سهرت البارحة في عمك سليمان، و إني إذا حان الظهرُ صليت بالناس و رددت المظالم إلى أهلها إن شاء الله تعالى، فقال: ومن لك يا أمير المؤمنين أن تعيش إلى الظهر؟ فأهبت هذه الكلمة عزيمة عمر، و أطارت النوم من عينه، وبعثت القوة و العزم في جسده المتعَب و قال: ادنُ مني أي بني، فدنا منه، فضمَّه إليه و قبَّل ما بين عينيه، و قال:الحمد لله الذي أخرج من صلبي نمن يعينني على ديني، ثم قام و أمر أن يُنادى في الناس: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فمن عبد الملك هذا ؟ وما خبر هذا الفتى الذي قال عنه الناسُ: إنه هو الذي أدخل أباه في العبادة، و سلكه مسالك الزهادة "
 أيها الإخوة، كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا، فيهم ثلاث بنات، و كانوا جميعا على حظ موفور من التقى، مقام كبير من الصلاح، لكن عبد الملك كان واسطة عقد إخوته و كوكبهم المتألّق، لقد كان أديبا أريبا له سن الفتيان و عقل الكهول، ثم إنه نشأ في طاعة الله جل و عز منذ نعومة أظفاره، فكان أقرب الناس سمتا لآل الخطاب عامة و أشبههم بعبد الله بن عمر خاصة، في تقواه لله و تخوفه من معاصيه، و تقربه إليه بالطاعة.
 حدَّثة ابن عمه عاصم فقال: وفدت على دمشق فنزلت على ابن عمي عبد الملك وهو عزب فصلينا اتلعشاء و آوى كل منا غلى فراشه، فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، و أسلم كل منا جفنيه إلى الكرى، ثم إني استيقظت في جوف الليل فإذا عبد الملك قائم يصلي في العتمة، وهو يقرأ قوله تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[سورة الشعراء]

 فما راعني منه إلا أنه كاد يردد هذه الآية و ينشج نشيجا مكبوتا، يقطع نياط القلوب، و كان كلما فرغ من الآية عاد إليها حتى قلت: سيقتله البكاء، فلما رأيت ذلك قلت: لا إله إلا الله، الحمد لله، كما يفعل المستيقظ من النوم، لأقطع عليه البكاء، فلما سمعني سكت، فلم أسمع له حسًّا.
 تتلمذ هذا الفتى العمري على أكابر علماء عصره، حتى تملى من كتاب الله عز وجل، وتضلّع بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، و تفقه في الدين، هكذا على حداثته، من الطبقة الأولى من فقهاء أهل الشام في زمانه.
 لقد روي أن عمر بن عبد العزيز جمع قراء الشام و فقهاءها و قال: إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي، فما ترون فيها ؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين ؛ إن ذلك أمر كان في غير ولايتك، و إن وزر هذه المظالم على من غصبها، فلم يرتح إلى ما قالوا، فالتفت إليه أحدهم ممن كان يرى غير رأيهم و قال: ابعث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك فإنه ليس بدون من دعوت علما أو فقها أو عقلا، فلما دخل عليه عبد الملك قال له عمر: ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمنا من الناس ظلما و قد حضر أصحابُها، وجعلوا يطبلبونها، و قد عرفنا حقهم فيها، فقال: أرى أن تردها إلى أصحابها ما دمت قد عرفت أمرها، و إنك إن لم تفعل كنت شريكا للذين أخذوها ظلما، فانبسطت أسارير عمر وارتاحت نفسه.
في الواقع زهد الأمانة التي دائما يحث عليها القرآن الكريم، و تابعتها السنة الكريمة، فضلا عن ذلك آثر هذا الفتى العمري المرابطة على الثغور و الإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام، فمضى إليها و خلف وراءه دمشق ذات الرياض النضرة، و الظلال الظليلة والأنهار السبحة، وكان أبوه على الرغم من كل ما رعفه من صلاحه و تقاه شديد الخوف عليه من نزعات الشيطان، كثير الغشفاق عليه من نزوات الشباب، حريصا على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلم، وكان لا يغفل عن ذلك أبدا و لا يهمله.
 حدَّث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه و مستشاره فقال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك، يعظه فيها و ينصحه و يبصِّره، ويحذِّره وينذره و يبشِّره، وكان مما جاء فيها قوله: أما بعد فإن أحق من وعى عني و فهم قولي لأنت، و إن الله و له الحمد قد أحسن إلينا في صغير الأمر وكبيره، فاذكر يا بني فضل الله عليك وعلى والديك، و إياك و الكبر و العظمة أغنها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدوٌّ مبين، واعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمر بلغني عنك، فما عرفت من أمرك إلا خيرا، غير أنه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك لنفسك، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره لرأيت مني ما تكره " قال ميمون: ثم التفت إلي عمر و قال: يا ميمون إن ابني عبد الملك قد زين في عيني، و إني اتهم نفسي في ذلك، و أخاف أن يكون حبي له قد غلب على علمي به، و أدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيب أولادهم، فسر إليه و اسبر غوره وانظر هل ترى فيه ما يشبه الكبر و الفخر، فإنه غلام حدث، و لا آمن عليه الشيطان " قال ميمون: فشددت الرحال إلى عبد الملك حتى قدمت عليه، فاستاذنت و دخلت، فإذا غلام في مقتبل العمر، ريان الشباب، بهي الطلعة، جم التواضع، قد جلس على حسية بيضاء فوق بساط من شعر، فرحَّب بي ثم قال: لقد سمعت أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير، وإتي لأرجو أن ينفع الله بك، فقلت له: كيف تجد نفسك ؟ فقال ك بخير من الله عز وجل ونعمة، غير أني أخشى أن يكون قد غرَّني حسنُ ظن والدي بي، و أنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظن، وإني أخاف أن يكون حبُّه لي قد غلبه على معرفته بي، فأكون آفة عليه، فعجبت من اتفاقهما، ثم قلت له: أعلمني من أين معيشتك ؟ فقال: من غلة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبي، ودفعت ثمنها من مال لا شبهة فيه، فاستغنيت بذلك عن فيء المسلمين، فقال: ما طعامك " فقال: ليلة لحم، و ليلة عدس وزيت، وليلة خل و زيت، وفي هذا بلاغ، فقلت له: أفلا تعجبك نفسك ؟ فقال: قد كان في شيء من ذلك فلما وعظني أبي بصَّرني بحقيقة نفسي، فصغَّرها عندي، و حطَّ من قدرها في عيني، فرفعني الله عز وجل بذلك، فجزاه الله من والد خيرا،فقعدت ساعة أحدثه و أستمتع بمنطقه فلم أر فتي كان أجمل وجها، ولا أكمل عقلا و لا أحسن أدبا منه، على حداثة سنه و قلة تجربته.
 هذا عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز كان ولدا صالحا تقيا عفيفا، و كان مجاهدا، و كان في موضع ثقة من أبيه، ومع ذلك كان أبوه يخشى عليه أن يشتطَّ فأرسل من يراقبه عن بُعد ؟ وما الخبر عن هذا الفتى الذي قال عنه الناسُ: إنه هو الذي أدخل أباه في العبادة، لقد كان أديبا أريبا له سن الفتيان وعقل الكهول، ثم إنه نشأ في طاعة الله جل وعز منذ نعومة أظفاره، فكان أقرب الناس سمتا إلى آل الخطاب عامة، وأشبههم بعبد الله بن عمر خاصة، في تقواه لله و تخوفه من معاصيه، و تقربه إليه بالطاعة.
 هذه الصور المشرقة موصولة في هذا التابعي الجليل عبد الملك بن عبد العزيز، أهلا و سهلا بسماحة الشيخ محمد راتب النابلسي الذي كان ضيفا عزيزا على هذه الحلقة الجديدة من صور من حياة التابعين، أهلا وسهلا بك، و إلى اللقاء إن شاء الله، شكرا، أهلا بكم و مرحبا،