صور من حياة التابعين - الندوة : 08 - التابعي أبو مسلم الخولاني .

1999-12-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
فضيلة الشيخ

 عندما نتحدث عن هذه الشخصية الفذة التي ملأت الدنيا عدلا و مثالية و روعة في كل مجالات الحياة، اليوم بين أيدينا شخصية متميزة، أبو مسلم الخولاني، تابعي جليل، لنبدأ الحديث لو سمحتم.
الأستاذ جمال،

 طارت الأخبار في جزيرة العرب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد ثقل عليه المرض بعد عودته من حجة الوداع، فسوَّه الشيطان للأسود العنسي أن يعود للكفر بعد الإيمان، و أن يفتري على الله الكذب، فيزعم لقومه في اليمن أنه نبيٌّ مرسَل من عند الله، و كان الأسود العنسي رجلا شديد المرة، قوي البنية، أسود النفس، مستطير الشر، قد أتقن الكهانة في الجاهلية، وحذق الشعوذة على الناس، و كان إلى ذلك فصيح اللسان رائع البيان، ذكي الفؤاد، قادرا على اللعب بعقول العامة بأباطيله، و كسب ولاء الخاصة بهباته و عطاياه، و كان لا يظهر للناس إلا مقنَّعا بقناع أسود ليحيط نفسه بهالة من الغموض و الهيبة، وقد انتشرت دعوةُ الأسود العنسي، في اليمن انتشار الانار في الهشيم، و قد ساعده على ذلك اتباع قبيلته له، وكانت يومئذ من أكثر قبائل اليمن عددا و أوسعها نفوذا و أشدها بأسا، كما ساعدته على ذلك قدرته على اختراع الكذب وتلفيقه، و استعانته بالأذكياء من أتباعه على ذلك، فقد زعم للناس أن ملكا من السماء ينزل عليه بالوحي و يخبره بالمغيَّبات ن و سلك لإقناع الناس و صحة زعمه هذا مسالك شتى، فكان يبث عيونه في كل مكان ليقفوا له على شؤون الناس وشجونهم، و يكشف عن أسراهم و أحبارهم، و ينفذ إلى ما يعتلج في خبايا نفوسهم، من الآمال و الآلام، وكان في الوقت نفسه يغرون هؤلاء الناس باللجوء إليه و طلب العون منه، فكانوا إذا جاءواه واجه كل ذي حاجة بحاجته، و بدأ كل صاحب مشكلة بمشكلته، وأراهم أنه مطَّلع على ما خفي من أسرارهم، واقف ما استتر من خبايا نفوسهم، و أتى أمامهم من العجائب و الغرائب ما يذهل عقولهم، و يحيِّر ألبابهم، فما لبث أن عظُم أمره - طبعا عند العامة والسوقة و دهماء الناس - واستطارت شهرته، وكثر أتباعه، فوثب بهم على صنعاء، ثم وثب من صنعاء إلى المناطق الأخرى، حتى دانت له البلاد الواقعة ما بين حضر موت و الطائف، و ما بين البحرين و عدن، هذا هو الارتداد الذي ظهر قبيل وفاة النبي عليه الصلاة و السلام، و لما استتب الأمر لأسود العنسي، ودانت له البلاد و العباد، نشط في تتبع معارضيه، ممن آتاهم الله إيمانا راسخا بدينه القويم، و يقينا ثابتا بنبيه الكريم، وولاء صادقا لله و رسوله، و جهرا بالحق و تصدِّيا للباطل، فجعل يبطش بهم في قسوة قاسية، و ينزل بهم أشدَّ النكال، و كان في طليعة هؤلاء عبد الله بن ثوب المكنى بأبي مسلم الخولاني، صاحب هذا اللقاء - هو محور حديثنا في هذا اليوم أبو مسلم الخولاني، فكان أبو مسلم الخولاني رجلا صلبا في دينه، قويا في إيمانه، عنيدا في الجهر بالحق، قد أخلص نفسه لله، فأعرض عن الدنيا و زينتها، زهد في زخرف العيش و متاعه، و نذر حياته لطاعة الله و الدعوة إليه، وباع الفانية بالباقية، بيع السماح، فأحلَّه الناس من نفوسهم منزلة رفيعة، ورأوا فيه رجلا طاهر النفْس والنفَس، مستجاب الدعوة عند الله، وقد أراد أسود العنسي أن يبطش بأبي مسلم بطشة جبارة تبث الهلع والجزع في نفوس معارضي دعوته في السر و العلن، يقمعهم قمعا.
أستاذ جمال

؛ قال تعالى:

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

[سورة الإسراء]

 أين هو الآن ؟ في مزبلة التاريخ، أما النبي الحق الصادق ما زال اسمه عاليا في السماء، فأمر بالحطب بأن يُكدس في ساحة من ساحات صنعاء، و أن تُضرم فيه النار، و دعا الناسَ إلى أن يشهدوا استتابة فقيه اليمن و عابدها الأول أبي مسلم الخولاني، وإقراره بنبوته، و في الوقت المحدد أقبل الأسود العنسي على الساحة التي اكتظت بالناس اكتظاظا، و كان يحفُّ به طواغيته و كبار أتباعه، و يحوطه حرسه و قادة جنده، فجلس على كرسيه العظيم الذي نُصب له قبالة النار، و قيد إليه أبو مسلم الخولاني على مرأى من الناس ومسمع، فلما صار بين يديه نظر إليه الطاغية الكذاب في خيلاء، ثم نظر إلى النار التي تتأجج أمامه في ضراوة، ثم التفت إليه و قال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، أشهد أنه عبد الله ورسوله، وأنه سيد المرسلين، و أنه خاتم النبيين أيضا، فقطَّب الأسود العنسي وجهه و زمَّ حاجبيه و قال: و تشهد أني رسول الله ؟ فقال: إن في أذني صمم فلا أسمع ما تقول: فقال: إذًا أقذفك في هذه النار، فقال: أبو مسلم إن فعلت اتقيت بهذه النار التي وقودها الحطب نارا وقودها الناس و الحجارة، عليه ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، فقال الأسود: لن أعجل عليك، و سأتيح لك الفرصة لتراجع عقلك، ثم أعاد عليه السؤال فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فقال: نعم أشهد أنه عبد الله و رسوله، و انه أرسله بدين الهدى ودين الحق، و ختم برسالته الرسالات، فازداد الأسود حنقا، وقال: وتشهد أني رسول الله ؟ قال أبو مسلم: أما أخبرتك أن في أذني صمما، فلا أسمع مقالتك هذه، فاستشاط الأسود العنسي غيظا من صرامة إجابته وهدوء نفسه و سكينة جوارحه، و همَّ بأن يأمر به فيُلقى في النار، عندئذ تقدم منه كبيرُ طواغيته، و همس في أذنه قائلا: إن الرجل كما عرفت طاهر النفس، مستجاب الدعوة، هذه الفطرة، حتى أعداء الله عز وجل يعرفون هؤلاء الصادقين المؤمنين، إن الرجل كما عرفت طاهر النفس مستجاب الدعوة، و إن الله لن يخذل مؤمنا، لم يخذله في ساعة من ساعات الشدة، وإنك إن ألقيته في النار و نجاه الله منها هدَّمت كل ما بنيته في لحظة واحدة، و دفعت الناس إلى المفر بنبوتك دفعا، و إن أحرقته النارُ ازداد الناس به إعجابا و إكبارا، و رفعوه إلى مصاف الشهداء، فمُن عليه بإطلاق سراحه، و انفِه من البلاد و أرح منه و استرح " هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

[سورة الحج]

 ألهم هذا الطاغوت أن يقنع هذا الكذاب بأن يكف عن قتله، و إلقاءه في النار، فأخذ الأسودُ بمشورة طاغوته، و أمره بمغادرة البلاد لساعته.
الأستاذ جمال، الذكاء حظ من حظوظ الدنيا الراقية، و لكن حيادي، يوظف الذكاء في الخير كما يوظف في الشر، فإذا وصفنا الأسود العنسي بالذكاء فقد وظَّفه في الشر، يمَّم أبو مسلم الخولاني وجهه شطر المدينة، وكان يمنِّي نفسه بلقاء رسول الله صلى الله عليه و سلم، فهو قد آمن به قبل أن تكتحل عيناه برؤيته، و تفرح نفسه بصحبته، لكن ما كاد يبلغ حواشي يثرب حتى بلغه نعيُ النبي صلوات الله و سلامه عليه، وقيام أبي بكر الصديق على خلافة المسلمين من بعده، فحزن على وفاة النبي الكريم حزنا خالط سُويداء قلبه، بلغ أبو مسلم المدينة وقصد مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم، فلما أثقبل على المسجد عقل ناقته قريبا من بابه و دخل إلى الحرم النبوي الشريف و سلم على رسول الله صلوات الله و سلامه عليه، ثم وقف إلى سارية من سواري المسجد وجعل يصلي، فما فرغ من صلاته توجه نحوه عمر بن الخطاب حتى صار أمامه و قال له: ممن الرجل ؟ فقال: من اليمن، فقال: ما فعل الله بصاحبنا الذي سجر له عدو الله النارَ فأنجاه الله منها - أخباره وصلت غلى المدينة - فقال: هو بخير من الله و نعمة، فقال: نشدتك الله أنت هو ؟ فقال: بلى، فقَّل عمر ما بين عينيه و قال: أتدري ما فعل الله بعدو الله و عدوك ؟ فقال: كلا فقد انقطعت أخباره عني منذ غادرت اليمن، فقال: قتله الله على أيدي البقية الباقية من المؤمنين الصادقين و أزال دولته، و رد اتباعه إلى دين الله، و الحمد لله، فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى قرَّت عيني بمصرعه و عودة المخدوعين من أهل اليمن إلى أكناف الإسلام، فقال له عمر: و أنا أحمد الله الذي أراني في أمة محمد من فُعل به كما فُعل بخليل الرحمن أبينا إبراهيم عليه السلام، ثم أخذه من يده ومضى به إلى أبي بكر، فلما دخلا عليه سلما عليه بالخلافة و بايعه، فأجلسه الصديق بينه و بين عمر، وطفقا الشيخان يستعدان مع أبي مسلم خبره مع الأسود العنسي.
أقام أبو مسلم الخولاني زمنا بالمدينة المنورة، لزم خلاها مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم، وصلى ما شاء الله له أن يصلي في روضته المطهرة، و أخذ ما وسعه الأخذ عن جلة الصحابة الكرام، من أمثال أبي عبيدة بن الجراح وأبي ذر الغفاري و عبادة بن الصامت و معاذ بن جبل و عوف بن مالك الأشجعي، ثم بدا لأبي مسلم أن يرحل إلى بلاد الشام، وأن يتخذها له مقاما.
 يعني أردنا من خلال هذا التابعي الجليل أن نرى مدى عمق الإيمان الذي يتمتع به هذا التابعي، ومدى صلابته في موقفه، و كيف أن الله عز وجل وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين فقال تعالى:

 

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

 

[سورة الأحزاب]