الفقه الحضاري - الندوة : 09 - الإعجاز في الكون 2 آيات الله في الكون .

2003-05-15

الأستاذ عدنان:

 السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، و يسرنا أن نلتقي اليوم مع سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ في كلية التربية جامعة دمشق، و خطيب جامع الشيخ عبد الغني النابلسي، أهلاً ومرحباً.

 

الأستاذ راتب:

 شكراً أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً.

 

 

الأستاذ عدنان:

عطفاً على ما كان في حلقة سابقة، حيث أشرت إلى أن الإنسان عندما يعلم أنه في قبضة الله تعالى لا يعصيه، و عندما يظن، أو ينسى، أو تسيطر عليه أوهام أنه قد يتفلت من قبضته تعالى من خلال عدم معرفته للحقيقة بالتالي يعصيه.
 هنا في الحقيقة بعضهم أشار إلى أن كتاب الله تعالى من خلال أشياء كثيرة يندرج تحته أمران هامَّان، أمر فيه نواميس الكون، و أمر فيه عبادات و حدود و تشريع، الإنسان من خلال اتجاهه لا يخالف النواميس الكونية التي أرادها الله تعالى، فأنا إذا أردت أن أنشئ عمارة أبتدئ بها من قواعدها و أساسها، من منطلق أنني أعلم أن الجاذبية الأرضية يجذب الأشياء إليها، فأبتدئ مما هو في الأرض، ولا أبتدئ من الطابق الأعلى، و لو كانت الجاذبية منعكسة، بمعنى آخر لو كانت القوة النابذة هي التي تشد إلى الأرض لكان التمتين يبدأ من الأعلى باتجاه الأسفل، هذه الأمور يمكن أن نقول عنها: إنها يتبعها الإنسان بلا أي شك فيها، فأنا لا ألقي بنفسي من علٍ إن كنت متوازناً عقلياً، لا ألقي بنفسي من علٍ لأنني أعلم أن الجاذبية، ولو فهمتها بمعناها العلمي، أو لم أفهمها أنني سأكون في النهاية قد قذفت بنفسي إلى الموت، لماذا ينسى الإنسان الجانب الآخر من القرآن الكريم ، و هو الذي أراده الله تعالى، وبين لنا في كتابه أشياء تتعلق بنواميس الكون فاتبعناها إن قلت مرغمين أو طائعين أو غير ذلك إنما اتبعناها، لماذا لا نتبع الجانب الآخر، والإله نفسه الذي وضع لنا أسس حياتنا، إن كانت نواميس كون، أو كانت تشريعات، مما كنت ذكرته في حلقة سابقة ؟ أستطيع أن أنطلق شيئاً أو بشيء إلى هذا الجانب لأتابع معكم بعد هذا الحديث عن الجانب العلمي.

 

 

الدكتور راتب:

 لو أخذنا قانون السقوط كما تفضلت، هذا القانون سواء عليّ أقبلته أم لم أقبله، أعجبني أم لم يعجبني، رضيته أم لم أرضه، هذا القانون مطبق عليّ، هذه حقيقة دقيقة جداً، أن نواميس الله في خلقه، وأن منهجه العظيم مطبق على خلقه، آمنوا أم لم يؤمنوا، ذلك لأن منهج الله عز وجل موضوعي، بمعنى أنه لو جاء كافر، وطبّقه لقطف نتائجه في الدنيا، ولو جاء مسلم دعا إليه، ولم يطبقه لا ينال منه شيئاً، قضية علم، أيْ بين الأمر ونتيجته علاقة علمية، أنا حينما أطلب من طلابي مثلاً أن يدخلوا من هذا الباب، ويأتي واحد منهم، ويخرج من باب آخر أعاقبه، لكن ليس هناك من علاقة علمية بين خروج إنسان من باب والعقاب، هذه علاقة وضعية، أنا وضعتها، وهذا معظم شأن القوانين الوضعية، لكن الأمر الإلهي بين الأمر ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، بمعنى أن وزير الكهرباء وضع لافتة على خط التوتر العالي أن هذا الخط ممنوع الاقتراب، تحت الموت، لو أن إنساناً ساذجاً قال: ليس هناك شرطي يراقبني، التوتر العالي يعاقبك، هناك علاقة علمية بين الاقتراب من هذا التيار، و بين التفحم، إن وجد الشرطي أم لم يوجد، أنا حينما أفهم أمر الله عز وجل أنه أمر موضوعي، بمعنى أن العلاقة بينه وبين النتائج المترتبة على معصيته علاقة علمية تقوم على أمر الله، تماماً كما لو أن إنساناً يمشي في حقل، وقرأ لوحة كتب عليها: ممنوع التجاوز، حقل ألغام، بادئ ذي بدء لا يشعر بحقد على واضع هذه اللوحة، بل يشعر باحترام له، لأنه حريص على سلامته، ثم إن هذه اللوحة لا تعد حداً لحدوده، بل هي ضمان لسلامته، فأنا حينما أفهم أوامر الله عز وجل على أنها موضوعية، وعلى أن العلاقة بينها وبين نتائجها علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة عندئذ أستقيم على أمر الله، قناعة مني أنني أحقق سلامتي وسعادتي، والإنسان كما تعلمون يحب وجوده، ويحب سلامته، ويحب كماله، ويحب استمراره، وهذه كلها لا تتحقق إلا بتنفيذ تعليمات الصانع الموضوعية، فلو جاء إنسان كافر بالدين، و صدق تعليمات الصانع لقطف ثمارها في الدنيا، و لو جاء إنسان يدعي أنه مؤمن، و لم يأخذ بهذه التعليمات لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا معنى ما تفضلتم به منهج موضوعي، لذلك بعض الأمم غير الإسلامية طبقت بعض ما في الإسلام لا عبادة لله، و لكن تحقيقاً لمصالح شعوبها، فقطفت ثماراً عالية جداً، وهذه الحقيقة واقعة.
 نعود إلى موضوع الإعجاز العلمي، في الفترة الأخيرة بدأت تعقد مؤتمرات في الإعجاز العلمي، المؤتمر الخامس عقد في موسكو، المؤتمر السادس عقد في لبنان، وقد حضرت هذا المؤتمر، ويوجد مؤتمر سابع سيعقد في دبي، هذه المؤتمرات تطرح فيها مسائل رائعة، مما طرح في مؤتمر الإعجاز العلمي الخامس الذي عقد في موسكو بحث طويل، عندي أصله، لكن ملخصه أن الله عز وجل حينما يقول:

 

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾

[ سورة السجدة: الآية 5]

 الحقيقة أن علماء التفسير وقعوا في حيرة من هذه الآية، ما معنى أن هذا اليوم يساوي ألف سنة ؟ واضع هذا البحث، وقد جاء بأدلة قوية جداً، و تكاد تكون قطعية، أن الله سبحانه و تعالى يخاطب الأمة العربية وقت نزول القرآن، في قوله تعالى:

﴿ مِمَّا تَعُدُّون ﴾

  والعرب يعدّون السنوات القمرية، والقمر كما يعلم الإخوة المشاهدون يسير حول الأرض دورة كل شهر، و إذا خاطبت طلاب الثانوي ـ طلاب الصف العاشر ـ مركز الأرض ومركز القمر وصلنا بينهما بخط، هذا الخط هو في الحقيقة نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، و من السهل جداً أن نكشف ما طول هذا الخط، المسافة بين الأرض والقمر مضاف إليها نصف قطر القمر مع نصف قطر الأرض، هذا الخط الواصل بين مركز الأرض و مركز القمر هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، لو أن هذا الرقم ضربناه باثنين لكان القطر، لو ضربناه بثلاثة ب 3.14 لكان المحيط، إذاً بحساب بسيط يستطيعه طالب في الصف العاشر أن يحسب كم كيلومترًا يقطع القمر في رحلته حول الأرض ؟ بحساب البعد بين الأرض والقمر، ثم إضافة نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر، ثم ضرب باثنين، ثم ضرب بـ ( ب )، و هو 3014، فإذا ضربنا هذا المحيط باثني عشر نكتشف كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في عام، فإذا ضربنا هذا الرقم بألف نكتشف كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، هذا الرقم الكبير عدد الكيلومترات التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، نعود إلى الآية:

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾

[ سورة السجدة: الآية 5]

 أي يوجد عندنا ألف سنة تساوي يومًا، لو قسمنا هذه المسافة الكبيرة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثواني اليوم، ثواني اليوم ستون، ضرب ستين، ضرب أربع وعشرين، لو قسمنا هذا الرقم الكبير المسافة مجموع المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض بألف عام على ثواني اليوم لفوجئنا أن الجواب هو سرعة الضوء، ليست التقريبية، التقريبية ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، في الدقيقة مئتان و تسعة وتسعون ألف وسبعمائة واثنان وخمسون، بالضبط، هذه سرعة الضوء الثابتة المودعة في أكاديمية العلوم في باريس، إذاً ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، هذه النظرية الضخمة التي جاء بها إنشتاين، والذي يفتخر به الغربيون هي في مفادها أن السرعة المطلقة في الكون هي مئتان وتسعة و تسعون ألفًا وسبعمئة واثنان وخمسون، هذه سرعة الضوء، فأي جسم سار مع الضوء أصبح ضوءاً، وأصبحت كتلته صفراً، وحجمه لانهائياً، وإذا سار الجسم مع الضوء توقف الزمن، فإذا سبق الضوء تراجع الزمن، فإذا قصر عن الضوء قصر الزمن، بمعنى أن النقطة إذا حركناها رسمت خطاً، فإذا حركنا الخط رسم سطحاً، فإذا حركنا السطح رسم حجماً، أبعاد ثلاثة، طول، عرض، ارتفاع، الأشياء المادية لها طول، وعرض، وارتفاع، فإذا تحرك هذا الحجم شكّل زمناً، والزمن هو البعد الرابع للأشياء، لهذا العالم الذي جاء بالنظرية النسبية مقولة رائعة يقول: كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون، عليمة هي أعلم ما تكون، رحيمة هي أرحم ما تكون، حكيمة هي أحكم ما تكون، هو إنسان حي، ولكنه ميت، قال الله تعالى:

 

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 21]

 بالمناسبة ما من صفة مادية في الإنسان إلا وفي الحيوان ما يفوقه بها، الإنسان يشم، الكلاب تشم مليون ضعف، الإنسان يرى، الصقر يرى ثمانية أضعاف، أنا أقول كلاماً دقيقاً جداً: ما من صفة مادية في الإنسان إلا وفي الحيوان ما يفوقها، أكبر عالم للزلازل لا يستطيع أن يتنبأ بالزلزال ولا قبل وقوعه ثانية، وبعض دواب الأرض تتنبأ به قبل ربع ساعة، لحكمة بالغة بالغةٍ أرادها الله أن الإنسان إذا افتخر بخصائصه المادية فهناك في الحيوانات ما يفوقه بها، لكن الإنسان أكرمه الله بالعقل، وأكرمه الله بمعرفته، للإنسان حاجات دنيا وحاجات عليا، من حاجاته العليا أن يعرف الله، من حاجاته العليا أن يدرك الحقيقة، فالإنسان لا يؤكد إنسانيته، لا يؤكد انتماءه إلى الجنس البشري إلا إذا عرف الحقيقة، ومعرفة الحقيقة أكبر هدف في حياة الإنسان.

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

 

[ سورة العنكبوت: الآية 69]

 فالإنسان إذا مشى مع الضوء توقف الزمن كيف ؟ هذه الندوة المباركة هناك موجات ضوئية تصدر عنها، سرعتها ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، لو تصورنا افتراضاً أن جهة ما تمشي مع هذه الموجات، إذاً هذه الندوة ترى إلى أبد الآبدين، توقف الزمن، لو أننا سبقنا الموجات الضوئية لرأينا من كان في هذا المكان قبل مئة عام، إذا سبقنا الضوء تراجع الزمن، قصرنا عن الضوء تراخى الزمن، الساعة في الفضاء الخارجي يقابلها مئة عام في الأرض، فقضية الضوء قضية دقيقة جداً، فهذه النظرية العملاقة التي جاء بها بعض العلماء الكبار هذه النظرية مودعة في كلمات محدودة في كتاب الله:

 

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾

 

[ سورة السجدة: الآية 5]

أستاذ عدنان:

 دكتور أحياناً نجد ما يشير إلى ألف سنة مما تعدون، تارة خمسين ألف سنة، هذه اختلافات، ثانياً يعرج، قضية العروج أيضاً كما أعلم أو كما أسمع على الأقل عندكم الجواب أنه ليس معنى كلمة عروج أنه الانطلاق السريع باتجاه السهم، إن صح القول، إذ أن العروج في السماوات من خلال ما فيها من أجرام سماوية مختلفة، و ليس بشكل سهمي مستقيم، حبذا لو توقفنا عند هذا ؟

 

الدكتور راتب:

 الآية الثانية:

 

 

﴿ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾

 

[ سورة السجدة: الآية 5]

 لم يقل الله عز وجل في هذه الآية: مما تعدون، تلك هي سرعة الملائكة:

﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)﴾

[ سورة المعارج: الآية 4]

 في هذه الآية الثانية لا توجد كلمة تعدون، هذا هو الفرق بين الآيتين، على كل نحن حينما ننظر إلى هذه الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل لا شك أننا نخشع لله عز وجل، كما أقول دائماً: إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
 مرصد عملاق رصد نجما، الحقيقة مرة عرضت هذه على الشاشة صورة، إذا تأملتها توقن يقيناً قاطعاً أنها وردة جورية، لا تشك لثانية واحدة إلا أنها وردة جورية بأوراقها الحمراء الداكنة، ولوريقاتها الخضراء الزاهية، ولكأسها الأزرق في الوسط، هذه الصورة إن شاء الله في لقاءات قادمة أعرضها على الإخوة المشاهدين، هذه الصورة هي انفجار نجم في الفضاء الخارجي اسمه عين القط، يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، بالمناسبة إن أقرب نجم ملتهب إلينا يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، لو أردت أن أسير افتراضاً إلى هذا النجم بمركبة أرضية لاحتجت إلى خمسين مليون عام، أقرب نجم ملتهب إلى الأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، لو كان له طريق سالك بمركبة أرضية لاحتجت إلى خمسين مليون عام، نجم القطب أربعة آلاف سنة ضوئية، المرأة المسلسلة مليونيا سنة ضوئية، أحدث نجم اكتشف حديثاً يبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية، تقرأ قوله تعالى:

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 هذا النجم كان في هذه الجهة قبل عشرين مليار سنة، وبقي ضوءه يمشي إلينا عشرين مليار سنة حتى رأيناه، والنجم هذا سرعته تقترب من سرعة الضوء، سرعته تقترب من مئتين وأربعين ألفا في الثانية، أين هو الآن ؟ لو أن عالم فلك قرأ الآية الكريمة:

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 عند كلمة مواقع ينبغي أن يخر لله ساجداً، كلمة موقع لا تعني أن صاحب الموقع في الموقع، لو أن الآية مثلاً افتراضاً فلا أقسم بالمسافات بين النجوم، ليس هذا قرآناً، لأن النجوم متحركة، أما كلمة موقع فتعني أن صاحب الموقع ليس في الموقع في هذا المكان، كان نجماً قبل عشرين مليار سنة، وسار، ولا يعلم إلا الله أين هو الآن، لكن من هذا المكان، من هذا الموقع بقي الضوء يمشي إلينا عشرين مليار سنة.
 هذا النجم عين القط ثلاثة آلاف سنة ضوئية، الأربعة آلاف سنة ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون سنة، هذا النجم انفجر، صوروا انفجاره بأضخم وكالة فضاء ( ناسا )، والصورة عندي، لا تشك للحظة واحدة أنها وردة جورية، الشيء الدقيق اقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن:

 

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38)﴾

 

[ سورة الرحمن]

 أستاذ عدنان والله لو قرأت كل التفاسير حول معنى هذه الآية لا يروى غليلك إلا بهذه الصورة، وهذا مصداق ما قاله الإمام علي كرم الله وجهه: " في القرآن لكريم آيات لما تفسر بعد "، لا تجد تفسيراً أروع ولا أبدع لهذه الآية إلا هذه الصورة، وكانت وردة كالدهان.

 

الأستاذ عدنان:

وردة واضحة إنما كالدهان.

 

 

الدكتور راتب:

 قالوا: فيها لمعة، نحن حينما نريد أن نلمع شيئاً نطليه ببعض الدهون، فهكذا ورد في تعليل هذه السورة، فبأي آلاء ربكما تكذبان، على كل هذه بعض الآيات الآن في وكالات فضائية تبث من عام خمسة وتسعين حتى الآن، كل يوم صورة للمجرة، وفي موقع معلوماتي في الإنترنت يمكن أن نتابع هذا الموضوع هي الصورة التي ذكرت عنها قبل قليل مأخوذة من هذا الموقع، كل يوم تقدم لزوار موقعها على الانترنت صورة للفضاء الخارجي بألوانه الطبيعية الحقيقة، الإنسان حينما ترتقي معرفته بالله عز وجل لا يجد بداًُ من طاعة الله عز وجل، يمكن أن نفسر علة تفلت المسلمين من منهج الله ضعف معرفتهم بالآمر، ونحن في أمس الحاجة في أن نتحرك في خطين معاً، في خط معرفة الله عز وجل، وخط معرفة منهجه.

 

 

الأستاذ عدنان:

 الحقيقة عود على بدء، كما يقولون، هذا يشير إلى ضرورة أن يكون الإنسان كما يتبع نواميس الكون التي أرادها الله عز وجل عليه أن يتبع ما في كتاب الله عز وجل من أوامر من وضع نواميس الكون، لا يستطيع الإنسان أن يتحداها، إنما يرضى بها، ويسير من خلالها، ولا يتفلت عنها في أي شيء، ولو أراد أن يتفلت لقضى على ما يسير به من أيدي التفلت، وقضى على ما يحاول من خلاله أن يتفلت، بالتالي ما أحوج الإنسان أن يتابع مسيرته في عدم التفلت إن كان في الأمور العلمية أو كان في أوامر الله تعالى التي أمرنا بها فهي لصالحنا، وكما ذكرتم لا يتفلت عن أمر الله عز وجل إلا من جهل عن الله تعالى، فحاول أن يتلاعب في أوامره، إنما إذا علم الإنسان عن الله عز وجل فيما أُمر به، يجب أن يعلم أنه لا بد أن يطيعه في كل شيء.
 نرجو الله تعالى أن تكون طاعتنا على المقدار الذي ينجينا، ويسعدنا في الدنيا وفي الدار الآخرة، وعندما يكون الإنسان كذلك يا سعادته، وعندما يبتعد عن ذلك يا خسرانه، وبؤسه وشقاءه في الدنيا وفي الدار الآخرة، ونشهد في الدنيا من يتفلت عن أوامر الله في نواميس الكون، كيف أنه يخضع إليها بعد ذلك، والعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.

 

 

الدكتور راتب:

 ملاحظة بسيطة جداً، الإنسان مخير خيار قبول أو رفض في ملايين القضايا، قد تعرض عليه تجارة فيرفضها، ربحها قليل، قد يعرض عليه وظيفة فيرفضها، وفي ملايين القضايا الإنسان خياره خيار قبول أو رفض، إلا مع الإيمان فخيار وقت، بدليل أن أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ﴾

والذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

حينما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

 إذاً نحن خيارنا مع الإيمان خيار وقت فقط، وهذا مما يتميز به الإيمان، لأن كل إنسان يأتيه ملَك الموت سوف يؤمن بالحقائق الكبرى التي جاء بها الأنبياء، ولكن بعد فوات الأوان.

الأستاذ عدنان:

في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق، وكل الشكر أيضاً للإخوة المشاهدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.